العنوان البوسنة والهرسك: المسلمون البوسنيون كسبوا حربهم وخسروا دولتهم!
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994
مشاهدات 79
نشر في العدد 1093
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-مارس-1994
· علامات استفهام كبرى تحيط بالتحول المفاجئ في الموقف الأمريكي
والكرواتي من صرب البوسنة؟
· هل تمكن المسلمين من صد الصرب وتطهير وسط البوسنة من الميليشيات
الكرواتية سر التحول المفاجئ لمنع المسلمين من قطف ثمار النصر النهائي؟
يمكن تحديد الخامس من شهر فبراير لهذا العام كموعد بدأت الأحداث بعده
في البوسنة والهرسك تأخذ منحى آخر وتسير بإيقاع أسرع عما كانت عليه من قبل. ففي
هذا اليوم سقطت قذيفة صربية على سوق تجاري مكتظ بالسكان في قلب العاصمة سراييفو
ليقتل 68 من أبنائها ويجرح 200 غيرهم مما أحدث رد فعل عالمي انتهى إلى قرار من حلف
شمال الأطلسي ينذر الصرب بضرورة سحب أسلحتهم الثقيلة من حول سراييفو إلى 20
كيلومترًا بعيدًا عن مركزها وإلا تعرضت مواقعهم المحاصرة للعاصمة لقصف طائرات حلف
شمال الأطلسي، مما دعا الصرب في النهاية إلى سحب بعض منها والتوقف عن قصف العاصمة
والاكتفاء برشقها من حين لآخر برصاص القناصة التي تصيب ما معدله 5 أشخاص يوميًا.
ثم تتابعت الأحداث إلى أن عقد المسلمون والكروات برعاية أمريكية
اتفاقًا يقضي بإقامة دولة فيدرالية فيما بينهم على أرض البوسنة تكون لاحقًا مع
كرواتيا اتحاداً كونفيدرالياً. وإذا كان ذلك على مستوى الجهود الدبلوماسية وطاولات
المفاوضات فإن الواقع اليومي في البوسنة سجل في الفترة الأخيرة أمرين جديرين
بالاهتمام، أولهما الانفراج الكبير في العلاقات بين المسلمين والكروات حتى على
جبهات القتال إلى الحد الذي استدارت فيه المدافع الكرواتية ناحية العدو الصربي بعد
أن كانت تدعمه أمس في أعماله العدوانية على مواقع المسلمين، وأعلن عن بداية إطلاق
سراح أسرى الحرب بين الطرفين والاستعداد لفتح الطرق التي تربط المدن البوسنية
والكرواتية، وعاد الإعلام الكرواتي ليمدح مآثر التحالف بين المسلمين والكروات.
وثاني الأمرين الملفتين للانتباه هذه الأيام هو تهدئة الأوضاع على جبهات القتال
الفاصلة بين الصرب والمسلمين «نسبياً» وباستثناء بيهاتش التي تشهد هجمات عنيفة
الآن بمعاونة الميليشيات التابعة للزعيم المنشق فكرت عبديتش، أما في سراييفو فقد
عقدت اتفاقات من المفترض أن ترى النور خلال الأيام القليلة القادمة، لفتح الطرق
البرية بين العاصمة وما حولها أمام السيارات والمواطنين، حتى إنه أعلن عن بدء
تسيير حافلات بصورة منتظمة والاستعداد لإعادة تشغيل القطار بما يعني فك الحصار ولو
جزئياً عن العاصمة.
هذه الصورة القائمة وتلك الأحداث المتسارعة تدعو للدهشة وتثير العديد
من الأسئلة، فلماذا الآن والآن فقط بدأ العالم في إظهار شيء من الجدية في طريقة
تعامله مع الصرب؟ ولماذا قفز الأمريكيون فجأة إلى قلب البلقان؟ ولماذا هذا التحول
المفاجئ في الموقف الكرواتي من قمة العداء والكراهية للمسلمين إلى السير قدماً في
إقامة تحالف جديد وقوي معهم، وماذا دهى الصرب وهم الذين يرددون بصفة دائمة أن
عاصمتهم دولتهم المعلنة، وغير المعترف بها في البوسنة هي نصف سراييفو والتي يدعون
أنها قامت على أراضٍ صربية.
المسلمون قادمون
فيما يخص الموقف الأمريكي فقد كان واضحاً مدى انزعاج الولايات المتحدة
الأمريكية من الدور المتصاعد لروسيا في البلقان وبالتحديد في يوغسلافيا السابقة
بغض النظر عن التصريحات الرسمية التي ترحب بالدور الروسي، كما سجلت الولايات
المتحدة بذلك نقطة إيجابية حين قفزت إلى قلب البوسنة وأهدتها مقترحها لحسم الحرب،
بينما أوروبا وعلى عامين كاملين فشلت في طرح أو فرض أي أفكار لها بهذا الشأن،
ومهما قيل في تفسير الدور الأمريكي فإن تقييمه يجب أن يكون في سياق تفسير الجدية
التي تحرك بها العالم مؤخراً في شأن القضية البوسنية، وفي هذا المضمار يشير
المراقبون المحليون إلى أن الأمور ما كانت لتسير في هذا الاتجاه لو كان الوجود
الإسلامي يسير في اتجاه التأكل والفناء، ولكن العكس هو الذي كان يحدث، فقد توقف
نزيف الهزيمة، وبدأ المسلمون في الوقوف على أقدامهم. بمعنى آخر نجح المسلمون في
الآتي، إيقاف ورد الهجمات الصربية، وتحقيق نجاحات محدودة ضد العدو الصربي رغم
الفارق الشاسع في ميزان القوى بين الطرفين، وكذلك تمكن الجيش البوسني من تطهير
غالبية منطقة وسط البوسنة من الميليشيات الكرواتية الانفصالية وتقدمه باطراد
لاستكمال مهمته في هذا الشأن. وإذا كان ذلك يدل على بشائر جيش للمسلمين، أي نجاح
على المستوى العسكري فإن المسلمين وبعد شهور طويلة انتظروا فيها العالم الغربي ثم
العالم الإسلامي دون جدوى، راحوا يعتمدون على أنفسهم في تسيير أمورهم ومحاولة بناء
قوة اقتصادية حتى إن بعثات بوسنية أرسلت إلى بعض الدول الصديقة وخاصة الإسلامية
للحديث عن دعم الاقتصاد البوسني.
وهذا يعني أن المسلمين بدأوا في استرداد ثقتهم في أنفسهم وهو أمر غير
مطلوب بالنسبة للغرب، خاصة وأن الدولة البوسنية بدأت تتشكل على أرض الواقع وبدأت
ملامحها في الظهور وأصابع الغرب الطويلة ومخابراتها أدركت وسجلت جهود التيار
الإسلامي المحلي في صبغ هذه الدولة بالهوية التي تعود إليها أصولهم، وهو سبب كافٍ
لأن تنزعج أوروبا والعالم كله من قيام دولة إسلامية في قلب أوروبا.
وليس من المنطقي القول إن ألبانيا مثلاً دولة إسلامية في المنطقة
البلقانية فلماذا لا تحاربها أوروبا، ورغم أن هذا حديث آخر إلا أن واقع الدولتين
يختلف تماماً، ففي البوسنة تأخذ الأمور شكل الخيار، أي أنها اختارت - أو تختار
الآن - بطواعية وعقل ودراية أن تعود لدينها، أما في ألبانيا فإن الناس هناك يسمعون
أن أجدادهم كانوا مسلمين وأنهم يجب أن يكونوا مثلهم وامتداداً لهم، أما مفكرو
ومخططو السياسة الألبانية وواضعو سياساتها لم يتجاوزوا حتى اللحظة الخيار
الإسلامي، وبالتالي أصبح أمام أوروبا والمجتمع الدولي، والنظام الدولي الجديد
حقيقة تقول إن المسلمين يسعون لإقامة دولة خاصة بهم، وإنهم اجتازوا مرحلة الفكر
والبحث وإصدار نداءات المناشدة إلى الشرق والغرب أي أن الغرب فهم أخيراً أن
المسلمين كسبوا الحرب - ليس بمعنى تحرير الأرض ولكن اجتياز المحنة التي كان
المطلوب خلالها فناؤهم وأنهم في سبيل إقامة دولتهم، ومن ثم يجب تلطيخ اللون
الإسلامي بآخر يمتص منه لونه ورحيقه، وليكن اللون الكرواتي، وهو تماماً ما عبر عنه
الرئيس الكرواتي فرانيو توجمان عقب التوقيع على الاتفاقية في واشنطن إذ قال إن
قيام دولة فيدرالية يعني ميلاد دولة على النسق الديمقراطي الغربي.
تبدل الخيار الكرواتي
ولكن هل يعني هذا أن الحيلولة دون قيام دولة إسلامية كان السبب في
تبدل الموقف الكرواتي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبعد شهور ظل خلالها الرئيس
الكرواتي توجمان يحلم بدولته الكبرى التاريخية التي تمتد حدودها هنا وهناك
بالتأكيد هذا سبب قوي لكن هناك أسباباً أخرى، فكرواتيا كانت على وشك التعرض
لعقوبات اقتصادية دولية نتيجة تدخلها العسكري المباشر في البوسنة والهرسك
وبتوقيعها الاتفاق تكون قد نجحت في تفادي وقوع ذلك.
ومن جهة أخرى فإن الواقع العسكري الكرواتي كان يسير بطريق سلبي رغم
الجهود العسكرية التي بذلتها حكومة كرواتيا لمساعدة الميليشيات الكرواتية في
البوسنة، لقد خسر الكروات مناطق وسط البوسنة وكانت الأحداث تشير إلى أنهم خلال
أسابيع قليلة سوف يخسرون ثلاث مدن هامة وهي «فيتيز» و«كيسلياك» و«بوسوفاتشا» وهذا
يعني جغرافياً وسياسياً نهاية ما أطلق الكروات عليه دولة هرسك بوسنا التي حاولوا
إقامتها على الأراضي البوسنية. يضاف إلى ذلك الضغوط الأمريكية التي تعرض لها
الكروات والمصحوبة بوعود عن مساعدات مالية سخية تعين كرواتيا على القيام من كبوتها
الاقتصادية والتسلل إلى المجموعة الأوروبية. برغم أنه من المفترض أن يكون ثمن ذلك
أن يخسر توجمان موقعه بحكم أنه خاض حرباً خاسرة مع المسلمين استمرت 10 شهور عادته
فيها المعارضة وطالبته بالحفاظ على التحالف المسلم الكرواتي، وكان في النهاية أن
انتصرت المعارضة في آرائها وفاز توجمان بالبقاء في منصبه لتداعيات كرواتية داخلية
ليس مجال حديثها الآن، لكن ذلك يستدعي السؤال عما إذا كان ذلك يعني أن المسلمين
خسروا في هذا الاتفاق؟
الصورة الآن ما زالت غامضة، وأي مدعٍ يقول إنه يملك كافة إحداثياتها
يكون قد تجاوز الحقيقة، لكن من الواضح أن المسلمين خسروا دولتهم، مقابل توقف نزيف
الدم الذي كان يسيل يومياً من الجسد المسلم، ثم إن هناك فوائد اقتصادية - وربما
عسكرية - ستعود عليها بعد فتح الطرق مع كرواتيا، ويجب أن نشير أيضاً إلى أن
الأوضاع الإغاثية لدى مسلمي وسط البوسنة بالتحديد كانت قد وصلت إلى أدناها بعد أن
أغلق الصرب والكروات كافة الطرق المؤدية إليهم.
هل قنع الصرب بالغنيمة
تاريخهم يقول إنهم لا يتوقفون إلا في حالتين إما الهزيمة، وإما فترة
يلتقطون فيها أنفاسهم، والتنازلات التي يقدمونها الآن عبر تهدئة الأوضاع حول
سراييفو، والتوقف عن حصار ماجلاي يأتي في هذا السياق «فترة زمنية جديدة يلتقطون
فيها أنفاسهم». كما أن هناك عوامل أخرى هدأت من حدة الموقف الصربي، وهو ما أشارت
إليه بعض التقارير العسكرية والاقتصادية التي أفادت أن العدو الصربي، استنفد
تماماً في الفترة الأخيرة، يضاف إلى ذلك أن الغالبية العظمى من الأهداف العسكرية
التي بدأ الصرب من أجلها العدوان قد تحققت، وليس هناك بأس من فترة هدوء يتم خلالها
امتصاص غضب العالم والاستعداد أيضاً لجولة جديدة. يجب الإشارة أيضاً إلى وجود ما
يدل على تخبط القيادات الصربية في الفترة الأخيرة وما أشيع عن نية إقالة رادوفان
كارادجيتش من منصبه كرئيس لصرب البوسنة.
أخيراً فإن الأمر الذي يبدو واضحاً جداً أن المسلمين يتعرضون الآن
لحرب دبلوماسية عبر الاتفاقات والإجراءات التي تتم على أرض الواقع ربما تكون أشد
وأسوأ من الحرب العسكرية التي تعرضوا لها خلال عامين من الحرب.
الاتفاق المسلم الكرواتي خطوة جديدة في الطريق
المسدود
·
النشاط
الدولي المكثف لحل الأزمة البوسنية مبعثه الخوف من تنامي قدرات المسلمين وأن يتمكن
الجيش البوسني من أخذ زمام المبادرة.
أثار الاتفاق الذي وقع برعاية أمريكية بين المسلمين والكروات في
واشنطن الأسبوع الماضي العديد من التساؤلات حول كنهه وإمكانية تنفيذه على أرض
الواقع وانعكاساته على الطرف المسلم، غير أن الغموض الذي شاب إعلان الاتفاق حول
تفاصيل بنوده صعب من إمكانية إيجاد حلول واضحة لهذه التساؤلات خاصة وأن ما تم
التوقيع عليه هو «خطوط عامة» تدور الآن مفاوضات حامية بشأن تفاصيلها وحيث يأمل
الطرفان في أن تحسم هذه المفاوضات في أقرب وقت. غير أن ما نشر يفيد اتفاق الطرفين
«المسلمين والكروات» على إقامة اتحاد فيما بينهم في البوسنة والهرسك على شكل دولة
فيدرالية تجمعهم ويربطها مع الجارة كرواتيا اتحاد كونفدرالي.
وحسب الاتفاق سيتم تقسيم البوسنة إلى كانتونات «محافظات» تحكم كلاً
منها القومية التي تشكل أغلبية سكانها وتتمتع بصلاحيات واسعة تحد من صلاحيات
السلطة المركزية واتفق على أن يكون رئيس البرلمان ونائبه من قوميتين مختلفتين
ويتبادلان مقعديهما في نهاية كل عام وذلك في دورة برلمانية تطول 4 سنوات، وفيما
يخص الحكومة فسوف يشغل ثلث مقاعدها الكروات ويكون رئيسها ونائبه من قوميتين
مختلفتين أيضاً. وعلى هامش ذلك سيتم تشكيل محكمة دستورية على مستوى فيدرالي وأخرى
لحقوق الإنسان.
ونص الاتفاق على حق جميع اللاجئين والمهاجرين في العودة إلى ديارهم
ورد ممتلكاتهم أو التعويض عنها. وفيما يخص الناحية العسكرية اتفق على ضرورة تشكيل
قيادة عسكرية موحدة، وذلك بعد المرحلة الانتقالية التي لم يحدد بعد مداها غير أن
الاتفاق ألزم الطرفين بالوقف الفوري لإطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة من حول
المدن المحاصرة والسماح للقوافل الإغاثية بالمرور.
ماذا بعد الاتفاق؟
دبلوماسيو الدول المعنية بالأزمة رسموا على شفاههم ابتسامة صفراء
عريضة، وعددوا مناقب السلام واستتباب الأمن غير أن قلوبهم كانت وجلة من القفزة
الأمريكية إلى قلب أوروبا وسارعت فرنسا بالتأكيد على لسان وزير خارجيتها من ضرورة
أن تحظى الاتفاقات المعلنة بموافقات دولية عبر المنظومة المعنية بذلك «الأمم
المتحدة»، وقدمت بدورها مشروعاً جديداً لإحلال السلام في سراييفو وفق المنهج
الفرنسي في معالجة الأزمة منذ بدايتها عبر اختزالها في مربع القضايا الإنسانية أو
احتياجات العاصمة وأمنها، ونص المشروع الفرنسي المقدم إلى مجلس الأمن على أهمية
إعادة توفير الحد الأدنى من الخدمات للمدينة وتوفير المجاري والكهرباء والمياه ولم
يتطرق المشروع إلى «بقية» البوسنة والهرسك ولا لوجود قوات أجنبية محتلة على أرض
البوسنة هما قوات صربيا وكرواتيا المجاورتين. وكل من زار العاصمة بعد الحرب يدرك
تشبث الفرنسيين بها ويفهم إصرارهم على وضعها تحت إشراف القوات الدولية ودفع الأمين
العام للأمم المتحدة بطرس غالي لتعيين مسؤول مدني عليها سيكون فرنسياً بالطبع في
إطار فرض الوصاية عليها. وأعلنت روسيا من جانبها أن لديها أطروحات جديدة ستتقدم
بها في هذا الشأن وسارعت بإعلان نيتها في إرسال المزيد من قواتها إلى البوسنة وسط
احتجاج ورفض الحكومة البوسنية، وتزامن ذلك مع إعلان القيادات الصربية عن استحالة
التوصل إلى حلول نهائية دون روسيا التي تحاول استعادة دور الدولة الكبرى وقال
«فيتالي تشوركين» المبعوث الروسي للأزمة اليوغسلافية إن إعلان قيام كونفدرالية بين
البوسنة وكرواتيا أثار العديد من التساؤلات لدى الكرملين، ودعا وزير الخارجية
الروسي كلاً من رئيس الحكومة البوسنية ووزير الخارجية إلى موسكو للتفاوض بهذا
الشأن. وفي غضون ذلك توجهت قوات الدول الاسكندنافية إلى توزلا لتساهم في فتح مطارها
الذي سينتشر حوله الجنود الروس، وليمنحنا ذلك شعوراً بأن البوسنة والهرسك تتمزق
بالفعل وأن العدو «الدولي» ربما أسوأ وأشد من نظيره «الصربي».
موقف الصرب
الصرب من ناحيتهم أعلنوا عن مخاوفهم من أن يكون التحالف الإسلامي
الكرواتي موجه ضدهم، ورفضوا - أو على الأقل حتى الآن - الانضمام إلى هذا الاتفاق،
وصرح رئيس ما يدعى ببرلمان صرب البوسنة بأن قيام دولة فيدرالية يعني عودة البوسنة
والهرسك الموحدة التي كانت سبباً في قيام الحرب -على حد قوله- مضيفاً أن للصرب
الحق في تقرير مصيرهم بأيديهم.
موقف كرواتيا:
أما الطرف الكرواتي فقد أعلن صراحة وعلى لسان رئيسه فرانيو توجمان أن
كرواتيا وافقت على الاتفاق تجنباً لمزيد من الضغوط عليها والتهديدات بفرض العزلة
السياسية والاقتصادية عليها، وطمعاً في الوعود الأمريكية بدعم مادي سخي يخرج
كرواتيا من أزمتها الاقتصادية الحادة.
واعتبر المراقبون المحليون أن المعارضة الكرواتية التي كانت دوماً
تطالب بالإبقاء على التحالف مع المسلمين قد نجحت دون أن يمكنها ذلك من الاقتراب من
سدة الحكم، إلا أنها انتهزت الفرصة لتذكر الرأي العام بأن هذا كان مطلبها قبل عام
وحين أعلن الكروات الحرب مع المسلمين في البوسنة.
ووصف نائب كرواتي الاتفاق بأنه تفوح منه رائحة الأوامر والإرهاب على
كرواتيا «وهو مزيج من التهديد والوعود» فيما علق رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي
المعارض قائلاً: إن السياسة الكرواتية ليست لديها رؤية واضحة لكيفية تحقيق البوسنة
والهرسك الموحدة والكاملة.
موقف المسلمين:
على الجانب الآخر لم يصدر من الجانب المسلم تعليق يفيد حجم الخسائر
والأرباح من هذا الاتفاق غير تصريح مفاجئ للرئيس علي عزت بيجوفيتش يعلن فيه أن
الحرب أوشكت على الانتهاء في بلاده، وأن ذلك ربما يتم خلال شهرين أو ثلاثة، ليثير
ذلك سؤالاً إذا كان الاتفاق يحمل بنوداً سرية، خاصة وأن القيادات العسكرية أبدت -
حتى الآن - التزاماً مبدئياً بالاتفاق وبدأت في سحب مدافعها الثقيلة من خطوط
المواجهة وساد الهدوء جبهات القتال بين الطرفين.
مشكلات ستظل قائمة:
وحسب الرصد الأولي لهذا الاتفاق «حتى تتضح بنوده ويعلن عنها وتوضح
البنود التفصيلية له والتي يتم التفاوض عليها الآن» فإنه يمكن القول إن هناك ما
يثير المخاوف من ألا يتحقق هذا السلام إذ إن ذلك بحد ذاته يكون في غير صالح
المسلمين.
أولاً: فما زالت نفس
المشكلة قائمة وهي كيفية رسم الحدود بين الكانتونات المعلنة، فالمشكلة الرئيسية
دائماً هي شكل الحدود، سواء كانت البوسنة ستصبح 3 دويلات أو 11 مقاطعة حسب مشروع
فانس أوين أو كانتونات كما هو معلن الآن، وهذا المعنى يقوله «إيفان بندر» رئيس ما
يدعى ببرلمان الكروات في جمهوريتهم الانفصالية هرسك بوسنا، وحيث ذكر أن عملية رسم
الحدود والفصل بين الكانتونات هي بمثابة المفتاح لأي حل، والحلم بحياة مشتركة دون
رسم مسبق للحدود سيبقى مجرد وهم وخيال.
ثانياً: تحالف المسلمين
والكروات لا يمثل حلاً إلا إذا استهدف تكوين جبهة موحدة لمجابهة الصرب وهو ما
ينفيه الطرفان، وبالتالي يبقى الحل منقوصاً، بمعنى آخر أن أي حل في البوسنة يجب أن
يجمع الأطراف الثلاثة، فإذا التقت مصالح طرفين في شكل ما من الحل فإنها توجه للطرف
الثالث، وهذا ما حدث عندما اتفق الصرب والكروات على ضرورة تجزئة البوسنة وتحالفوا
ضد المسلمين خلال الشهور السابقة.
كما أن إعلان كونفدرالية بين جزء في البوسنة والهرسك «هما الدولة
الفيدرالية بين المسلمين والكروات» وبين الجارة كرواتيا يمثل تناقضاً لمشروع
البوسنة والهرسك الموحدة والمستقلة والكاملة.
يقول «فيتالي تشوركين» المبعوث الروسي للأزمة اليوغسلافية: «إن القضية
هي كيف يمكن من الناحية القانونية الدولية أن يقوم شطر من البوسنة والهرسك والتي
يتم دوماً التأكيد على وحدتها بالدخول في كونفدرالية مع دولة أخرى» وأضاف أن هذا
الاتفاق قد يمنح الشرعية للمقاطعات الصربية في كرواتيا والبوسنة للانضمام مع صربيا
على أساس نفس المبدأ.
وهذا المعنى أيضاً أكده المسؤول الكرواتي إيفان بندر الذي قال إن الحل
يكمن فقط في حال انضمام الطرف الثالث إلى المفاوضات، وأضاف إذا سمح للصرب
بالانفصال فعندها ستنتهي البوسنة وعندها سوف يعيد الكروات دراسة موقفهم.
ثالثاً: سيعمل الاتفاق
على تهدئة الأوضاع وليس حلها، لأنه ببساطة لم يجب على كل التساؤلات المطروحة وعلى
المطالب الطموحة لكل طرف، المسلمون الساعون لتكوين دولتهم بهويتهم، والكروات
الساعون للانفصال والانضمام للدولة الجارة كرواتيا، كما أن رصيد 10 شهور من الحرب
والدم والاغتصاب والقتل لا يمكن أن يتم تجاوزه باتفاقات مبهمة، وإذا كان المسلمون
هم الطرف المعتدى عليه والمجبر على الدفاع عن نفسه، فإن القيادات الكرواتية مطلوب
منها الآن أن تقدم لأهالي القتلى وأزواجهم وأبنائهم تفسيراً مقبولاً لحرب هي التي
سعت لإثارتها.
رابعاً: يحول الاتفاق
دون مواصلة المسلمين لتأسيس دولتهم في قلب أوروبا والتي تعود إليها أصولهم، ويعتبر
العديد من المراقبين أن النشاط الدولي المكثف لحل الأزمة البوسنية في الفترة
الأخيرة، إنما كان مبعثه التقارير التي وردت إلى العواصم الغربية عن تنامي قدرات
المسلمين والتعبير عن المخاوف الغربية من أن يتمكن الجيش البوسني من أخذ زمام
المبادرة.
لماذا وافق المسلمون؟
وهذا يثير بدوره سؤالاً.. إذاً لماذا وافق المسلمون على هذا الاتفاق؟
ولا يمكن الإجابة على ذلك بسهولة، وإن كان هناك ما يبرر ذلك وهو الخوف مما هو
أسوأ، بمعنى تدخل العالم لإقامة دولة فيدرالية بين المسلمين والكروات ربما يكون
أقل سوءاً من تدخله لإجهاض القوى المسلمة بصورة كاملة والسعي إلى تجزئة البلاد عبر
إرسال قوات برية للفصل بين الحدود القائمة الآن والتي ليست في صالح المسلمين، كما
يجب الإشارة إلى أن المشروع الأمريكي يعد ضربة قاضية لوسيطي السلام لورد أوين
وستولتنبرغ اللذين بذلا ما في وسعهما لنصرة الصرب ومعاداة المسلمين عبر مشاريع
فاشلة تكرس الاحتلال الصربي لأراضي المسلمين.
كما يفسر بعض القادة العسكريين قبول الطرفين المسلم والكرواتي لهذا
الاتفاق، بأن الكروات لم تبقَ لديهم القوة العسكرية لمواصلة الصمود أمام المسلمين
وتوجيه ضربات معاكسة لاسترداد ما فقدوه، كما أنه ليس للمسلمين القدرة العسكرية
اللازمة للنفاذ إلى ميناء «نيوم» وتحريره من قبضة الكروات ورسم خارطة البوسنة
المسلمة كما يأملون.
وفي كل الأحوال فإنه يمكن التأكيد على أن الحرب في البلقان بدأت ومن
الصعب أن تنتهي، كما أن المعجزة التي حدثت في البوسنة بفضل الله ثم بإصرار
المسلمين وإرادتهم عبر تمكنهم من الصمود وترتيب الصفوف استعداداً لحرب تحريرية
طويلة الأمد، نقول إن ذلك يشير إلى استبعاد نجاح الصرب في إفناء الوجود الإسلامي
من منطقة «يوغسلافيا السابقة» غير أن الجهود الدولية لذلك لم تيأس بعد وربما تكون
أشد خطورة، كما أن المشوار ما زال طويلاً ليثبت المسلمون أقدامهم على أراضيهم في
البلقان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل