; المستوطنات اليهودية شوكة في حلق أوسلو | مجلة المجتمع

العنوان المستوطنات اليهودية شوكة في حلق أوسلو

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 63

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

• منذ يونيو 1967.. صادر العدو 73% من أراضي الضفة والقطاع.. وأقام عليها 187 مستوطنة يعيش فيها 160 ألفًا من المستوطنين

تعتبر قضية الاستيطان اليهودي في فلسطين المحتلة من أكثر المسائل تعقيدًا في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي والتي لن تجد لها طريقًا للحل إلا بتنازل الطرف الفلسطيني واستسلامه لا للأمر الواقع فقط، بل لكل محاولة يهودية لانتزاع المزيد من الأراضي الفلسطينية في المستقبل، ومنذ توقيع اتفاق أوسلو تسارعت حمى مصادرة الأراضي الفلسطينية تارة تحت ذريعة شق طرق الاتفاقية لربط المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة مع بعضها، وتارة أخرى بحجة توسيع هذه المستوطنات لاستيعاب الأعداد المتزايدة من قطعان المستوطنين اليهود.

وقد تطرق اتفاق أوسلو لموضوع الاستيطان من ناحية الدعوة إلى تجميد بناء المستوطنات في مناطق الضفة والقطاع ريثما يتم الاتفاق على مستقبل المستوطنات في مباحثات الوضع النهائي، إلا أن الجانب الإسرائيلي بخبثه تحايل على هذه النقطة بتوسيع المستوطنات القائمة زاعمًا أن الاتفاق نص على وقف بناء مستوطنات جديدة ولم يوقف توسيع القائم منها، وقد مارس هذا التحايل حزبا العمل والليكود على السواء، ولم يكتف الليكود بزعامة نتنياهو بمصادرة عشرات آلاف الدونمات من أراضي الضفة بزعم شق الطرق الالتفافية، بل خرق اتفاق أوسلو بالموافقة على بناء مستوطنة جديدة تدعى «هارحوما» على جبل أبو غنيم في القدس الشرقية المحتلة، ومستوطنة أخرى في رأس العامود قريبًا من الحرم القدسي الشريف.

وعلى الرغم من قرار حكومة نتنياهو بتجميد العمل في المستوطنتين الجديدتين إثر اندلاع مظاهرات فلسطينية عنيفة ضدهما، إلا أن الحكومة الإسرائيلية قررت مؤخرًا استئناف مشروع المستوطنتين مستفيدة من موقف السلطة الفلسطينية الهزيل بعد توقيع اتفاق واي ريفر.

وأصدرت حكومة العدو الصهيوني يوم ١٢ من نوفمبر قرارًا بطرح عطاءات لبناء ١٠٢٥ شقة سكنية في مشروع هارحوما من أصل ٦٥٠٠ وحدة سكنية يتكون منها المشروع على جبل أبو غنيم الفلسطيني، وكأن هذا كان شرطًا إسرائيليًّا اتخذته حكومة نتنياهو مقابل تنفيذ المرحلة الثانية لإعادة نشر قواتها في الضفة الغربية.

وإلى جانب عطاءات هارحوما قررت اللجنة الوزارية الإسرائيلية المكلفة بشئون الأمن المضي في إنشاء ١٣ طريقًا التفافيًّا في مناطق الضفة، وهو ما يعني مصادرة مساحات واسعة جدًّا من أراضي الضفة.

ومن ناحية أخرى استولى مستوطنون يهود من اتباع حركة غوش أمونيم الإرهابية منذ توقيع اتفاق واي ريفر على خمس تلال استراتيجية في الضفة الغربية وأقاموا عليها نقاط مراقبة لهم، وتقع هذه النقاط على مسافة تتراوح بين كيلومتر واحد وكيلو مترين من مستوطنات يهودية قائمة. إن زحف المستوطنين اليهود على مناطق قريبة من مستوطناتهم واستيلائهم عليها وضمها إلى مستوطناتهم مشكلة لم تتوقف منذ احتلال الضفة والقطاع، لكنها الآن تأخذ بعدًا آخر حيث يريد المستوطنون فرض أمر واقع جديد قبل مباحثات الوضع النهائي حول مستقبل هذه المستوطنات.

الليكود والعمل وجهان لعملة واحدة!

يتفق حزبا الليكود والعمل على الموقف من الاستيطان اليهودي في الضفة والقطاع بشكل عام، فهما لا يعترفان بإحتلال إسرائيل للضفة والقطاع ويعتبرانهما أرضًا إسرائيلية تنازلت إسرائيل عن أجزاء منهما مقابل السلام! وهو ما يفسر إصرار إسحاق رابين، وشيمون بيريز في اتفاق أوسلو على تنفيذ «إعادة انتشار» للقوات الإسرائيلية في الضفة والقطاع وليس «انسحابها»، حيث إن الأخيرة تنطوي على اعتراف صريح بأنها تحتل هذه المناطق، وهو مسوغ في نظرهم للعودة إلى هذه المناطق في أي وقت تراء الحكومة الإسرائيلية ضروريًّا.

أما نتنياهو فقد صرح بعد أسبوع واحد على تشكيل حكومته في عام ١٩٩٦م قائلًا: «يحتفظ الشعب الإسرائيلي بحقه المطلق في الإقامة على أي أرض في إسرائيل بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة» أي أن نتنياهو ما زال يعتبر الضفة والقطاع جزءًا من «إسرائيل»، على الرغم من توقيع اتفاق أوسلو بين الطرفين، وحتى هذه اللحظة يرفض نتنياهو إلزام نفسه أو حكومته بتجميد بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م.

وفي جلسة الكنيست الإسرائيلي التي عقدت في ٢ من أغسطس ١٩٩٦م لمناقشة وضع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والقطاع خولت الحكومة الإسرائيلية وزرائها في مسألة استئناف بناء المستوطنات، إلا أن الحكومة اشترطت موافقة وزير الدفاع إسحاق مردخاي على بناء أي مستوطنة جديدة، وبعد تلك الجلسة وافق مردخاي على عدد من القرارات والخطط لبناء المستوطنات وشرع الوزراء الآخرون وعلى رأسهم شارون بإحياء برامج ومشاريع الاستيطان التي كانت حكومة العمل قد جمدتها مؤقتًا، وفي هذا الجانب فإن نظرة متمعنة في المبالغ التي خصصتها حكومة رابين لمشاريع الاستيطان بعد توقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير عام 1993م تؤكد أن حزب العمل يكن يختلف كثيرًا عن الليكود في موضوع الاستيطان؛ ففي السنة المالية ١٩٩٣م- ١٩٩٤م أنفقت الحكومة الإسرائيلية «برئاسة رابين» ٤٣١ مليون دولار أمريكي على المستوطنات بزيادة مقدارها 7% عن السنة التي قبلها، وفي عام ١٩٩٥م خصصت الحكومة نفسها ٩٥ مليون دولار لبناء المستوطنات في الضفة الغربية بما فيها القدس، على الرغم من قرارها بتجميد مشاريع الاستيطان.

۱۰ آلاف وحدة سكنية

وحسب مصادر «حركة السلام الآن» الإسرائيلية، فقد أكمل حزب العمل الذي استلم الحكم عام ۱۹۹۲م بناء أكثر من عشرة آلاف وحدة سكنية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، كانت حكومة الليكود برئاسة شامير قد شرعت في بنائها ولم تكملها، وإضافة إلى ذلك شيدت حكومة رابين ٣٩٤٢ وحدة سكنية أخرى، وخلال فترة حكم رابين «يناير ۱۹۹۲م- أكتوبر ۱٩٩٥م» زاد عدد المستوطنين اليهود بنسبة ٥٠٪ «١٨٦٧ مستوطنًا» في غزة، وفي الضفة بنسبة 37% «٣٤٩٧١ مستوطنًا»، وفي عام ١٩٩٦م ازداد عدد المستوطنين بنسبة 9.4% أو حوالي «13 ألف مستوطن».

وترجع أسباب زيادة أعداد المستوطنين إلى التسهيلات والامتيازات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية لهم وعلى رأسها الإعفاء من الضرائب ورخص تكلفة البناء «حوالي ٣٥ ألف دولار للوحدة السكنية الواحدة» وإلى الإنفاق الحكومي على المستوطنات، ففي عام ١٩٩٤م على سبيل المثال أنفقت الحكومة الإسرائيلية حوالي 12% مجموع النفقات المحلية على المستوطنين على الرغم من أنهم لا يشكلون أكثر من 2.4% من تعداد الإسرائيليين.

ويصل تعداد المستوطنين اليهود في الضفة والقطاع حاليًا إلى حوالي ١٦٠ ألف مستوطن، كلهم مسلحون يعيشون في ۱۸۷ مستوطنة، ومن ضمن هذا العدد هناك خمسة آلاف يعيشون في ١٧ مستوطنة في قطاع غزة، كما تشمل مستوطنات الضفة ۲۸ مستوطنة في القدس المحتلة التي هي جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية.

ومنذ يونيو ١٩٦٧م صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن 5.۸۳۹,۰۰۰ دونم من أراضي الضفة بما فيها القدس وقطاع غزة كذلك، وهو ما يعادل 73% من مساحة الضفة والقطاع الإجمالية! وقد خصصت هذه السلطات حوالي 44% من تلك الأراضي المصادرة لأغراض عسكرية، 20% لأسباب أمنية، 12% للاستخدام العام «كمناطق خضراء أو محميات طبيعية»، و12% بدعوى أن أصحابها «غائبون» «أملاك الغائب». ومنذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى نهاية عام ١٩٩٦م صادرت الحكومة الإسرائيلية أكثر من ١٥٠ ألف دونم من أراضي الضفة والقطاع، منها حوالي ۲۱۰ آلاف دونم لأغراض إقامة طرق التفافية لربط المستوطنات اليهودية ببعضها.

وحتى اليوم، وفي حالات عديدة كان هؤلاء المستوطنون يعيثون فسادًا في المدن والقرى الفلسطينية، ويحطمون ممتلكات الأهالي ويعتدون عليهم، وتعتبر المستوطنة اليهودية في قلب مدينة الخليل أسوأ مثال على إفساد المستوطنين، حيث يعيش ٤٠٠ مستوطن من غلاة المتدينين اليهود وسط حوالي ۲۰۰ ألف فلسطيني وتحت حراسة أكثر من ألفي جندي إسرائيلي.

رعب المستوطنين

ولا يعني ذلك أن هؤلاء المستوطنين مرتاحون في إقامتهم الحالية، حيث يظل أمنهم الشخصي هاجسهم الأقوى، ووفقًا لأحد استطلاعات الرأي جرى العام الماضي، فإن حوالي 40% من المستوطنين يرغبون بمغادرة الضفة الغربية وقطاع غزة فورًا إذا حصلوا على شكل من أشكال التعويض للإقامة داخل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية الأمريكية مؤخرًا أن ٥٦٪ من الوحدات السكنية في مستوطنات القطاع و٢٦% في مستوطنات الضفة الغربية فارغة «صحيفة هآرتس الإسرائيلية- ٢٠ من مايو ۱۹۹۷م»، لكن دائرة الإحصاءات الإسرائيلية تقدر تلك النسبة بحوالي 41% في مستوطنات غزة و10.4% في الضفة.

تاريخ الاستيطان اليهودي في فلسطين

بدأ الاستيطان اليهودي في فلسطين في الستينيات من القرن الماضي، أي قبل أكثر من ١٣٠ عامًا بجهود من حاخام بولندي يدعى هيرش كاليشر، والذي دعا حينها إلى تأسيس جمعية يهودية لذلك الغرض، وبمساعدة «التحالف الإسرائيلي العالمي» الذي تأسس في باريس لمساعدة ما يسمى بـ«اليهود المضطهدين» أسس «المهاجرون» اليهود وتحت إشراف الحاخام كاليشر جمعية تدعى «ميكفي إسرائيل» أو إسرائيل الغد قرب مدينة يافا في عام ١٨٧٠م لتدريب شباب اليهود على أساليب الزراعة.

وفي عام ١٨٧٨م حاول عدد من خريجي تلك الجمعية تأسيس مستوطنة يهودية تدعى «بتاح تكفا» شمال شرق يافا، وكان معظم مؤسسي تلك المستوطنة من المهاجرين الجدد إلى فلسطين القادمين من أوروبا، لكنهم تخلوا عن تلك المستوطنة بعد عدة سنوات.

ثم جاءت المحاولة الثانية لبناء مستوطنات يهودية عام ۱۸۸۲م، ففي ذلك العام أسس المهاجرون مستوطنة «ريشون لي زيون» بمساعدة مالية من البارون إيدموند روتشيلد وجمعية هوفيفي زيون «أحباء صهيون»، وهذه الجمعية التي تأسست في عام ١٨٨٠م كانت تتألف من يهود فقراء هاجروا من شرق لندن بدعوة من روتشيلد نفسه.

وفيما يلي نبذة مختصرة عن أوائل المستوطنات اليهودية في فلسطين المحتلة التي أقيمت في الربع الأخير من القرن الماضي:

1- ريشون لي زيون «۱۸۸۲م» جنوب شرق يافا على مساحة ۲۰۰۰ فدان، وكان يسكنها في ذلك الوقت حوالي 2500 مستوطن يهودي يعملون في الزراعة.

2- وادي الشانين «۱۸۸۳م» بناها البارون هيرش وجمعية الاستعمار اليهودية على بعد خمسة أميال جنوب ريشون لي زيون، وعلى مساحة ٤٠٠ فدان.

3- ريهوفوت «۱۸۹۰م» أسستها جمعية يهودية استعمارية في وارسو ببولندا على مساحة ۲۰۰۰ فدان على بعد أربعة أميال من القدس، وعلى طريق يافا- القدس، وكان يسكنها ٢٥٠ مستوطنًا يهوديًّا.

4- إيكرون «١٨٨٤م» على مساحة ألف فدان، وكان يسكنها ٢٥٠ مستوطنًا، أقامها روتشيلد تخليدًا لذكرى والدته جنوب مدينة يافا.

5- كاترا «١٨٨٤م» على مساحة ١٠٠ فدان تقريبًا، وأقامها الطلاب الروس.

٦- بتاح تكفا «۱۸۷۸م» أغلقت ثم نقلت بعد عدة سنوات إلى شمال يافا، وأقامها روتشيلد ومستثمر يهودي من برلين على مساحة ٣٥٠٠ فدان، وكانت أكبر مستوطنة يهودية في فلسطين في ذلك الوقت.

7- شيدري «۱۸۹۰م» أقامها يهود روس على مساحة 4 آلاف فدان.

8- زيكرون يعقوب «۱۸۸۲م» وكان غالبية سكانها مهاجرين يهودًا من رومانيا.

9- روش بیناه «۱۸۸۲م» جنوب بحيرة طبريا، أو ما كان يعرف ببحر الجليل على مساحة ١٥٠٠ فدان، وقد اشتراها روتشيلد، وكانت تحظر استخدام غير اليهود في مصنع الحرير الموجود فيها.

10- يسود هامالاه «۱۸۸۳م» أسسها يهود بولنديون بمساعدة روتشيلد.

11- مشمار هایردان، وتعني مراقبة الأردن «١٨٨٤م» أسسها مستوطنون صهاينة ألمان وروس بتمويل من البارون هيرش وجمعية الاستعمار اليهودية.

١٢- بني يهودا «١٨٨٦م» قرب صفد.

وحسب الإحصائيات المتوافرة، كان يوجد في فلسطين ۱۳۳ مستوطنة يهودية في عام ١٩٣٩م يسكنها ما مجموعه حوالي55 ألف مستوطن يهودي من مختلف دول العالم، ولا بد من الإشارة إلى أن غالبية تلك المستوطنات أقيمت قبل إعلان وعد بلفور عام ۱۹۱۷م وقبل بداية الانتداب الإنجليزي على فلسطين، حيث لم يكن الفلسطينيون على علم بنوايا الحركة الصهيونية في ذلك الوقت، الأمر الذي يفسر السماح لليهود بشراء الأراضي التي أقيمت عليها المستوطنات في ذلك الوقت.

الرابط المختصر :