; المسلمون في الطريق إلى بيت المقدس | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في الطريق إلى بيت المقدس

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003

مشاهدات 61

نشر في العدد 1570

نشر في الصفحة 47

السبت 27-سبتمبر-2003

كلما جاءت ذكرى الإسراء والمعراج هيجت في نفسي لواعج الشوق إلى أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرت في مخيلتي مواكب الإيمان، مجللة بالنور، مزينة بالجلال، ترفرف عليها ملائكة الرحمن حاملة للبركات سابحة في أضواء القدس، محلقة حول عبق الأنبياء والأولياء والمجاهدين والشهداء، ولم لا، ونفحات الأرض المقدسة تعمل عملها في النفوس والأرواح، وبركاتها تغمر الأجواء وتعطر الأرجاء؟! فأرض فلسطين والمسجد الأقصى مباركان بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1)، وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 71) ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 81)، قال ابن كثير: بلاد السلام، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ (سبأ: 18)، قال ابن عباس: القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس.

أرض بهذه البركات، ومكانة بتلك الجلال، لا بد أن تهيم بها القلوب وتخفق لها الجوانح وتطير شوقًا إليها الأجساد والأرواح، فكم لهجت بذكرها الألسن، وكم سحرت بقدسها الألباب ونادت بروحانيتها العباد والزهاد، فإيه يا قبلة القصاد وهوى العشاق وميدان الرباط وأرض الجهاد ما حدثتني نفسي أبدًا أنكِ يمكن أن تكوني مستباحة للئيم، أو وطنًا لمجرم طريد، أو ملاذًا لإخوان القردة والخنازير، لأن هذه الديار المباركة دائمًا أبدًا تنفي خبثها، وتطرد عن وجهها الصبوح الهوام والجراثيم.

هكذا قضى الله، وحدثتنا به الأيام والوقائع والتواريخ عن اليهود وغيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ (الإسراء4 - 5).

ويسجل تلمود اليهود أن سقوط دولتهم وتدميرها لم يكن إلا عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغًا فاق الحدود، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات أرمياه، وبعد تدمير الهيكل وجه النبي أرمياه كلامه إلى نبوخذ نصر والكلدانيين قائلًا: «لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب إسرائيل، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب»، وتشير التوراة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها اللعن والطرد، فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم قوله: «ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد المفسدين الذين تركوا الرب واستهانوا بالقدوس، وارتدوا إلى وراء».

 ثم تقول التوراة أيضًا: «الأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع وغيروا الفريضة ونكثوا العهود الأبدية» «ولهذا الدنس اليهودي والفساد والشرور التي لازمتهم تعرضوا للأسر والسبي على يد «بختنصر، وأخذ حاكمهم أسيرًا وقتل أبناؤه أمامه، وسملت عيونه، وجمع 40 ألفًا من اليهود وسباهم إلى بابل، وتشتت ما بقي من اليهود هربًا إلى مصر».

واليهود اليوم بلغت آثامهم عنان السماء، وملأت مشارق الأرض ومغاربها، وسيبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأعراف: 167).

وما أظن أن الذي سيسومهم سوء العذاب أحد غير المسلمين لأسباب منها:

1- أن اليهود ليسوا بأعتى من الصليبيين الذين زحفوا بالقارة الأوروبية على الشرق الإسلامي، واحتلوا بيت المقدس، وكثيرًا من بلاد الشام في غفلة من المسلمين، وكذلك التتار الذين دمروا كل شيء وأحرقوا الأخضر واليابس، وما استعصى إخراجهم ودحرهم على الأمة الإسلامية.

2 - الداخل إلى فلسطين يغامر بطريقة فجة في الدخول في قلب العالم الإسلامي، حيث تحيط به بحار من البشر، لا يستطيع منها فكاكًا، ويكون مثل الشيء الغريب الذي يلفظه الجسد، لا يستطيع أن يمكث فيه طويلًا.

3 - فريضة الجهاد التي تحرك المسلمين وتبعثهم على منازلة المعتدين، وتحذر من الفرار أمام الأعداء أو من يوليهم الدبر ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 16).

4 - التراث الإسلامي الكبير الذي يملأ جوانح المسلمين بالبطولات والانتصارات العظيمة، ويأمرهم بالصبر والثبات أمام الأعداء حتي يأتي النصر والفرج ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).

حيث إن عوامل النصر الحقيقية تتمثل في الثبات أمام العدو، والاتصال بالله وطاعته وطاعة رسوله، وتجنب الشقاق والصبر على تكاليف المعركة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال 45 - 46).

والتراث الإسلامي دائمًا أبدًا يلقن المسلمين سنن النصر والهزيمة ويعلمهم أساليب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وجماع ذلك كله في طاعة الله واتباع أوامره بالإعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، وإخلاص النية والتجرد لله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، عند ذلك ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141).

بل سيكون المؤمنون العاملون هم سادة الأرض وحكامها، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55)، فهل نتبع في ذكرى الإسراء سنن النصر وأساليبه حتى نفوز بإحدى الحسنيين؟! نسأل الله ذلك آمين.

الرابط المختصر :