العنوان المستشرق جوستاف لوبون وحضارة العرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 969
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 05-يونيو-1990
جوستاف لوبون مستشرق فرنسي، وصفته موسوعة
عربية بأنه منصف للإسلام، كما وصفته بأنه «فیلسوف مادي لا يؤمن بالأديان
مطلقًا»(1).
ولا أدري كيف يكون الملحد منصفًا للإسلام؟!
أو منصفًا على الإطلاق؟!
كيف لمن ينكر وجود الله، ويجحد آياته في
الكون، ورسالاته إلى البشر، أن يكون منصفًا؟!
كيف لمن يتخبط في ظلمات المادية أن يرى نور
الإسلام حتى ينصفه؟ إن وصفه بالإنصاف يقوم على زعم القائل بأن أبحاثه وكتبه «متسمة
بإنصاف الحضارة الإسلامية».
أهداف
لوبون في كتابه
والواقع أن هذا المستشرق ألّف كتابًا سماه:
«حضارة العرب»، ونشره سنة 1884م.
والسؤال الذي يلح على الباحث المسلم هو:
لماذا لم يجعل المستشرق «المنصف» عنوان كتابه: «حضارة الإسلام» أو «الحضارة الإسلامية»؟
والجواب هو أن المستشرق يقصد من تأليف
كتابه -كما يتضح من عنوانه وموضوعاته- إلى أهداف معينة مترابطة، تلتقي كلها حول
عدم إنصاف الإسلام، وأهمها ثلاثة أهداف:
الهدف الأول: إنكار أن للإسلام
رسالة عالمية، أو حضارة عالمية.
إنکار
رسالة الإسلام العالمية
فالإسلام -في زعمه- دين العرب، وحضارته
حضارة العرب، وشريعته مختارة من نظم العرب في الجاهلية!
ومعنى ذلك أن الإسلام ليس دينًا عالميًّا
للناس كافة، بل هو للعرب فقط! وفي الزمن الماضي فقط، لأن الإسلام -في زعمه أيضًا-
لم يعد يصلح حتى للعرب في العصر الحاضر..
يقرر المستشرق أن تشريعات
القرآن الكريم، في شمولها للدين والسياسة والقوانين المدنية، كانت
ملائمة للعرب وقت ظهور الإسلام، ولكن بعد بضعة قرون لم تعد ملائمة لاحتياجات
الإنسانية المتغيرة، ومن ثم أصبح القرآن حائلًا بين الأمم الإسلامية
وبين التقدم في العصر الحديث.
يقول: «وعاد القرآن الذي لاءم مشاعر الأمة
العربية واحتياجاتها أيام محمد (صلى الله عليه وسلم) ملاءمة تامة، غير ما كان عليه
بعد بضعة قرون. ولو كان القرآن دستورًا دينيًّا فقط ما كان هناك كبير محذور. ولكن
القرآن إذ كان دستورًا سياسيًّا ومدنيًّا أيضًا، وكان بطبيعته ثابتًا، بدت عدم
المطابقة بين الاحتياجات الدائمة لتحول للأمم وبين نظمه الثابتة. وحالت هذه النظم
دون تقدم تلك الأمم التي قيدت بقيود الماضي».
أكاذيب
حول الشريعة
أما عن الشريعة الإسلامية فيزعم المستشرق
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار قوانينها من نظم العرب في الجاهلية.
يقول: «عرف محمد صلى الله عليه وسلم كيف
يختار من نظم العرب القديمة ما كان يبدو أقومها فدعمها بنفوذه الديني العظيم».
ويقول: «شريعة محمد في فصولها
غير الدينية، هي خلاصة عادات قديمة».
-
سؤال: هل
الشريعة الإسلامية فيها فصول دينية وأخرى غير دينية؟!
ويقرر المستشرق أن الشريعة الإسلامية قد
جمعت كلمة العرب في الماضي، ولكنها لم تعد ملائمة للعصر الحاضر، ولذلك يود لو
تخلص العرب «المسلمون» منها.
يقول: والعرب بعد أن جاءهم رجل عظيم جمع
كلمتهم المتفرقة بشريعته، لم يظهر منهم رجل عظيم آخر ليخرجهم من دائرة تلك الشريعة.
ومن هنا نفهم لماذا لا يكف أعداء
الإسلام من المستشرقين وحكوماتهم عن البحث المحموم عن «رجل عظيم» يخرج العرب
من الشريعة، بل ويخرج المسلمين من الإسلام.
ومن هنا نفهم أيضًا لماذا يتكرر ظهور هذا
«الرجل العظيم» في العصر الحديث في شخصيات متشابهة، أمثال: أتاتورك، والقادياني،
وبورقيبة، وعبدالناصر، والسادات... وغيرهم!
إنکار
أثر الإسلام في الحضارة
الهدف الثاني: إنكار أن
العامل الأول في قيام الحضارة الإسلامية وتأثيرها في العالم هو الإسلام نفسه،
والزعم بأن العامل الأول في قيامها وتأثيرها هو عامل العرق أو الجنس، أي جنس العرب.
فالعرب من الأصل السامي، ولهم خصائص عرقية وراثية جعلت منهم أصحاب حضارة
قبل الإسلام وبعده.
ومن ثم فالفضل في قيام الحضارة الإسلامية
وتأثيرها في العالم يعود للعرب وحدهم!
ينسب المستشرق نشأة الأديان الثلاثة (اليهودية
والنصرانية والإسلام) إلى العرق والجنس وليس إلى الوحي، أي ينسبها إلى الأصل
السامي فيقول:
«وإذا جاز لنا أن نحكم في مبادئ
الساميين السياسية والاجتماعية من خلال مبادئنا الحاضرة، رأيناها قبلية
غير راقية، وذلك مع الاعتراف بأن الأمم السامية أقامت حضارات عظيمة، وأن
ثلاثة من أديان الخمسة أو الستة التي تسود العالم (وهي اليهودية والنصرانية
والإسلام) نشأت عن الفرعين الساميين: اليهود والعرب».
وينسب الفضل في تأثير الحضارة الإسلامية في
العالم إلى العرب وحدهم فيقول: «ولا ريب في أن العرب الذين استطاعوا في أقل من قرن
أن يقيموا دولة عظيمة، ويبدعوا حضارة عالية جديدة (يعني
الحضارة الإسلامية) من ذوي القرائح التي لا تتم إلا بتوالي الوراثة، وبثقافة
سابقة (على الإسلام) مستمرة (بعده). وبالعرب -لا بأصحاب الجلود الحمر أو الأستراليين-
أنشأ خلفاء محمد تلك المدن الزاهرة التي ظلت ثمانية قرون مراكز للعلوم والآداب
والفنون في أسيا وأوروبا».
ويقول: «إنه كان للحضارة
الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وإن هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم، فلا
تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم. وإن العرب هذبوا البرابرة الذين
قضوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخلقي، وإن العرب هم الذين فتحوا لأوروبا ما كانت
تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية (اليونانية) بتأثيرهم
الثقافي فكانوا ممدنين لنا وأئمة لنا ستة قرون».
لو كان لدى هذا المستشرق توجه
مخلص لرؤية الحق، وتحري الإنصاف، لأدرك بكل وضوح أن قيام الحضارة الإسلامية
وتأثيرها في العالم قد شارك فيه المسلمون من كل الأجناس والشعوب التي اعتنقت
الإسلام: من العرب وغير العرب.
فقد امتدت هذه الحضارة على رقعة
فسيحة من أرض الله، شملت أجناسًا وشعوبًا عديدة في شبه الجزيرة العربية، وشبه
القارة الهندية، وفي إفريقيا وآسيا وأوروبا.. أجناسًا وشعوبًا اعتنقت الإسلام،
واندفعت -تحت تأثير هذا الدين وحده- إلى إقامة بناء الحضارة الإسلامية حسب ما أتاح
الله لكل منها من الوسع والطاقة.
الحضارة
الإسلامية إنسانية عالمية
وإذا أخذنا في الاعتبار أن الحضارة
الإسلامية قد قامت على أساس العقيدة، فإن هذه الحضارة في الحقيقة كانت التعبير
العمراني لأمة مؤمنة استخلفها الله في الأرض، لتطبيق منهج الإسلام
-بشموله وتكامله- في الحياة الإنسانية، وكانت هذه الأمة -كما هو معروف- تشمل
العديد من الأجناس والشعوب.
فالحضارة الإسلامية هي حضارة
إنسانية عالمية، ولا يمكن أن تعد تعبيرًا عن خصائص عرقية وراثية الجنس
من الأجناس، أو شعب من الشعوب، وإنما هي تعبير عن خصائص الأمة الإسلامية
كلها، وأهم خصائصها العقيدة التي ربطت برباطها الوثيق جميع الأجناس والشعوب
التي اعتنقت الإسلام، وانعكست في عباداتها وشرائعها، وفي ثقافتها وعلومها،
وفي سلوكها وأخلاقها.
ومن ثم كان الإسلام هو العامل الأول الذي
دفع جميع الأجناس والشعوب في الأمة الإسلامية على المشاركة في إقامة حضارة إسلامية
متميزة عن غيرها من «الحضارات»، تميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، وتميز
الإسلام نفسه عن غيره من الأديان.
الأثر
الخلقي والعلمي للحضارة من الإسلام
والتأثير الخلقي الذي يشير إليه المستشرق،
والذي مارسه العرب في تهذيب طبائع البرابرة والهمج، أتى -كما يزعم- من أخلاق
الفروسية عند العرب لا من الإسلام!
يقول: «ويقولون إن الدين
يهذب الطبائع، وأذهب إلى هذا الرأي أحيانًا، وإن لم يكن في التاريخ سوى أدلة
قليلة على ذلك، وأن الذي لا ريب فيه هو أن قواعد الفروسية التي جاء بها العرب أدت
إلى إصلاح تلك الطبائع أكثر من جميع التعاليم الدينية».
وما هي أخلاق الفروسية؟
ذكر منها المستشرق الوفاء بالعهود،
ومراعاة النساء والشيوخ والأولاد... إلخ. أي رعاية الضعفاء في أية صورة من
صور الضعف: كالنساء والأطفال والشيوخ والأسرى والفقراء والمساكين واليتامى وأبناء
السبيل.
أليس الوفاء بالعهود ورعاية الضعفاء من أهم
الأخلاق التي دعا إليها الإسلام في آيات وأحاديث وأمثلة عملية لا تكاد تحصى في
القرآن والسنة والسيرة، وتاريخ الجهاد والفتوحات والحروب الصليبية،
وأزمنة الحرب والسلم؟!
أليس هي الأخلاق التي كان الرسول صلى الله
عليه وسلم وخلفاؤه يوصون بها جنود المسلمين قبل خروجهم للقتال في سبيل الله؟!
وهل عرف تاريخ الجاهليات -جاهلية العرب أو
العجم أو الصليبيين أو اليهود أو الشيوعيين- مثل تلك الأخلاق يومًا ما؟!
إن تاريخ الجاهليات كلها، ولاسيما في
تعاملها مع المسلمين، حافل بالغدر ونقض العهود والمواثيق، وقتل الأبرياء،
وبالمذابح الجماعية، وبالوحشية التي لا مثيل لها حتى بين الوحوش!
إذن فالتأثير الخلقي في الحضارة الإسلامية
لم يأت من جنس أو شعب معين، وإنما أتى أولًا من الإسلام: من القرآن والسنة، وأخلاق
السلف الصالح. ثم انتشر بين الناس على أيدي دعاة وعلماء ومجاهدين مسلمين
من مختلف الأجناس والشعوب، وكذلك التأثير العلمي للحضارة الإسلامية.
وقد اعترف المستشرق بفضل المسلمين على
الأوروبيين في المنهج التجريبي، ولكنه نسب هذا المنهج إلى العرب لا إلى الإسلام
فقال: «يعزى إلى بيكون على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن
المناهج العلمية الحديثة، مقام الأستاذ، ولكن يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من
عمل العرب وحدهم».
والواقع أن الإنجازات العلمية في
الحضارة الإسلامية -وما المنهج التجريبي إلا واحد منها- كان العامل الأول
فيها هو الإسلام.
فالإسلام قد حرر العقل من السحر والخرافة،
ومن التعصب والتقليد الأعمى، ومن الظن والهوى، ومن الكهانة ووساطة رجال الدين،
وجعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ودعا إلى النظر في خلق السموات والأرض، أي
إلى دراسة الظواهر الكونية دراسة تقوم على الملاحظة والترصد (وهي أساس المنهج
التجريبي)، كما احتوى كتابه العزيز على الإعجاز العلمي الذي ينبه الناس إلى سنة
الله في الكون والإنسان، وإلى الظواهر العلمية التي تدخل اليوم
في دراسات العلوم «الحديثة» كالعلوم الطبيعية، والطبيعة، وعلوم الأرض،
والجغرافيا، والفلك وخلق الإنسان والحيوان والنبات، وسنن الله في الأمم... إلخ. ودعا
إلى استخدام هذه الدراسات العلمية فيما ينفع الناس: لأن الله سخر لهم ما في
السموات والأرض.
إهمال
الإنجازات في العلوم الشرعية
وقد أهمل المستشرق الإشارة إلى إنجازات
العلماء والمسلمين في العلوم الشرعية: كعلوم القرآن والسنة والشريعة. وهذه أيضا
دعا الإسلام إليها حين دعا إلى تدبر القرآن، والتفقه في الدين.
وهذه الإنجازات العلمية كلها لم تكن معروفة
لدى العرب أو غير العرب قبل الإسلام، وقد انتشر تأثيرها في تاريخ الحضارة
الإسلامية من خلال المؤسسات العلمية والتربوية الإسلامية كالمساجد والمدارس،
والجامعات والمكتبات، والمختبرات والمراصد... إلخ. على أيدي علماء مسلمين من مختلف
الأجناس والشعوب.
ولا نريد أن نتابع رأي من يقول: إن معظم
علماء المسلمين كانوا من العجم.. ولا رأي من يقول: إنهم كانوا من العرب.
فكلا الرأيين ينم عن نظرة عرقية ضيقة، بل
نزعة عنصرية بغيضة، بل عصبية جاهلية منتنة، نهانا الإسلام عنها، ونجانا الله -بفضله ورحمته-
منها، ومن الدعوة إليها.
وهذه النظرة -مع ذلك- لا تثبت إطلاقًا أمام
شهادة التاريخ العلمي للمسلمين، فعلماء المسلمين الذين برزوا في
العلوم الإسلامية «شرعية كانت أم تجريبية» كانوا من العرب وغير العرب.
وقد برزوا فيها، وأقبلوا عليها، وأفنوا
أعمارهم في خدمتها ونشرها بين الناس بدافع واحد، ولهدف واحدة، وهو خدمة الإسلام
والمسلمين، ونشر نور الله في الأرض، ورحمته بين العالمين.
ولم يعرف عن عالم مسلم واحد يستحق شرف هذا
الوصف، أنه خدم العلم، ونشر الإسلام إلا باعتباره مسلمًا، لا باعتباره
من العرب أو العجم؟
إثارة
العصبيات القومية
الهدف الثالث: تشجيع النزعة القومية عند
العرب، لتوسيع هوة الفرقة بين المسلمين، وهدم ما تبقى من وحدة الأمة الإسلامية.
يتحدث المستشرق عن العرب، كما يتحدث
دعاة القومية العربية، فيرفع من شأنهم، لكن بفضل العرق والجنس، لا بفضل
الإسلام عليهم.
وينبغي هنا أن نسأل المستشرق عن رأيه
في حجم الدور الحضاري الذي قام به العرب في أوروبا. فنراه يحدد حجم هذا الدور
بأنه أجل خدمة قدمها العرب للنهضة الأوروبية كانت هي نقل التراث اليوناني
والفلسفة اليونانية والعلوم اليونانية إلى الأوروبيين عن طريق الترجمة.
اعتبار
العرب نقلة لتراث اليونان
يقول: «والحق أن القرون الوسطى لم تعرف كتب
العالم اليوناني القديم إلا من ترجمتها إلى لغة أتباع محمد، وبفضل هذه الترجمة
اطلعنا على محتويات كتب اليونان التي ضاع أصلها.. وأنه إذا كانت هناك أمة تقر
بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمن القديم (أي لتراث اليونان وفلسفتهم
وعلومهم) فالعرب هم تلك الأمة، لا رهبان القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسم
اليونان. فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم، وإنقاذ تلك الكنوز الثمينة
اعترافًا أبديًّا».
قال مسيو ليبري: «لو لم يظهر العرب على
مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا في الآداب عدة قرون.. وعلى كتب العرب وحدها (أي
الكتب العربية المترجمة أو المستمدة في معظمها من تراث اليونان) عوّل روجر بيكون
وليونارد البيزي وأرنود الفيلنوفي وريموندلول وسان توما (الأكويني) وألبرت الأكبر..
قال مسيورينان: «إن ألبرت الأكبر مدين لابن سينا في كل شيء، وإن سان توما مدين
في جميع فلسفته لابن رشد».
هذا هو التأثير العلمي للعرب في أوروبا في
رأي المستشرق..
أي إن دورهم الحضاري الأساسي في العلوم
-فيما عدا المنهج التجريبي الذي نسبه إلى العرب وحدهم لا إلى الإسلام- هو دور
النقل: نقل تراث اليونان، وعلوم اليونان، وفلسفة اليونان إلى الأوروبيين.
وهذا الدور هو الذي يشيد به المستشرق لأن
التراث اليوناني يمثل الجذور الثقافية للنهضة الأوروبية، بل للحضارة
الأوروبية بوجه عام.
ولكن ليس في هذا النقل ما يدل على عبقرية
النقلة ولا على تأثير الإسلام.
ومن ثم كان المستشرق مستعدًا للاعتراف بأن
ألبرت الأكبر مدين لابن سينا، وأن توماس الأكويني مدين لابن رشد، وذلك لأن كلًا من
ابن سينا وابن رشد -في نهاية المطاف- مدين لتأثير الفلسفة اليونانية، لا
لتأثير الإسلام.
بل نرى المستشرق يذكر من بين من تأثروا
بنقل العرب لتراث اليونان إلى الأوروبيين بعض المعروفين بالعداوة للإسلام من رواد
التنصير والاستشراق أمثال ريموندلول وتوماس الأكويني.
وبينما يصف المستشرق العرب بالعبقرية
بالنسبة للشعوب الإسلامية الأخرى، نراه يضن عليهم بصفة العبقرية عندما يقارنهم
-في الإنجازات العلمية- بالإغريق والأوروبيين بعد عصر النهضة، فيقول:
«إنه ظهر من العرب رجال من الطراز العالي،
كما تشهد بذلك اكتشافاتهم، ولكن لا أظن أنهم أخرجوا رجالًا عظماء كأولئك
العباقرة الذين ذكرتهم (أمثال نيوتن ولينيتز). والعرب كانوا دون الأغارقة في كثير
من المسائل، ومساوين للرومان في الذكاء لاريب! غير حائزين -إلا لوقت قصير- ما كان
سببًا في دوام فوز روما زمنًا طويلًا من الصفات الخلقية»!
إنكار
تأثير القرآن
وينكر المستشرق أن يكون للإسلام أو للقرآن
تأثير على العرب في إنجازاتهم العلمية والفلسفية فيقول: «لم يكن للإسلام -ديانة-
تأثير في آثار العرب العلمية والفلسفية».
ويقول: «ولم يكن للقرآن أي تأثير في جميع
مذاهب العرب العلمية والفلسفية التي نشروها في العالم في خمسة قرون، كما أنه لم
يكن للتوراة أثر في كتب العلم الحديثة ولا عجب؛ فالقرآن مجموعة أحكام كان يحترمها
العلماء تقريبًا لأنها مصدر سلطان العرب، ولملاءمتها احتياجات الجماهير التي ليس
من طبيعتها أن تكترث للعلوم والفلسفة في كل زمن إلا قليلًا. غير أن العلماء (أي
العلماء العرب) كانوا لا يبالون بما بين نتائج اكتشافاتهم ونظريات الكتاب المقدس
(أي القرآن) من الاختلاف».
وهذا الكلام -فضلًا عن أنه واضح البطلان
كما سبق- فيه إيحاء خبيث وهو:
لأجل أن يتقدم العرب في العصر
الحاضر ينبغي أن يحذوا حذو أسلافهم «المتحضرين»، فيتركوا التأثر بالإسلام
وبالقرآن، ليحققوا إنجازًا ما في العلم والفلسفة!
ومثل هذا الإيحاء الخبيث نجده أيضًا في وصف
المستشرق للعرب بالتسامح الديني، وبالاعتماد على العقل لدرجة تنفي الإسلام من
الحياة، وتلغي القرآن من الوجود.. يقول: «إن التسامح الديني كان مطلقًا
في دور ازدهار حضارة العرب». ويستدل على هذا التسامح بما ترجمه مستشرق
آخر وهو دوزي «من قصة أحد علماء الكلام العرب الذي كان يحضر ببغداد دروسًا كثيرة
في الفلسفة، يشترك فيها أناس من اليهود والزنادقة والمجوس والمسلمين والنصارى... إلخ،
فيستمع إلى كل واحد منهم باحترام عظيم، ولا يطلب منه إلا أن يستند إلى الأدلة
الصادرة عن العقل، لا إلى الأدلة المأخوذة من أي كتاب ديني كان».
والمهم عند المستشرقين أن «أي كتاب
ديني» تشمل القرآن الكريم!
موقف
المستشرق من القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم
ليرى القارئ بنفسه مدى الإنصاف المزعوم
الذي ينسب إلى هذا المستشرق -نضيف إلى ما سبق ما قاله عن القرآن والرسول صلى
الله عليه وسلم:
1- القرآن
الكريم:
يصف القرآن الكريم بهذه
الافتراءات فيقول:
«وهذا الكتاب المقدس قليل الارتباط (أي
مفكك)، مع أنه أنزل وحيًا من الله على محمد، وأسلوب هذا الكتاب، وإن كان جديرًا
بالذكر أحيانًا خال من الترتيب، فاقد السياق كثيرًا. ويسهل تفسير هذا عند النظر في
كيفية تأليفه، فهو قد كتب تبعًا لمقتضيات الزمن بالحقيقة، فإذا اعترضت محمدًا
معضلة أتاه جبريل بوحي جديد حلا لها، ودوّن ذلك في القرآن».
ويقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
«ويقال إن محمدًا كان قليل التعليم، ونرجح ذلك، وإلا لوجدت في تأليف
القرآن ترتيبًا أكثر مما فيه».
والأعجب من هذه الافتراءات الساقطة، والأدل
على سقوطها، أنها تأتي من رجل لم يعرف عنه أنه أجاد لغة القرآن، فضلًا عن أنه يفهم
إعجازه!
2- الرسول صلى الله عليه وسلم:
يورد المستشرق طرفًا من سيرة الرسول صلى
الله عليه وسلم، وطرفًا مما قاله بعض المؤرخين المسلمين عن صفاته الكريمة وأخلاقه
العظيمة، ولكنه لا ينسى أن يضيف خلال ذلك فرية الجنون التي طالما رددها
المشركون والمستشرقون قبله وبعده.
يقول المستشرق: «ويجب عد محمد من فصيلة
المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح (!!)، وذلك كأكثر مؤسسي الديانات. ولا
كبير أهمية لذلك فذوو الهوس وحدهم، لا ذوو المزاج البارد من المفكرين هم الذين
ينشئون الديانات ويقودون الناس».
ولا عجب من مستشرق كافر أن يفتري الجنون
على رسل الله أو معظمهم صلوات الله عليهم جميعًا، وعلى أفضل الرسل وأكرم الخلق صلى
الله عليه وسلم.
ولكن العجب أن يوصف هذا المستشرق بالإنصاف!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل