; المسلمون بانتظارك يا رمضان | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون بانتظارك يا رمضان

الكاتب محمود الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984

مشاهدات 73

نشر في العدد 672

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-مايو-1984

جرت عادة الناس في جميع العصور على الاستعداد لاستقبال ضيوفهم الكرام الذين يتوقعون من قدومهم الخير والبشائر والهدايا الثمينة، فتراهم يستقبلونهم بالفرحة والبهجة ومظاهر الزينة وعلامات السرور.

ونحن -المسلمين- يحل بنا في كل سنة ضيف كريم، من أكرم الضيوف وأعزهم، يقدم علينا حاملًا البشائر والخيرات والبركات، حاملًا الرحمة والمغفرة والعتق من النار، حاملًا معاني الصبر والتهذيب، والتحمل والتربية، والطاعة والعبودية لله رب العالمين، والتحرر والانعتاق من عبودية الشهوات بجميع أصنافها، والاستعلاء عليها، إنه شهر رمضان المبارك.

أجل إنه ضيف كريم، عزيز على نفوس المؤمنين، يتلهفون لمَقْدَمه، وينتظرون حلوله بهم بفارغ الصبر، فبماذا نستقبل هذا الضيف الكريم، بالزينة الظاهرة وأقواس النصر؟ بطلقات المدافع؟ بالزغاريد وقرع الطبول؟ بالمسلسلات والأغاني المحرمة؟ لا. لا. كل هذا لا يريده هذا الضيف الكريم، إنه يريد منا أن نستقبله بقلوب عامرة بالإيمان مصممة على الطاعة، معلنة التوبة، راغبة في مرضاة الله تعالى ومغفرته.

وقبل أن أذكر الأمور التي ينبغي على المسلمين أن يستقبلوه بها، أود أن أذكر صفات هذا الضيف ومزاياه، التي جعلته ضيفًا كريمًا جديرًا بالفرحة وحسن الاستقبال، فصفات هذا الضيف ومزاياه كثيرة، أذكر ما يتسع المقام لذكرها باختصار، فمنها:

1- فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، وحبس الشياطين:

فقد أخرج (البخاري ومسلم وغيرهما) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».

وفي رواية لمسلم: «وصفدت الشياطين» والمعنى واحد، أي قيدت بالسلاسل والأغلال.

2- غفران الذنوب بصيامه وقيامه:

(روى البخاري ومسلم وغيرهما) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ومعنى «إيمانًا» أي تصديقًا بأنه حق، ومعنى «احتسابًا» أي يريد به وجه الله وحده، وأخرج (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة أيضًا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

3- العمرة فيه تعدل حجة:

(روى البخاري وأصحاب السنن) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فإن عمرة في رمضان حجة» أي تعدل حجة، وفي رواية للبخاري: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي».

4- كتابة أجر صيامه ونوافله للمؤمن قبل دخوله:

وكتابة إصره وشقائه على المنافق قبل دخوله أي قبل دخول شهر رمضان.

روى الإمام أحمد والطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أظلكم شهركم هذا، بمحلوف رسول الله «أي: والله» ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله تعالى ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة للعبادة من النفقة، ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم «فهو غنم للمؤمن، يغتبنه الفاجر».

5- فيه ليلة القدر:

(روى ابن ماجه وغيره) عن أنس قال: «دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم».

6- فيه ذكريات طيبة عزيزة على قلب كل مؤمن:

فقد حدث في شهر رمضان إكرام الله تعالى لنبيه والمؤمنين بأعظم نصرين بارزين، كان لهما الفصل في حياة المسلمين والمشركين ألا وهما: النصر الأول يوم غزوة بدر، والنصر الثاني يوم فتح مكة المكرمة، فقد كانت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان فتح مكة في الثامن عشر من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة.

 

7- فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النار:

فقد ورد في الحديث: «إن رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».

8- نزول القرآن الكريم فيه:

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) أي نزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما قال المفسرون.

كيف نستقبل إذن هذا الشهر الكريم؟

لأجل كل هذه المزايا الخيرة التي مرت آنفًا، ولأجل كل هذه البشائر والبركات التي يحملها هذا الشهر الكريم في قدومه إلينا وحلوله بنا، علينا أن نستقبله بما يستحق، وبما هو أهله، فمن أهم ما ينبغي علينا أن نستقبله به ما يلي:

1- الفرحة والبهجة:

ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يشعر بالفرحة التي تملأ قلبه وجوارحه بقدوم هذا الشهر المبارك، كما لو قدم عليه عزيز يحمل له أعز ما يتمناه ويحبه، ويجلب له الهدايا النفيسة والدرر الغالية، كيف يفرح بقدومه، وينتظر لقاءه بالفرحة والسرور، وهل عند المسلم والمسلمة فرحة أعظم من فرحة يحصل بها فضل الله ورحمته؟ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58).

 

2- بالعزم على الصيام والقيام وسائر الطاعات:

لأن رمضان موسم من المواسم التي ينبغي على المسلم عدم التفريط في لحظة منه في غير طاعة الله، فيشغله بالصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر وحضور مجالس العلم.

3- بالكف عن الشرور والمعاصي:

فقد (روى الترمذي وابن ماجه) عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ... ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر».

و(روى البخاري وأبو داود وغيرهما) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه».

وورد في الصحيح من حديث طويل: «فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو شاتمه، فليقل إني صائم».

لأن الصيام تهذيب للنفس قبل أن يكون تجويعًا لها، فبهذا الجوع يشعر المسلم بالطاعة لربه، وتحلق نفسه في درجات السمو والترفع عن الدنايا والشرور، فلا يغتاب الصائم، ولا يعتدي على أحد، بل لا يرد على السباب والشتائم، وكأنه ملك من ملائكة الله.

4- بالجود والكرم وكثرة الصدقات والهبات:

فقد (روى البخاري ومسلم) في صحيحيهما عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»، فالكرم والجود صفة بارزة للمسلمين في هذا الشهر المبارك، والكرم ثمرة من ثمرات الصيام، إذ يشعر الغني بألم الجوع عمليًا، فتحنو نفسه وتجود على من يعضهم الجوع أكثر الأيام.

5- بالتوبة النصوح، والعزم على الاستمرار في الطاعة بعد رمضان:

ينبغي تقديم التوبة الصادقة لله تعالى عما سلف من الذنوب والمعاصي والعزم على عدم العودة إليها حتى بعد انقضاء رمضان، وبذلك يكون رمضان مدرسة تربية حقيقية للنفوس يتخرج المسلمون منها أتقياء صلحاء أفضل مما كانوا عليه قبل رمضان.

6- نسيان الضغائن، والتسامح، وتوحيد الصفوف:

وهذه أولى الأمور التي ينبغي أن يستقبل بها هذا الشهر الكريم، على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الدول والجماعات، فعليهم أن يتسامحوا وينسوا ما كان بينهم، ويوقفوا نزيف الدماء بين المسلمين، ويدخروا تلك الشجاعة والإمكانيات لعدوهم الكافر، إكرامًا لهذا الشهر الكريم، لعل الله يرحمهم وينصرهم، هذا بعض ما يجب أن نستقبل به شهر رمضان المبارك، أسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا ويهدينا سواء السبيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 37

126

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

ليلة القدر

نشر في العدد 85

0

الثلاثاء 09-نوفمبر-1971

في ظلال شهر الصوم..

نشر في العدد 123

139

الثلاثاء 24-أكتوبر-1972

كل شيء عن الصيام