; المسلمون المتعصبون وسياسة الولايات المتحدة | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون المتعصبون وسياسة الولايات المتحدة

الكاتب دانيل بايبس

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

مشاهدات 71

نشر في العدد 743

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

أستاذ تاريخ محاضر في مركز جامعة

هارفرد للدراسات الشرق أوسطية

• النفوذ السوفييتي يرتكز على الجبروت العسكري فليس لثقافته الموجهة الكئيبة واقتصاده المحتضر أي أثر يذكر على العالم الإسلامي

• الحسن الثاني يتبع سياسة مزدوجة تتمثل في إضافة صبغة إسلامية على الحكومة من ناحية وعزل المتعصبين والبطش في التنظيمات المتشددة.

يسر المجتمع أن تنشر هذا التقرير- الوثيقة، الذي يوضح موقف السياسة الأميركية من الحركة الإسلامية، والتقرير «الوثيقة» عبارة عن خلاصة بحث أعده البروفيسور دانيل بايبس لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد بعنوان «المسلمون المتعصبون وسياسة الولايات المتحدة».

وتأتي أهمية هذا التقرير «الوثيقة» لأنه صادر عن مركز متخصص بدراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد التي تتميز بقوة النفوذ الصهيوني فيها، كما تعتبر مركزًا أكاديميًّا مؤثرًا في السياسات الأميركية بشكل عام، وتكفي الإشارة هنا إلى أن د. هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية السابق، وصاحب نظرية الخطوة خطوة في تسوية أزمة الشرق الأوسط، لعب دورًا كبيرًا في هذه الجامعة.

وإضافة إلى ذلك تنبغي الإشارة إلى أن هذا المركز عهد إلى د. ناداف سافران وهو أستاذ يهودي يحمل الجنسية الإسرائيلية من أصل مصري عقد مؤتمرًا عن «الإسلام والسياسة في العالم المعاصر» خلال الفترة ١٥ - ١٦ أكتوبر الماضي، كرس لدراسة «استقرار الحركة الإسلامية والإجراءات المضادة واحتمالات التأثير على السياسة الأميركية»، وقد تم الكشف عن أن هذا المؤتمر مولته المخابرات المركزية الأميركية وإسرائيل، مع العلم أن المركز نفسه قام على أموال عربية.

وبالرغم من الوجه الأكاديمي للتقرير «الوثيقة» إلا أنه يعبر إلى درجة كبيرة عن حقيقة الموقف الأميركي الرسمي من الحركة الإسلامية، وما يدلل على ذلك تطبيق النميري لبعض ما جاء في التقرير «الوثيقة» علمًا بأن التقرير أعد قبل سقوط نميري.

والمجتمع إذ تؤكد على أنها لا تتفق مع كل ما ورد من معلومات في التقرير «الوثيقة» إلا أننا ننشر هذا التقرير؛ ليتضح للمسلمين كيف يفكر الساسة الأمريكان تجاه حركتهم الطليعية، كما تلفت انتباه الرسميين في الدول العربية والإسلامية إلى أن النصائح الأميركية ليست في صالحهم ولا في صالح شعوبهم، وفي النهاية تعتقد المجتمع أن نشر مثل هذا التقرير «الوثيقة» ضرورة ملحة لزيادة الوعي الجماهيري، الأمر الذي أضحى من أساسيات عملية التغيير الاجتماعي على طريق الحرية والاستقلال والتقدم.

ظهر نجم المسلمين المتعصبين في السنوات الأخيرة كقوة سياسية كبيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأسيا.. ومع أن أنشطتهم في أكثر الأحيان تشكل خطرًا يهدد المصالح الأمريكية، فهم على سبيل المثال، الذين أطاحوا بنظام الشاه المؤيد للغرب في طهران، وهم الذين اغتالوا السادات، وفجروا مقر رجال البحرية الأميركية في بيروت أيضًا.

ولعل في بزوغ فجر المسلمين المتشددين وذياع صيتهم واشتداد قوتهم، إضافة إلى مشاعر العداء العميقة التي يكنونها للولايات المتحدة، ما يجبر حكومة الولايات المتحدة على وضع خطوط هادية ترشدها للتعامل معهم.

وفي حالة الحكومات الإسلامية الصديقة للولايات المتحدة، كالمغرب ومصر والسودان وتركيا وبعض دول الخليج وباكستان، لا بد من مراعاة ما يلي:

1- عدم تقديم المساعدة للمتعصبين في صفوف المعارضة، ومع التسليم بأن اتصال الولايات المتحدة بهم يساعد على فهم وجهات نظرهم ورصد نفوذهم، إلا أنه يجب عدم مد يد المساعدة إليهم.

٢- نصح الحكومات الإسلامية بعدم إدخال المتعصبين في صفوفها، فدخولهم «لعله يقصد مشاركتهم- المترجم» في الحكومة أو تنفيذ برنامجهم يقود حتمًا إلى الكبت وعدم الاستقرار وانتهاج سياسات معادية لأمريكا.

3- تخفيض الروابط الأمريكية المعلنة بالحكومات الإسلامية، وخاصة في البلدان التي تكون فيها حركات متعصبة قوية، فهنا لا بد من إقامة تعاون سري بدلًا من الروابط المعلنة أو الواضحة.

وفي حالة الحكومات الإسلامية التي يدعمها السوفييت، بما فيها ليبيا وسوريا وأفغانستان فلا بد لسياسة الولايات المتحدة مراعاة التالي:

1- مساعدة المجموعات المتعصبة بحذر شديد إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد الباقي.

2- رفض المساعدة التي قد يكون من شأنها ترسيخ المجموعات الإسلامية المتعصبة كمعارضة رئيسية بديلة لحلفاء السوفييت.

3- مساعدة المجموعات الإسلامية المعارضة غير المتعصبة على تنظيم أنفسها في وجه الأنظمة التي يدعمها السوفييت.

أما فيما يتعلق بالحكومات الحيادية -کإیران على وجه الخصوص- فلا بد من محاولة إقناعها بأن الخطر الذي تشكله الولايات المتحدة عليها أضعف من ذلك الذي يشكله الاتحاد السوفيتي على أمنها.

الحركات الإسلامية المتعصبة

أسس المتعصبون حركات سياسية كبيرة في كثير من البلدان الإسلامية خلال الخمس عشرة سنة الماضية، والأمثلة على ذلك تشتمل على:

السنغال: حيث استطاعت تنظيمات متعصبة عديدة، بما فيها الاتحاد الثقافي الإسلامي وجمعية الإنقاذ الوطني والحزب الإسلامي استطاعت زعزعة حالة الاستقرار الهش التي حققتها القيادة المسلمة في السنغال.

المغرب: حيث تواجه حكومة الملك الحسن الثاني منذ أواسط السبعينيات معارضة متزايدة من مجموعات متعصبة تطالب بالتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية، ويعالج الملك هذا الوضع بسياسة مزدوجة تتمثل في إضافة صبغة إسلامية على الحكومة من ناحية، وعزل المتعصبين والبطش في التنظيمات المتشددة.

الجزائر: التي تحولت إلى مجتمع علماني بسبب وقوعها تحت الاحتلال الفرنسي لفترة طويلة (١٨٣٠ - ١٩٦٢)، بيد أن المجموعات المتعصبة شرعت منذ عام ۱۹۷۳ في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهناك تحد فريد يواجهه المتعصبون الجزائريون، وهو صعوبة العثور على فرد في مجتمعهم يعي جيدًا كنه الشريعة الإسلامية أو طريقة الحياة التي تفرضها.

تونس: أعطت حركة تونس الإسلامية التي تأسست في شهر يناير عام ۱۹۸۱، أعطت المتعصبين صوتًا موحدًا بعد مرور عقد من النفوذ المتزايد في الحياة السياسية التونسية، ويرجح أن يحظى المتعصبون بنفوذ رئيسي في البلاد إذا تخلى الرئيس الحبيب بورقيبه عن زمام السلطة الذي أمسك به عام ١٩٥٦.

مصر: تأسست حركة الإخوان المسلمين في مصر -وهي الحركة المتعصبة الرائدة في القرن العشرين- عام ۱۹۲۸ ولعبت دورًا سياسيًّا رئيسيًّا قبل حظرها في الخمسينيات، وأصبح الإخوان أكثر اعتدالًا في السنوات الأخيرة تاركين أساليب العنف لمجموعات أخرى؛ كجيش التحرير الإسلامي، والتكفير والهجرة، ومجموعة «الجهاد الجديدة» التي اغتالت أنور السادات.

السودان: شكلت المجموعات المتعصبة في السودان تحديات حقيقية للحكومة المركزية طيلة سنوات كثيرة، وتوجت تلك التحديات بالهجوم الذي شن على العاصمة في شهر مارس ۱۹۷۰ الذي أحبطه سلاح الجو، وراح ضحيته عشرة آلاف قتيل، وتشتعل التنظيمات المتعصبة الرائدة على حركة الإخوان المسلمين وتنظيمين من الصوفيين وهما الأنصار والختمية.

ويشتغل رئيس الإخوان المسلمين السيد حسن الترابي مستشارًا لرئيس البلاد الرئيس جعفر النميري، ويعتبر من الداعين المتنفذين الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وفرض الرئيس جعفر النميري الشريعة الإسلامية في البلاد في شهر سبتمبر عام ١٩٨٣، وأصبحت بالتالي المصدر الرئيسي للتشريع.

سورية: وفي سورية يلقى نظام حافظ الأسد العلماني المعارضة الرئيسية منذ عام ١٩٧٦ من الإخوان المسلمين، وأعربت الحكومة عن قلقها باتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة المتعصبين، وكانت أسوأ تلك الإجراءات تدمير أجزاء كبيرة من مدينة حماه في شهر فبراير عام ۱۹۸۲ ونجم من ذلك مقتل حوالي عشرين ألف من المواطنين السوريين.

وفي بعض دول الخليج ينادي بضرورة الأخذ بالمبادئ الإسلامية، ولكن تدير الحكومات ظهرها لهذه المبادئ منذ العشرينيات بدلًا من تطبيقها، ويتزايد التناقض بين المناداة والتطبيق الفعلي، ويولد التوتر بين صفوف المتعصبين، ونجم عن ذلك أحداث كثيرة.

تركيا: كانت تركيا قبل وفاة أتاتورك عام ۱۹۳۸ البلد الإسلامي الوحيد الذي دأب على تطبيق المبادئ العلمانية في الحياة العامة.

وعلى أية حال، فقد أخذت العلمانية تضمحل بعد وفاته، ووصل نفوذ المتعصبين إلى أوجهه في أواسط السبعينيات، بحيث شارك حزب الإنقاذ الوطني في حكومة ائتلافية.

إیران: اتبعت إیران سياسات علمانية خلال فترة حكم الشاهين (١٩٢٥) - (۱۹۷۹). إلا أن تلك السياسات ارتكست جذريًّا بمجيء آية الله الخميني إلى الحكم في شهر فبراير عام ۱۹۷۹، وبتشبث نظام الخميني بالتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية، وتتوجه الأنظار في الوقت الحاضر صوب إيران لمعرفة ما إذا كان سيكتب النجاح لتجربة المتعصبين في الحكم.

أفغانستان: أدى لفرض الحكم الماركسي في أفغانستان «أبريل ۱۹۷۸» إلى ثورة عارمة ضد الحكومة المركزية، ويقود أربعة تنظيمات من أصل أكبر ست مجموعات تنخرط في صفوف المقاومة، ويقاتل المتعصبون من الثوار الأفغان غيرهم من المجاهدين في سبيل تثبيت أنفسهم لمسك زمام السلطة بعد انتهاء حقبة السيطرة السوفيتية على البلاد.

باكستان: في شهر يوليو عام ۱۹۷۷، نجح المتعصب ضياء الحق بتدبير انقلاب أطاح بنظام حكم الرئيس العلماني ذو الفقار عليّ بوتو في باكستان، وفي شهر فبراير ۱۹۷۹ أعلن ضياء الحق عن برنامج طموح لتطبيق الشريعة الإسلامية، بيد أنه لم يطبقه إلا جزئيًا، واستغل ضياء الحق الإسلام كوسيلة لإضفاء الشرعية على نظام حكمه، وكسب التأييد لصالحه.

بنغلادش: مرت السياسات البنغلاديشية بفترة اتسمت بالعلمانية بعيد الاستقلال عام ۱۹۷۱، بيد أن هذه السياسات أخذت بالتعصبية منذ عام ١٩٧٥، وتتعهد الحكومة الحالية بتحويل الدولة العلمانية إلى «دولة إسلامية».

ماليزيا: في ماليزيا، ضغطت المنظمات المتعصبة، كحزب بارتي إسلام اند أبيم على الحكومة لتعزيز توجهها الإسلامي، وهي بذلك تهدد بخلخلة التوازن الحساس القائم بين الماليزيين المسلمين وغيرهم من الصينيين والهنود غير المسلمين، وتحيل البعض من المعصبين الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم «يو. ام. ان. او» مناصب حكومية رفيعة، مما يثير المشاعر الدينية للآخرين ويولد التوترات العنصرية.

أندونيسيا: لجأ المتعصبون الإندونيسيون -بعد فشلهم المتواتر في الانتخابات الوطنية- إلى طرق غير ديمقراطية، كالمظاهرات والتمردات الإقليمية والإرهاب والقصد هو فرض أنفسهم بالقوة وتطبيق برنامجهم الخاص بهم.

§ أهداف المسلمين المتعصبين

في كل بلد من البلدان سالفة الذكر، يسعى المسلمون المتعصبون إلى تطبيق برنامج سياسي يستند إلى مدى فهمهم للشريعة الإسلامية، وبالنسبة لهم، فان مقتضيات هذه الشريعة المقدسة تعتبر مفاتيح لكل السياسات واجبة الانتهاج.

§ انحياز المسلمين المتعصبين صوب السوفييت

يرى المتعصبون أن الولايات المتحدة هي السبب الأكبر لمشاكلهم، وبالتالي فإنهم منحازون دومًا صوب الاتحاد السوفيتي بعيدًا عن الولايات المتحدة الأميركية.

ويظهر هذا بوضوح في مجالات ثلاث: وهي الثقافة والأيديولوجية والعلاقات الدولية، فالثقافة الأميركية في نظرهم هي الأكثر تهديدًا، وأيديولوجيتها أكثر مغايرة، وقوتها أكثر إرهابًا بالمقارنة مع الاتحاد السوفيتي.

§ التحدي الثقافي الغربي

يرتكز النفوذ السوفيتي في الغالب على الجبروت العسكري، فليس لثقافته الموجهة الكئيبة واقتصاده المحتضر أي أثر يذكر على العالم الإسلامي، فمن من العالم الإسلامي يتعلم اللغة الروسية وينصت إلى إذاعة موسكو ويشاهد الأفلام السوفيتية ويشتري الساعات التشيكية أو يستثمر في أوكرانيا؟

إذًا فالولايات المتحدة، أو بالأحرى أوروبا الغربية، هي التي تؤثر على المسلمين في كل مكان؛ حيث تصل ألحانها الموسيقية وأفلامها وأجهزة الفيديو التي تصنعها ورسومها المتحركة ومراجعها الدراسية وآدابها وفنونها إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي، وتتواجد في قراهم ومدنهم كل الملابس والمواد الغذائية واللوازم المنزلية والآلات القادمة من الغرب، كما تغري جامعاتها ومصارفها وشركاتها النفطية المسلمين الطموحين، ولننظر إلى ما هو مألوف في الغرب: العادات الجنسية وموانع الحمل والإجهاض والرقص والتقاء الرجل بالمرأة على موعد والملاهي الليلية والأفلام الجنسية والاحتساء الاجتماعي المختلط للخمرة والملابس الضيقة وملابس السباحة التي لا تكاد تغطى، والسباحة المختلطة والمهرجانات والمواكب التي تقام لملكات الجمال والدراسة المختلطة وعمل المرأة، نجد أن كل ذلك يخالف ويناقض مبادئ الشريعة الإسلامية.

وتعتبر الثقافة الأمريكية والأوروبية الغربية وما تتسم به من فتنة وإغراء كبيرين مصدر القلق الأعمى الذي يؤرق المتعصبين. فالبعض منهم يقلقه الخوف من انقراض العادات والقوانين الإسلامية. وهناك من ساوره الشك من احتمال زوال الإسلام نفسه. وفي مواجهة ذلك، فهم يشنون هجومًا مضادًا، وينتقدون الثقافة الغربية وكأنها شيء جميل، ولكنه كريه ومثير للاشمئزاز، وإن هذه الثقافة منحلة أخلاقيًّا. كما يروجون النظريات والإشاعات التآمرية لزرع المخاوف في المسلمين من الدوافع الأمريكية. ويحذروا من المصائب والكوارث التي ستلم بالذين يديرون ظهورهم للشريعة الإسلامية.

والخلاصة أن هؤلاء المتعصبين يعتبرون أن ثقافة الولايات المتحدة وأوروبا الغربية هي مصدر الخطر الأكبر؛ لأن نفوذها وأثرها يفوقان بكثير ما لثقافة الكتلة السوفيتية من وقع على النفوس.

ويعيش المسلمون المتعصبون في عالم تحكمه قوتان عظميان من الغرب. وتحاول كل من هاتين القوتين الترويج لأيديولوجيتها الخاصة. ويجد المتعصبون أن الماركسية تبدو أقل خطرًا عليهم من الليبرالية الغريبة، فهناك انسجام وتناغم روحي بين الإسلام المتعصب والماركسية. فكل منهما يدعي بالوصول إلى الحقيقة المطلقة. وكل منهما يدعي شموليته لجميع النظم. ولكل منهما كتب مقدسة تعالج الكثير من المسائل المهمة؛ سواء كانت من المسائل الخاصة العامة أو الكبيرة أو الصغيرة. ورغم أنهما يختلفان كثيرًا في النظم والقوانين المعمول بها، إلا أن الأمور التفصيلية أقل أهمية من الحقيقة التي تجمع ما بينهما. فكل منهما يتوق ويطمح إلى تنظيم كل جوانب الحياة البشرية.

وتعتبر الحكومة، من وجهة نظر المتعصبين والماركسيين بمثابة وسيلة لقولبة المجتمع استنادًا إلى نظريات مدونة بدقة بالغة. فعلى العكس من الليبرالية التي لا هم لها ولا غاية سوى السماح لكل مواطن بحرية اختيار الطريق الذي يفضل الدخول به، فإن لدى كل من النظامين نظرة دقيقة للحقوق. وإذا كان الإسلام يبدأ في الخاص ومن ثم يمتد ويتوسع للسيطرة على العامة، بينما يحدث العكس بالنسبة للماركسية، إلا أن كلًّا منهما يمس في النهاية كل جوانب الحياة.

وما تقدم ذكره لا يعني أن للمسلمين المتعصبين رأيًا حسنًا في الماركسيين أو يماثلونهم. ولكن القصد أن لدى المتعصبين المسلمين نقاطًا يتفقون عليها مع الماركسيين أكثر منهم مع الليبراليين. وبالتالي، فإذا أجبروا على الاختيار ما بين الإثنين، فمن المرجح أن يقع اختيارهم على الماركسيين.

* سياسة الولايات المتحدة والمتعصبين المسلمين

يمكن تقسيم البلدان الإسلامية إلى ثلاثة أنواع:

1- بلدان ذات حكومات صديقة للولايات المتحدة.

2- بلدان يدعهما الاتحاد السوفييتي.

3- بلدان محايدة.

1- حالة البلدان ذات الحكومات الصديقة للولايات المتحدة:

تواجه الولايات المتحدة مشكلة عويصة عندما تواجه حكومة صديقة معارضة قوية من المتعصبين، فالولايات المتحدة، في مثل هذه الحالة، تكون تواقة إلى مساعدة هذه الحكومة. ولكن كلما زاد الدعم الأمريكي لمثل هذه الحكومات، كلما اشتدت حدة الاتهامات والانتقادات التي يطلقها المتعصبون على حكوماتهم. ويصل الاتهام إلى حد أن هذه الحكومات باعت نفسها لأمريكا.

والذي يزيد من حدة هذه المشكلة هي أن زعماء بعض الحكومات الإسلامية يخطئون ويقللون من شأن الخطر الذي يمكن أن تشكله المجموعات المتعصبة من المسلمين، كما حدث بالنسبة لشاه إيران والسادات. واستنادًا إلى هاتين الحالتين، فيجب ألا يقرر الزعماء المسلمون وحدهم طبيعة العلاقة الصحيحة الواجب إقامتها مع الولايات المتحدة. بل على أمريكا أن تقرر مثل هذه العلاقة وليس سواها، ولابد لأمريكا من ممارسة الحذر الشديد في اتخاذ الخطوات الداعمة للحكومات الإسلامية، والتي من شأنها أن تسلط الضوء على أمريكا وتثير غضب المتعصبين عليها. فليس من الضروري أن يصاحب العلاقات القوية صخب وأضواء. فبالإمكان أن تغلف هذه العلاقات القوية بالسرية المطلقة.

وعلى الولايات المتحدة أن تثني الحكومات الإسلامية الصديقة عن إدخال المتعصبين إليها، وعدم محاولة تطبيق الشريعة إرضاء لهم، فالسجلات تشير إلى أن مثل هذه الحكومات إن أخذت بتطبيق الشريعة، زاد إزعاج المتعصبين وضعف الاستقرار وتعاظم العداء للولايات المتحدة.

كما لابد للولايات المتحدة من الاعتراض بشدة على فرض برنامج للمتعصبين وتطبيقه في أي دولة صديقة.

وعلى الولايات المتحدة أيضًا ألا تساعد أي حركة تعصبية تعارض الحكومات الصديقة. ويجب الاكتفاء بمجرد الاتصال بمثل هذه الحركات لمعرفة وجهات نظرها ورصد مخاطرها فقط. ولكن يجب عدم تقديم أي مساعدة تذكر إليها.

ومن بين الحكومات الصديقة التي تعاني من شدة وطأة المتعصبين، نجد أن المغرب تواجه الخطر الأكبر. فالحسن الثاني ينحاز علانية إلى الولايات المتحدة، وبالتالي فإن كلام المتعصبين واتهاماتهم لا تكون صعبة التصديق حين يشيرون إلى الملك بالعمالة لواشنطن. فالأسلحة التي يستعملها تأتي من أمريكا. كما أنه يتخذ الكثير من الخطوات لكسب التأييد اليهودي داخل الولايات المتحدة. وهو لا يخفي حقيقة أن المخابرات المركزية تعمل بنشاط في المغرب. والذي يزيد الطين بلة، أن الولايات المتحدة تمثل في الرباط بسفير كثير الإسراف والتمتع.

وبالنسبة للسودان، فقد أصبحت الولايات المتحدة على علاقة وثيقة بنظام جعفر النميري. ولكن بعد تطبيقه للشريعة الإسلامية لابد للولايات المتحدة من الابتعاد عنه من خلال تخفيف حجم المساعدات العسكرية والاقتصادية، وتقليص دعمها السياسي له.

وتبدو تركيا، حسب الظواهر، حليفًا مستقرًا لأوروبا الغربية وحلف شمال الأطلسي. وتتعرض الحكومات لضغوط ملحوظة من المتعصبين وغيرهم للابتعاد عن التوجهات الغربية، وفسخ التحالف مع حلف شمال الأطلسي. ورغم أن هذه الضغوط قد ضعفت عما كانت عليه في أواسط السبعينيات، إلا أنها ما زالت قائمة.

وفي بعض دول الخليج نجد أن نظام الحكم في مأزق، فهو يرغب في تعزيز العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، لكنه يتخوف من العواقب السياسية، والذي يزيد من حساسية هذه المسألة هو تواجد الكثير من الفنيين والعسكريين الأمريكيين في بعض بلدان الخليج.

وفي باكستان يساعد التوكيد على الإسلام في توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة إلى ذلك الحد الذي يعزز فيه موقف ضياء الحق الذي أخذه لمساعدة الثوار الأفغان، ويسهل قبول المساعدات الأمريكية لمواجهة حكومة يدعمها السوفييت. ولكن هذه العلاقات تدفع المعارضة إلى القوة والوحدة. مما يشد من أزر القوى المعادية لأمريكا والمتعصبين والمتطرفين.

* الحكومات التي يدعمها الاتحاد السوفيتي

بالنسبة للمتعصبين المسلمين الذين يعارضون الحكومات المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي، فمن الطبيعي أن تروق للولايات المتحدة فكرة مساعدة أي جهة تعمل ضد حكومات كل من ليبيا وسوريا وأفغانستان، ولكن لابد من تقديم مثل هذه المساعدات إلى المتعصبين بحذر بالغ وبوعي كامل للمخاطر المترتبة على ذلك.

ولابد للمجموعات الإسلامية المتعصبة التي تحصل على المساعدات الأمريكية من الإيفاء بالشرطين التاليين:

1- أن تكون الحكومة التي يعادونها مسببة لمشاكل كبيرة تزعج الولايات المتحدة.

2- أن تكون هذه المجموعة هي المجموعات غير الشيوعية الوحيدة التي يمكن دعمها.

وتفي المجموعات كلها بالشرط الأول بالنسبة لحالة كل من ليبيا وسوريا وأفغانستان. ولكن المتعصبين الليبيين لا يفون بالشرط الثاني؛ لأنهم مجموعة صغيرة في المعارضة المقارعة لنظام القذافي. وعليه فيجب أن تذهب المساعدات الأمريكية إلى المجموعات غير المتعصبة. كما أن الشرط الثاني غير مستوف به بالنسبة لأفغانستان. فمجموعات المجاهدين الأفغان غير المتعصبة نشطة جدًّا في المشاركة بالقتال الدائر في أفغانستان وداخل مخيمات اللاجئين في باكستان. وهي بالتالي تستحق الدعم العسكري والسياسي والمالي من الولايات المتحدة.

* الحكومات الحيادية

بمقدور الولايات المتحدة محاولة معادلة انحياز المتطرفين من خلال التوكيد على الخطر الأكبر الذي يشكله الاتحاد السوفيتي، رغم أنه لا يمكن عمل أي شيء للتقليل من التحديات الثقافية والأيديولوجية التي تشكلها الولايات المتحدة بالنسبة للمتعصبين. ولكن بالإمكان إقناعهم بخطأ مفهومهم بأن الولايات المتحدة قوية إمبريالية – وأن هذا الوصف ينطبق تمامًا على الاتحاد السوفييتي. ويجب تذكيرهم دائمًا بأن الاتحاد السوفييت يحكم 50 مليون مسلم في أواسط آسيا. وأن موسكو تسيطر على اليمن الجنوبي بصفتها قوة إمبريالية جديدة وأن الاتحاد السوفيتي أخذ يوسع إمبراطوريته عبر الغزو الشرس الذي قام به لأفغانستان.

ويجب تطبيق هذا المنهج حتى بالنسبة لإيران، وعلى الولايات المتحدة أن تظهر مدى التهديدات السوفيتية المحدقة باستقلال إيران.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية