; المسلمون.. بين أخوة الإيمان وأخوة البشرية (١-٢) | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون.. بين أخوة الإيمان وأخوة البشرية (١-٢)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013

مشاهدات 99

نشر في العدد 2042

نشر في الصفحة 35

السبت 02-مارس-2013

تأملت في أحوالنا هذه الأيام وقلت: هل نسي المسلمون أنهم أخوة لقد نادى الإسلام الكريم بالأخوة العامة، وبين للناس حقيقة تلك الوشيجة البشرية وهي أنهم من أصل واحد، وأب واحد، وأم واحدة، فقال سبحانه يَا ﴿أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أتقاكم إن الله عليمٌ خَبِيرٌ (الحجرات) وكان الجاهلية العربية في غفوتها وفسادها اليوم تسمع هذا النداء لأول مرة، لأنها كانت لا تعيشه ولا تحسه ولا تتعامل به، وإنما كانت تتعامل بحقائق جاهلية، حقائق السادة والعبيد والأجناس والقبائل والألوان، وما تعاملت بحقيقة الأخوة إلا في ظل الإسلام واليوم رجعت تلك البشرية إلى ما كانت عليه فهل يستطيع إنسان مهما أوتي من روح قوية وعزمة فتية أن يرودها بدون إيمان، أو يصلحها بغير عقيدة؟ لا .. لن يستطيع ذلك إلا أصحاب الإيمان ورجاله، فهل تسمع البشرية اللفظ ( الحبيب ) مرة أخرى؟.. يا أخي.. وذلك هو اللفظ الحبيب الذي ضاع في دنيا الناس فسلبت الأمن وحرمت الحب وعدمت الوحدة.

يا أخي.. والسماء ملبدة بالغيوم، والليل حالك السواد والعواصف تقتلع الحبال وأعاصير الفتن تدمر كل شيء.

يا أخي.. في بحور اليأس، وقيود الهوان وذلة الأسر وضياع العزيمة وخور الهمة.

يا أخي.. في ضياع الطريق.. وتنكب

الصراط، ووعورة الوجهة، وتكاثر الأشواك.

يا أخي.. في ذهاب البصر، وانعدام

البصيرة، وفقدان الضوء، وحلوكة المكان.

يا أخي.. في ثورة البراكين، وغضب الطوفان، وتحطم السفن، وبعد الشاطئ

يا أخي.. في تخلي الناصح، وترك الدليل وتسرب الأمل، وحلول اليأس. 

يا أخي.. في رعود الخوف، ولهيب الألموحقد الغشوم، وزفير الحميم.

يا أخي.. تاخت القتلة، وتعانقت قلوبهم. وتشابكت سواعدهم. وتجمع الباطل وتأزر وتماسكت لبناته، وتساندت قوى البهتان وتلاحمت خلاياه وتراصت أسلحة العدوان وتوحدت وجهتها.

 وأنت أين ؟! أين كنت أنت ؟! أناديك أم أناجيك؟ إن كنت نائما تحرك واستيقظ.. إن كنت لاهيا أقلع، إن كنت عابثا ارعو، إن كنت هازلًا جد، إن كنت مخدوعًا أعقل، إن كنت أعمى أبصر، إن كنت جاهلًا تعلم إن كنت مريضًا استشف لا تحب المرض، ولا تصادق العلة، ولا تدمن الهزال، ولا تستكن للضعف...

تحرك، فقد سار الجماد، وتقدم الواقف، ودار الزمان، وكرت الأعوام. يا أخي.. استنسر البغاث واستوطن الطريد، وعز الذليل، وشمخ المهان، والأمة ما زالت يتيمة. يا أخي.. نكس العلم، وقطع الساعد، وبكى الرضيع، وأجهش الكبير، وناحت المرأة، وأخذت الدار، وهدم المنزل، ونهب المال، وهتك العرض وضاع الشرف، وديست الحرية.. من الرعاع.

يا أخي.. السماء تناديك، والتراب يناجيك، والأطياف تناشدك، وتستنهضك.

يا أخي.. بح الداعي، وغاب الصباح وتنازعتك المذاهب.

يا أخي.. تذكر أنك وارث مجد، ومؤسس تاريخ، وباني حضارة، ورسول إلى العالم، وبيدك إكسير الحياة، فتح الغبار عن معدنك الصافي وجنب اليأس نفسك الشامخة، وابعد الوهن عن صدرك السليم، وأخرج الظلمة من قلبك الواعي، وألق الخبث عن زندك الأصيل، وصل روحك بالسماء، فجدد إيمانك وعاهد ربك وتلاق مع رسولك، وصل نفسك بركب الإيمان وقافلة النور ومواكب المجد، وسر في الطريق المستقيم، ولا تتنكب الجادة، واسمع ذلك النداء الحبيب: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبَعُوهُ وَلَا تَتَّبَعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سبيله ذَلِكُمْ وَصَاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ﴾ (الأنعام) ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمًا مَلَةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (11) ﴾ (الأنعام)، فأصلح بالك بالإيمان، وأنر طريقك بالحق ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ  ( محمد ).

شد أزرك كمسلم بأخوة الإسلام، فأخوة العقيدة أكبر من الأيام، وأقوى من الزلازل والرعود، لا تنفصم عراها، ولا تمور أواصرها تبنى على عقيدة، وتشاد على مبدأ، وتقام على هدف الحب مادتها، والخلق معدنها والنقاء جوهرها، والإرادة الإلهية رباطها ﴿فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا  (آل عمران : ۱۰۳)

إن تدابرت الدنيا تعانقنا، وإن تباغض الناس تصادقنا، وإن تقاتل الناس تناصرنا وإن تقاطع الناس تواصلنا، وإن تجاشع الناس تأثرنا، لا شقاق بيننا ولا عداوة ولا تنازع؛ لأن كل ذلك يأتي بالفشل، ونحن قلوبنا متعانقة، وأيدينا متصافحة، ودماؤنا متكافئة، سلوا التاريخ عنا : من حقن الدماء ؟! من وحد الشتات ؟! من محا الظلمات ؟! من أذهب العصبية؟! من أنهض الهمم ؟! من كون الأمم ؟! من طبق الإسلام ؟! من نشر السلام ؟! من حرر العبيد ؟! من أحيا الموؤودة ؟! هم رجال الإيمان يا أخي، وأصحاب العقائد، وأسد الله لا أصحاب الإثم، وقتلة البشرية، ومصاصو الدماء. لا تبتئس بعمل الرعاع ولا بصياح الجاهلين.. إن الشعار الكاذب للباغين لا يغني عن الحقيقة الناصعة، والسراب اللامع لا يروي من ظمأ، ولا يشفي من غصة، وإن الذئاب لا تعرف العطف، والثعالب الماكرة لا تعرف الصفاء. انظر إلى التنازعات، كيف وارت التراب نصف مليون من البشر لا ذنب لهم إلا طلب الأمن في بلادهم، وشردت مثلهم وتركتهم في العراء نهبا للجوع والمرض والآفات، وترمي بملايين الأطنان من القنابل على السوريين في كل مكان لتذبح الشيخ وتقتل الرضيع وتشرد الأم، وتهلك الحرث والنسل، وضربت المدن، وأذلت الشعب، ولا يعلم إلا الله ما سيصيب البشرية من تلك الفتن الرهيبة، والتي تعد كل يوم لتلك البشرية النكد، والإنسانية المعذبة، التي أراد لها حظها سوء الطالع أن يكون مصيرها في يد هؤلاء المناكيد تجار الحروب، وذيول المستعمرين.

الرابط المختصر :