العنوان المسلمون البروتستانت والمسلمون الحمر
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 78
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 18-يوليو-1995
ثمة ميزة غير مدركة في العمل الخيري لا يدركها إلا من نشر أشرعة سفنه في سحر هذا العمل، وركب صعب آلامه وأحزانه، تلك الميزة هي «اكتشاف الهوية» أي هوية أقوام كانوا مسلمين في زمانهم البعيد أو القريب، ثم تحولت عقيدتهم إلى الوثنية أو التخليط المخل بمنهج العقيدة الإسلامية، أو التنصر من بعد إسلام، وحدث كل هذا في عهد الجهل والظلمات والاستعمار والكيد المخطط للنصرانية السياسية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وحتى يومنا هذا.
في رحلتي الأخيرة إلى بعض الأقطار الإفريقية محاولًا تنفس هواء بعض هؤلاء الرجال الذين نذروا أنفسهم للعمل في أدغال إفريقيا، وجبالها الوعرة، وأرضها الخطرة، ومجاهل ديمغرافيتها، وبين معادلات الفوضى السياسية والاجتماعية في هذه البلدان- التقيت برجل من رجال الكويت ومجاهديها في هذا البحر المتلاطم من الجهل والفقر والمرض والعداء، وكل ما يمر بالإنسان من مفردات قاموس الآلام، ذلكم هو الدكتور «عبد الرحمن السميط» الذي يقطع في أقل مهماته للوصول إلى بقعة آلام تحتاج إلى يد حانية، يقطع من أجل ذلك (٢٥) ساعة بالسيارة، ثم يستمر مشيًا لمدة لا تقل عن أربع ساعات تتقطع فيها نعاله هو ومرافقوه: الشيخ إبراهيم، والشيخ يوسف، وغيرهم، ويضطرون للمشي على الصخور النارية النائية كالسكاكين الحادة تقتطع لنفسها من أرجلهم ضريبة السير عليها.
ماذا يكتشف هذا الرجل وإخوانه الصابرون، «يكتشفون الهوية المفقودة»، فقبائل «الغبراء» مثلًا في شمال كينيا وعددهم حوالي (40 ألفًا) لديهم مكان للصلاة يسمونه «نابو» وبعضهم يسميه «مسيجيد» ويصلون بطريقتهم الخاصة «4 مرات يوميًا» ويؤذنون بقولهم «كاليو، كاليو»، أي «تعالوا، تعالوا» ويصومون رمضان أيضًا بطريقتهم الخاصة، ويسمونه شهر «صوم» ويحرمون قطع الأظافر، وقص الشعر في رمضان، كما يصومون (۱۰) أيام بعد رمضان، ويسمونه «صوم فران»، ويحتفلون بعيد الأضحى ويسمونه «ارفة»، ويذبحون ويدعون، ويحلفون فيما بينهم «بنور الله» و«نور مكة»، و«نور مدينة»، ولا يعرفون ما هي مكة أو المدينة، جميع شبابهم تنصروا، وكبارهم لازالوا وثنيين.
قبائل السكالافا في شمال وغرب جزيرة مدغشقر، والذين يتجاوز عددهم المليوني شخص لديهم «كوخ مربع»، يطوفون حوله «5 مرات» ثم يدعون الله، ثم يذبحون بقرة ويسمونه «دعاني» أي «بيت الدعاء»، ويلبسون ما يشبه الإحرام، ولديهم عادات إسلامية كثيرة، منها: عدم أكل الخنزير، وحتى النصارى منهم يذبحون الخنزير بسكين خاصة يسمونها «سكين نجسة»، وطقوس الزواج تتم كذلك بالطريقة الإسلامية «الولي، المهر، الحفلة، الشهود».
ويذكر الإخوة في لجنة مسلمي إفريقيا في كينيا أن بعض أفراد القبيلة أسلموا، ولكن إسلامهم ضعيف جدًا، والبقية إما وثنيون أو نصارى.
أما قبائل «لا تيمور» في مدغشقر، فحديثهم عجبًا، حيث يبلغ عددهم حوالي (440 ألف) نسمة، ويعتقد أنهم هاجروا من الحجاز قبل أكثر من (١٠٠٠) سنة، فقدوا هويتهم، فمعظمهم الآن وثنيين أو نصارى، ولا توجد أية مدرسة إسلامية أو دعاة بينهم، من قرأهم «مكة»، إجاز «حجاز» مشري «مصري»، ولازالوا يكتبون بالحرف العربي، ولكنهم لا يعرفون العربية، يصنعون الورق بالطريقة العربية القديمة، ولديهم كتاب مقدس اسمه «سواري»، فيه قرآن مع كثير من الأخطاء مشمولًا بتاريخهم وبعض الشعوذة، ولازالوا يفتخرون بأصولهم العربية، ولكن لا يعرفون شيئًا عن العرب اليوم، والأعجب من ذلك أن الكنيسة قد وصلت إليهم منذ فترة زمنية طويلة، وقالت لهم: إنه لا فرق بيننا وبينكم، فتعالوا صلوا معنا في الكنيسة فاستجابوا لذلك، ويطلقون على أنفسهم «مسلمون بروتستانت»، وحتى يصل الدكتور عبد الرحمن السميط ومساعديه، إلى قرية مكة، إذ بعد سفر ساعة ونصف بالطائرة، ثم مثلها في الباص، قاموا بعبور أنهار مليئة بالتماسيح، ثم اضطروا للسير وسط المستنقعات المليئة بروث الأبقار، والتي يصل عمقها إلى فوق الصدر لمدة (٤) ساعات حتى وصلوا القرية، وكانت المرة الأولى التي يرون فيها عربيًا، ولازالوا يحتفلون كل (7) سنوات بختان أولادهم الذين لم يختنوا، وإذا كانت هوية هؤلاء المسلمين قد مسخت واضمحلت في بيئة سيطر عليها الجهل والفقر، وسيطرت النصرانية في زمان تخلى المسلمون عنهم ونسوهم، فإن للمسلمين الحمر حديثًا آخر، نتابعه معك عزيزي القارئ.