; الجزء الأخير- المستقطبون الناجحون | مجلة المجتمع

العنوان الجزء الأخير- المستقطبون الناجحون

الكاتب عبد الرحمن جميعان

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

مشاهدات 103

نشر في العدد 601

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

• الاعتراف المر:

ومرورنا لهذا الموضع يحتم علينا أن نصارح الداعية بأمر قد يكون هو في غفلة منه:

فعلينا أن نعلم بل أن نعترف أن كثيرًا ممن تسيب من الدعوة لم يكن قصورًا منهم وأكثرهم صاحب ذكاء وعقلية وفطنة، وإنما التقصير كان من جانب الدعاة أنفسهم إما لعدم معرفتهم الطريق الصحيح للوصول إلى مداخل النفس، وإما لعدم معرفة طرق التعامل مع بعض النوعيات وإما لضعف الداعية نفسه، أو لمصادماته لرغبات وطموحات المدعو، ولقد جالسنا أناسًا كنا نلمس منهم حرارة الإيمان وعمق الوعي وسلامة الإدراك، ولكن كانت طموحاتهم أكبر من الواقع الذي يعيشونه فضاقت عليهم أرض الدعاة، وبدأ الدعاة بمصادمتهم وقاموا بتعطيل الحوافز وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وما علموا أنهم كانوا يقتلون فيهم روح المبادرة والابتكار وخلقوا فيهم أنواعًا من الإحباطات النفسية التي أوصلتهم إلى الطريق المسدود؛ إنسان ذكي يحتاج إلى تجديد وابتكار وعمل متواصل وتحفيز اليأس والملل ثم كان النكوص والرجوع إلى الوراء، وهؤلاء الذين عرفناهم كثر إنها كلمات قد تكون مرة أيها الإخوة، ولكن لا بد من أن نعيها ونعرفها، وقد آن الأوان لتحمل بعض الأخطاء التي ألقيناها على غيرنا بغير شعور منا، فما من خارج من الصف إلا واتهمناه من قبل أن نتهم أنفسنا؛ إننا يجب أن نعلم بأننا مسؤولون عن جزء كبير من التسيب الذي يحصل في الدعوة؛ لماذا دائمًا نلقي اللوم على الذي يخرج ولا نلقيه على أنفسنا وعلي الدعاة؟ لماذا نتهم غيرنا بالقصور وضعف الإيمان ولا نتهم أنفسنا مرة؛ إننا أسأنا التصرف ولم نعرف كيف نتعامل معهم؟ دائمًا نقول لتخفيف الوطء على أنفسنا: إنها سنة الدعوات ولا بد أن يتساقط البعض نعم إنها كلمات حق ولكن لا نجعلها قانونًا عامًّا في كل من يخرج، بل والله إن كثير ممن خرجوا لم نحسن التصرف معهم، إما لتقصيرنا أو لطموحاتهم التي لم تستطع مجاراتها، والدعاة يستندون على القول السابق ليبرروا ضعف مواقفهم تجاه هؤلاء، وكأنهم يعدون أنفسهم أن يكونوا معصومين أو أنهم ملائكة كلا أيها الإخوة لا بد أن نعترف بالأخطاء، فإن الاعتراف بالخطأ هو أول خطوات الطريق السليم وقد يجد البعض في هذه الكلمات أنها تجريح للدعاة أو تطاول عليهم. ونعوذ بالله من هذه الأقوال، ونستغفر الله لقائلها إن هؤلاء إما أنهم لا يرضون بالنقد الحق للدعاة، وإما أنهم ليسوا في محيط الدعوة؛ بالله عليك إنسان ذكي وضع نفسه في خدمة الدعوة كان يطالب المربي بقراءة كتب فكرية موثقة تناسب سنه وواقعه ثم يمنعه المربي بحجة أنها عالية المستوى ويعطيه كتبًا أقل كثيرًا من مستواه الفكري؛ ماذا سيشكل ذلك؟ مدعو آخر قد نضج في الدعوة وأراد أن يجرب نفسه في دعوة الآخرين ثم يمنعه الدعاة ويحجزون عليه ليصاب هذا بإحباط يظل يتذكره طيلة حياته وقس على ذلك من هذه وأمثالها؛ إنها الحقيقة المؤلمة أيها الإخوة لا بد من الاعتراف بأخطاء الماضي للمضي في طريق المستقبل متجاوزين هذه الأخطاء وغيرها. أما إذا نحن استمررنا على أخطاء الماضي دون الاعتراف بها فلن تتقدم الدعوة ولن تتطور.

• الصفة الثامنة: المجددون المبتكرون: 

فإن القلوب كالحديد تصدأ من كثرة الاستعمال، وتمل وتكل فتترك العمل والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن القلوب إذا كلت ملت، ولكن ساعة وساعة» نعم فالتعب المتواصل يراكم الملل، لذلك نقول: إنه لا بد من المجمع أن يكون ذا عقلية مجددة في وسائل التجميع ووسائل الاتصال، ثم في وسائل وأدوات النشاط، وأن يستفيد من الأجهزة الحديثة ويتوسع في استخدام الوسائل الحديثة، وأن يطرق كل ميدان ممكن للدعوة الاستفادة منه.

فالداعية اليوم يستكبر أن يستخدم جهاز «التلفاز» و«الفيديوتيب» وغيرها من الأدوات الحديثة بحجة أنها تفتح أبوابًا للدعاة مغلقة. ونحن معه في جانب أن ذلك حاصل إذا لم يكن هناك توجيه وحذر في الاستعمال وتنبيه إلى الاستعمال، وتربية تكفل حفظ العنصر، أما إذا كان هناك انتقاء للأفلام وانتقاء للبرامج المفيدة وتوجيه وإرشاد فأظن أن الاستفادة ستتضاعف. والشباب سيقبلون علينا لأنهم ما يجدونه في الخارج يجدونه عندنا بفائدة أكبر، والكفر اليوم يحارب الإسلام وشبابه بهذه الوسائل الحديثة فعلي الدعاة أن يحاربوا عدوهم بنفس سلاحه ليردوا تأثيره.

والدعاة اليوم لا يزالون منغلقين يعيشون في دائرة ضيقة عن الشرع لا يرون فيها سعة ورحابة الشريعة فيضيقون على أنفسهم ما أوسعه الله لهم ليستفيد من هذا الوضع أصحاب الأحزاب الأخرى لما لديهم من حرية لا تحد فيجد الشباب فيها ضالته المنشودة، ونحن نعيش في عصر التطور بعقلية العشرينات. إنه لا بد أن تواكب عقليات الدعاة المجتمع وتطوره. وأن تبتكر وسائل جديدة تستقطب حولها هذا الشباب الضائع، وتثبت له أن الإسلام لا يتعارض مع الفطرة ومع التقدم وإنما يهذب هذه الفطرة وينمي الإيمان فيها، ويطالب بالتقدم ولكن في حدود من الشرع والأدب.

• الصفة التاسعة: الفقه الحركي: 

وتعني أن يتحرك الداعية حركته اليومية الواسعة وفق الموازين الشرعية والعرفية، كتقدير المصالح والمفاسد وسد الذرائع ودرء المفاسد.

والتساهل في الشروط وعدم الانعزالية عن الناس وغيرها من هذه الأمور التي سنفرد لها مقالًا قادمًا بإذن الله تعالى.

• مسك الختام:

وإن البعض قد يستغل هذا العبء وهذه الصفات أو يعتبرها أحلامًا دونها قلم نائم. كلا إنما هي كلمات يقظ دونها في حال وعيه ولذعة قلبه، وما هذه الصفات إلا أقل ما يجب على داعية اليوم «المجمع» أن يتصف بها، ولقد كان أسلافنا يحملون من الصفات ما نعتبره اليوم مثاليًّا، فيقول أحدهم واصفًا الليث بن سعد «صحبت الليث عشرين سنة لا يتغذى ولا يتعشى إلا مع الناس»[1]... يوميًّا حركة في الصباح للتعليم وحركة في المساء للتهذيب ووصفوا الآخر أنه «أمرنا بالمعروف، وقوال بالحق»[2]... قوال من كثرة النطق والقول بالحق الصريح، بل وصف أحدهم الصحابي ابن عمر فقال: «لم أر إنسانًا قط أشد تشميرًا من ابن عمر» «۳»، فانظر بالله إلى هذه الصفات وانظر إلى واقعنا اليوم... أيها الدعاة آن الأوان والله للعمل الجاد المركز المخطط والانخلاع عن السلبية والعيش على أحلام الماضي، فالناس اليوم يتلفتون إلى مخلص يخلصهم من هذه الجاهلية فإن لم نحملهم نحن فسيتناولهم غيرنا ويفوز بهم ركضًا بعيدًا عن الدين، لتبدأ الدائرة من جديد.

ثم إن هذه الصفات التي تطلبها لداعية اليوم إنما هي من ضروريات التجميع ولابد أن تتوفر لدى الداعية المجمع، وبالإمكان الاستفادة من دعاة يملكون بعض هذه الصفات للاستعانة بهم في عملية التجميع الواسع، ولكن الأصل أن يحاول كل داعية مجمع حيازة هذه الصفات وأن يربى من دونه عليها من أول الطريق.

أما أولئك الذين لم يستطيعوا حيازة هذه الصفات فلهم أن يكونوا في ثغر من الدعوة غير ثغر التجميع المباشر، أما التجميع والتربية ومخالطة الناس فلا يصلح له إلا ذاك الأنموذج المتفرد.

ولتراودك أيها القارئ أغراض شتى ووساوس سيئة في كاتب هذه السطور ولكن عليك أن لا تتعداها إلى كونها أفكارًا محبوسة في ضميرك فاطوها وانشر الخير، واستعل على الشيطان، ولا تتهم وتطيل اللسان، بل اعمل بالخير الذي تحمله ورد الشر إن وجد وكفى الدعوة مناجاة في مجالس ثنائية يعيب الدعاة على بعضهم... بل شمروا عن ساعد الجد ولنتراكض إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

والحمد لله أولًا وأخيرًا.

[1] نیل طبقات الحنابلة ٢٧٨/٤.

[2] المسند/ ٥٧١٣.

الرابط المختصر :