; المسلمون في أوروبا واستيعاب متطلبات المواطنة | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في أوروبا واستيعاب متطلبات المواطنة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 106

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

باريس: د. محمد الغمقي

يتشكل المسلمون في أوروبا من أربعة أصناف: الوافدين واللاجئين والسكان الأصليين والمسلمين الجدد.

 أولًا: الوافدون: وهم الصنف الأكثر حجمًا إذا تم جمع كل الأقليات الإسلامية في أوروبا الشرقية والغربية وفيهم المهاجر والمقيم.

فالمهاجرون لم يطرحوا على أنفسهم الارتباط بالبلاد الأوروبية - الغربية بعقد المواطنة واكتفوا بالرباط الاقتصادي بمعنى الاستفادة من وجودهم بهذه البلاد لتحسين أوضاعهم المادية عن طريق ما تدرَه عليهم رواتبهم إضافة إلى ما يتمتعون به من مساعدات مالية تندرج في إطار الخدمات والضمانات الاجتماعية التي تقدمها البلاد الأوروبية، وهذه النظرة المادية تقوم على عملية مقارنة دائمة بين موطن الأصل وموطن الإقامة من حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتركيز على الامتيازات التي يصعب الحصول عليها في البلاد الأصلية التي تعاني من صعوبات اقتصادية، وبالنظر إلى أن الواقع يثبت أن الهوة تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم على الصعيد الاقتصادي بين أوروبا والغرب عموماً من جهة وبقية مناطق العالم ومنها المنطقة العربية الإسلامية من جهة أخرى، فإن المهاجرين تحولت إقامتهم المؤقتة تدريجياً إلى إقامة مطولة خاصة أن عدداً منهم جرب العودة «النهائية» إلى البلاد الأصلية، وسرعان ما قفل راجعاً إلى بلد الهجرة تاركاً وراءه بيته الذي ضحى بما ادخره من مال لبنائه وتأثيثه، ومنهم من بقي يأمل العودة يوماً ما إلى بلده الأصل «عندما تتهيأ الظروف» ويطمع في العيش بين أهله في آخر حياته ويتمنى أن يموت ويدفن في الأرض التي ترعرع فيها بحضور عشيرته.

أما المقيمون فهناك من بينهم نخبة من المثقفين والدعاة اختاروا الاستقرار في أوروبا عن قناعة تامة انطلاقاً من تصور يقوم على خلفية أيديولوجية تؤسس لضرورة وجود تواصل حضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ويدعو أصحاب هذا الاختيار إلى الحوار بين الحضارات وإلى اندماج المسلمين الإيجابي في المجتمعات الأوروبية – الغربية باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من هذه المجتمعات، والعمل في ضوء ذلك على المشاركة في صنع الحاضر والمستقبل على كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها.

وقد أسهمت هذه النخبة في بناء العمل المؤسساتي الإسلامي في عدة قطاعات دعوية وإعلامية وثقافية أما بقية المقيمين، فتعود خلفية طلبهم لجنسية البلاد التي يقيمون بها إلى عوامل اجتماعية فرضت نفسها عليهم تتمثل أساساً في نشأة وترعرع أبنائهم في ظل مجتمعات أوروبية، إذ لا يعني الاستقرار بالنسبة لغالبيتهم استيعاب متطلبات المواطنة من حقوق وواجبات، حيث يلاحظ لدى الجيل الأول بالخصوص نزعة للاكتفاء بالحصول على بطاقات الهوية وجوازات السفر للاستفادة منها على المستوى الخاص أو العائلي، والاقتصار على مواطنة إدارية لا ترتقي إلى الشعور بالانتماء إلى فضاء أوروبي، ويلتقي هؤلاء مع المهاجرين في البقاء على حنينهم وارتباطهم الوجداني بالمواطن الأصلية وهم حريصون على الحفاظ على هويتهم وعدم الذوبان في مجتمعات الإقامة عن طريق بناء المساجد والمدارس.

في المقابل، فإن مسألة الاستقرار في نظر أبنائهم من البديهيات التي لا تحتاج إلى تفكير ولا نقاش عدا بعض الاستثناءات التي تحفظ ولا يقاس عليها، ويعزى ذلك إلى الارتباط الطبيعي بين الإنسان وموطن نشأته ومخزون ذكرياته في صباه وشبابه، ومن بين العوامل الرئيسة في العلاقة بين أبناء المسلمين والمجتمعات الأوروبية - الغربية عامل اللغة، ذلك أن هذا الرباط القوي هو المدخل الأساسي للاستقرار.

لكن يبقى العديد من الإشكالات قائم بحكم الاختلاف الحضاري على المستوى القيمي والتصورات للإنسان والكون والحياة، ولم يستطع عدد من أبناء الجالية المسلمة استيعاب هذا الاختلاف، فهم يعيشون حالة انبهار بالمادية الغربية في غياب أو ضعف التربية الإسلامية التي تعطي للوازع الديني أهمية كبرى خاصة في أوساط العائلات ذات الدخل الضعيف أو التي تسودها الأمية، والنتيجة، أن هؤلاء الأبناء شباتًا وفتيات - انصهروا سلبيًا في المجتمعات الأوروبية.

ويتسبب هذا الأمر في توترات داخل العائلة بين الأبناء والأولياء الذين يغلب عليهم في مثل هذه الحالات طابع التسليم بالأمر الواقع.

تضاف إلى هذه الإشكالات رواسب التاريخ الاستعماري في البلدان التي مرت بتجارب قاسية في علاقتها مع العالم الإسلامي، وعلى رأس هذه البلدان فرنسا التي لم يستطع الرأي العام فيها هضم الحضور الإسلامي الكبير في هذا البلد «من خمسة إلى عشر ملايين ينتمون إلى الجالية المسلمة باختلاف المصادر الرسمية وغير الرسمية». وزاد الوضع تعقيداً بروز طرف سياسي هو الجبهة الوطنية التي تكتسح الرأي العام تدريجياً بما تقدمه من طروحات ذات خلفية عنصرية ضد الوجود الأجنبي عموماً والحضور الإسلامي خصوصاً، وقد لعب هذا الحزب دورًا كبيرًا في التخويف - من الإسلام ومظاهره مثل الحجاب والدعوة إلى التصدي إلى ما يسميه بـ«أسلمة المجتمع الفرنسي» وبالطبع يستغل هذا الحزب انحرافات بعض الشباب المنتمين إلى الجالية المسلمة للتشهير بالأجانب المقصود بهم المسلمين، وتعد هذه الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين من أكبر الحواجز أمام قبول هؤلاء كطرف اجتماعي كامل الحقوق.

وهناك عدد كبير من الشباب الواعين بالتحديات والمصرين على تحقيق معاني المواطنة في الواقع، وفي هذا الإطار تندرج إقامة المؤسسات الشبابية الإسلامية على مستوى الأقطار الأوروبية والتنسيق فيما بينها، ومشاركة الشباب الفاعلة في مشاريع مستقبلية اعتمادًا على وسائل الاتصال الحديثة مثل الإنترنت، والقيام بأنشطة منفتحة على المجتمعات الأوروبية.

ثانيًا: اللاجئون لأسباب سياسية وأمنية، وقد شهد هذا الصنف نموا عدديًا في السنوات الأخيرة بسبب التطورات التي عرفتها المنطقة الإسلامية، ومعلوم أن الأحداث الدموية في الجزائر دفعت العشرات من المثقفين وذوي الانتماءات السياسية إلى الهجرة إلى بلدان غربية وأوروبية أساسًا، وقد سبقهم إلى الوضع نفسه أبناء الحركة الإسلامية في تونس، حيث لجأ عدد منهم إلى الخارج في بداية الثمانينيات وبعد الحملة الواسعة التي طالت الإسلاميين وأنصارهم وقطاعات واسعة من المجتمع في التسعينيات، وهم يلتقون من حيث ظروف الإقامة مع لاجئين قدموا من الشرق «سورية - فلسطين - لبنان» مع الفارق الكبير من حيث التوقيت، حيث جاءت موجات الهجرة السياسية الأخيرة في ظروف عالمية دولية غير مناسب للصحوة الإسلامية، بما يفسر العراقيل الموضوعة أمام حصول عدد من المهاجرين بدينهم على حق اللجوء السياسي المعترف به دوليًا، وما يتبع ذلك من صعوبات اجتماعية ومادية بالنسبة لعدد من العائلات المهاجرة لأسباب سياسية.

بيد أن هذه الهجرة أسهمت في إعطاء الحضور الإسلامي زخماً جديداً بسبب نوعية هؤلاء المهاجرين من حيث الوعي والنشاط والقدرة على ربط العلاقات مع الآخر، وقد شارك عدد من هؤلاء اللاجئين في ندوات وملتقيات ومؤتمرات إسلامية وغير إسلامية قدموا خلالها طروحات قيمة حول التواصل الحضاري وحقوق الإنسان التي أخذت بعداً جديداً في الخطاب الإسلامي في أوروبا والغرب.

ثالثاً: السكان الأصليون في أوروبا الشرقية وتحديداً في منطقة البلقان، ومنهم من تحول بدوره إلى الصنف الثاني بعد إشعال نار الفتنة لضرب الحضور الإسلامي في أوروبا، والتي أدت إلى حروب ومجازر في كل من البوسنة وكوسوفا لم تشهد في العصر الحاضر لها مثيلاً في الوحشية سوى ما تم في رواندا في إفريقيا، مع وجود فوارق كبيرة من حيث الموقع الجغرافي والأطراف المتورطة في المجازر ونوعية تفاعل القوى الخارجية مع كلا القضيتين.

رابعًا: المعتنقون للإسلام أو ما يُطلق عليهم «المسلمون الجدد» وهذا الصنف له خصوصياته من حيث العلاقة بين الإرث المسيحي والانتماء العقائدي الإسلامي الحديث ومتطلباته على مستوى الشعائر ونوعية العلاقة مع المحيط.

ويلاحظ أن النزعة الروحية تسود هذا الصنف الذي ينقصه التصور الشمولي للإسلام، خاصة وقد اختار البعض اعتناق الإسلام كحل ذاتي بخلفية الهروب من طغيان المادية، وبمعزل عن كتلة المسلمين الوافدين الذين يحملون عنهم في الغالب صورة مشوهة للأسباب المذكورة أعلاه، ولئن اعتبرت مسألة استيعاب المواطنة بالنسبة لهذا الصنف غير مطروحة لأنهم أصيلو المجتمعات الأوروبية، فإن الإشكال في ضعف استثمار هذا العامل الإيجابي لتطوير واقع الحضور الإسلامي في أوروبا في غياب بعد الانتماء الديني الجماعي لدى نسبة منهم.

ويمكن القول إن الأجيال الصاعدة من مسلمي أوروبا هي المؤهلة لاستيعاب متطلبات المواطنة إيجابيا مع الأخذ بالاعتبار وجود شريحة من الشباب المسلم المتبنّي لقراءة متشددة لتطبيق الإسلام إلى جانب وجود تيار عنصري رافض للحضور الإسلامي في أوروبا يعيقان هذا المسار، ولكن رغم هذه العوائق فإن القناعة بضرورة الانفتاح على الآخر وقبول التنوع والتعددية في إطار الاختلاف في طريقها إلى التجذر والترسخ، بما يفتح المجال أمام المسلمين في أوروبا لدور أهم.. كجزء أساسي من تركيبة المجتمعات الأوروبية.

الرئيس السويسري يبدأ خطابه بـ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

«باسم الله المقتدر» تتصدر الدستور السويسري

برن: المجتمع

كانت السمة الأبرز في احتفال سويسرا هذا العام بعيدها الوطني هو تأكيد رئيس الدولة على احترام بلاده للدين الإسلامي وللمسلمين، والتأكيد على مكانتهم المحترمة في المجتمع إلى جانب أصحاب الديانات الأخرى.

وقد جسد الرئيس السويسري هذا التعبير في خطابه الذي ألقاه نيابة عنه نائبه في احتفال الجالية الإسلامية بالعيد الوطني لتأسيس سويسرا بهذه المناسبة، إذ بدأ الخطاب بالبسملة «بسم الله الرحمن الرحيم» باللغة العربية، ثم أتبع ذلك قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم ألقى خطابه الذي أكّد فيه على معاني الإيمان بالله وعلى أهمية الدين، وكان أهم ما جاء في الخطاب في هذا الصدد:

نحن جئنا لنحتفل سويًا بالعيد الوطني «عيد الدستور».. سويسرا بلد أسس على اسم الله -وتبقى حالياً باسم الله- وسوف تستمر في الوجود باسم الله.. لأن التاريخ علمنا في هذه البلاد أن نؤمن بالله وأن نؤمن ونقيم العدالة والتسامح، وأن نحارب من أجل الحرية.

نحن في هذا الخصوص سوف نبقى دائمًا إخوة وأخوات، سواء كنا من النيبال، أو أفغانستان، نؤمن بالله، نعيش في حرية ونقدر التسامح، ونكون على استعداد لحماية الحق.

هذا ما تعلمناه من آبائنا وأمهاتنا، وهذا ما أتمنى أن يُعلمه الآباء والأمهات لأولادهم سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو يهوداً. إن وجود هذه الأعداد الكبيرة من المسلمين سوف يثري كلا منا، ونحن ندعو الله أن يستمر هذا التسامح، وإنني أرجو أن تبرز هذه الحقائق حتى يرى العلمانيون كيف أنه في بلاد الغرب «سويسرا» لا يزالون يحترمون الدين، وحقوق الإنسان، وقيم العدالة والحرية.

الجدير بالذكر أن الدستور السويسري يؤكد في مطلع مواده على معاني الإيمان بالله، وعلى ضرورة حماية الضعفاء والحفاظ على حقوق الأقليات.

فأول عبارة في الدستور هي: «باسم الله المقتدر» ثم يتبعها التأكيد على حماية الضعفاء ورد العدوان والحفاظ على حقوق الأقليات، كما أكد الدستور على أهمية إنشاء المؤسسات اللازمة لضمان حياة كريمة قدر الإمكان للسكان، خالية من الخوف والقهر والحاجة.

وتلقى هذه المعاني في الدستور السويسري وهذه المواقف من الرئيس والحكومة صدى طيباً لدى المسلمين هناك، وحباً وانتماءً لهذه البلاد، إذ يعلنون دائمًا احترامهم وإجلالهم للدستور.

الجدير بالذكر أن هذه أول مرة يحتفل فيها المسلمون بهذه المناسبة.

الرابط المختصر :