; المستشار طارق البشري لـ المجتمع: قضاء مصر.. سلطة. لا يمكن إهمالها | مجلة المجتمع

العنوان المستشار طارق البشري لـ المجتمع: قضاء مصر.. سلطة. لا يمكن إهمالها

الكاتب حازم أحمد

تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1660

نشر في الصفحة 31

السبت 16-يوليو-2005

  • إذا أصلح القضاء شأن نفسه فذلك يسهم بالضرورة في إصلاح الشأن العام

  • السلطة التنفيذية تحب أن يكون لها اليد العليا في إدارة الشؤون وألا يكون عليها رقيب يحاسبها أو يلغي قراراتها 

  • مطلب القضاة اليوم هو حسن أدائهم للوظيفة وضمان الإشراف على الانتخابات بفاعلية ونزاهة

 تدعي كتابات صحفية غير مبرأة من الهوى أن مطلب نادي القضاة بإشراف أعضاء الهيئة القضائية مباشرة على العملية الانتخابية في مصر يمثل تدخلًا في السياسة أو تجاوزا لحدود دور السلطة القضائية على حساب السلطتين التشريعية والتنفيذية.التقت نائب رئيس مجلس الدولة المصري القاضي السابق والمؤرخ المعروف طارق البشري لتطرح عليه القضية من كافة جوانبها فكان هذا الحوار 

 -ما الفرق بين ما هو سياسي وفني في وظيفة القضاء؟ وما حدود دور القضاء أثناء الحراك الشعبي الحالي صوب الإصلاح والديمقراطية؟

 دور القضاء في تصوري كله فني هو نوع من المقاومة القانونية والقضائية، ولا شك أن ذلك أثرًا على الأوضاع السياسية. ليس المقصود بالمقاومة القانونية القضائية عملًا سياسيًّا بعينه، لكنها بلا شك مواقف تؤثر على السياسة والعمل السياسي بشكل غير مباشر. وهذا يحدث كثيرًا، ففي الاقتصاد هناك تطورات اقتصادية بحتة، يكون لها انعكاسات سياسية، والتأثير السياسي غير المباشر للقضاء يأتي من حيث نوع القضية المعروضة، فنظر القاضي في جريمة القتل العادية يختلف عن نظره في جريمة قتل سياسي بارز، لكن ثمة قضايا تعرض على المحكمة الدستورية لها أهمية سياسية كبرى، كتلك التي عرضت مؤخرًا، وصدر فيها حكم بوجوب الإشراف الكامل للقضاء على العملية الانتخابية طبقًا المادة (118) من الدستور، فهذه المادة تنص على أن الانتخابات تخضع لإشراف أعضاء الهيئات القضائية.

 ونعود إلى ما يحدث الآن فأقول: إنه إذا أصلح القضاء شأن نفسه؛ فذلك يسهم بالضرورة في إصلاح الشأن العام، ومطلب القضاة اليوم هو حسن أدائهم للوظيفة القضائية، وضمان الإشراف على الانتخابات وفعالية الإشراف النزيه. إن ما يطالب به نادي القضاة هو بدافع تجويد عملهم واستقلالهم عن السلطة التنفيذية، وله أثره المباشر في تنمية إمكانات التطور الديمقراطي في مصر. القضاة هنا لا يتكلمون في هذا الأمر من النواحي السياسية لكن من الناحية القضائية فقط. والخلاصة أن السياق هو الذي يرسم هذا الدور ويحدد أهدافه ونتائجه.

-ألا يخشى من تدخل السلطة القضائية في شؤون السلطتين التشريعية والتنفيذية، في حالة تمتع القضاء بكامل استقلاليته وبصفة خاصة إشرافه على ولادة السلطة التشريعية؟!

 لا يخشى من أي اختصاص يناط بالقضاة؛ سواء في العمليات الانتخابية أو غيرها من وجوه الإشراف على الأنشطة العامة لعدة أسباب، منها: أن القاضي ليس لديه جهاز إداري يمكنه من التدخل في سير المرافق أو التأثير على أوجه نشاطاتها، فالقاضي تنشأ ولايته عندما يثور نزاع بين أفراد وأفراد، أو أفراد وحكومة، ويعرض النزاع عليه فيحكم في الجزئية التي يثار بشأنها النزاع، ثم تنتهي ولايته تمامًا بعد ذلك. وأثناء نظره للنزاع يمكن للخصوم الاتفاق على الصلح، ويمكن لرافع الدعوة أن يتنازل عنها. 

كذلك القضاء دائمًا متجدد، والرئاسة فيه متغيرة، فالقاضي لا يصل إلى منصب رئاسي إلا في آخر عمره المهني، ويتولى المنصب مرة أو اثنتين ثم يتقاعد، وكثرة التداول والتغيير لا تسمح بشخصنة سلطة القاضي أو اندماج السلطة في شخصه، بخلاف الحال في السياسة وفي الجهاز الإداري، ولا يوجد في القضاء نظام وظيفي هرمي للقرارات والسلطات بعكس جهاز الإدارة، فالجالس على قمة أي قسم أو هيئة يملك إصدار الأوامر وكل من تحته ينفذ، في القضاء لا يوجد هذا؛ إنما كل دائرة أو محكمة تحكم في قضاياها مستقلة تمامًا عن الدوائر الأخرى، كما أن العمل القضائي مراقب دائمًا طوال الوقت من جانب الخصوم في الدعاوى، ولا يملك القاضي اتخاذ أي قرار إلا بعد وقوع خصومة بين طرفين تتعقد أمامه، وهو يتخذ قراراته في حضورهما وبعد سماع أقوالهما. نعم، هو قاضٍ لكنه مراقب من ذوي المصلحة.

-ما الجديد في تحركات نادي القضاة هذه المرة، وقد سبق أن أصدر توصيات لم تنفذ أو لنقل: إن السلطة التنفيذية تعمدت تجاهلها أو وضعها في الأدراج؟ 

النادي عقد مؤتمر العدالة الأول عام 1986م، وقدم القضاة فيه بحوثًا ودراسات. وانتهى إلى توصيات أهمها إكمال تحقيق استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وتابعت الجمعيات العمومية التالية تقديم مشروعات بتعديل قانون السلطة القضائية بما يحقق هذه الأهداف، واستمر ذلك طيلة التسعينيات.

ما الذي يحول دون تنفيذ تلك التوصيات أو مشروعات تعديل قانون السلطة القضائية؟

 السلطة التنفيذية تحب أن تكون لها اليد العليا في إدارة الشؤون، وألا يكون عليها رقيب ذو فعالية يحاسبها أو يلغي قراراتها..

 - وما القيمة الحقيقية لتوصيات نادي القضاة؟ وهل ما جرى يُعد توسيعًا لاختصاصاته؟

 للنادي سلطة أدبية فعالة، من حيث إنه يجمع كل أعضاء السلطة القضائية معًا، فالقضاء كما نعرف ليس مهنةً فقط كالمحاماة أو الصحافة بل سلطة.

-  لكن السلطة التنفيذية تهمل أو تتجاهل توصيات نادي القضاة منذ نحو عقدين من الزمن !!

القضاء سلطة لا يمكن إهمالها..

وما وسائل التأثير أو التدخل الحكومي في شؤون القضاء عمومًا؟

 هناك دائمًا اهتمام بوجود أنشطة معينة. ويبدو هذا في القضايا الجنائية ذات الطابع الإداري التي يطعن فيها على الحكومة في مجلس الدولة، ويبدو ذلك في أعمال النيابة العامة التي تملك التحقيق والضبطية وإقامة الدعوى الجنائية، ويضاف إلى ذلك التدخل في عدد من الأنشطة القضائية فيما يتعلق مثلًا بالنقابات المهنية وغيرها. ودائمًا منصب النائب العام كان مما تهتم به الحكومة؛ لأنه صاحب الدعوة العمومية والولايات الخاصة بالتحقيق في القضايا الجنائية، والحكومات دائمًا تحمي نفسها. القضاء الإداري له أيضًا أهمية خاصة للدولة؛ لأنه رقابة على مشروعية أنشطتها ولقضايا الحريات وغيرها. كل ذلك ينعكس في قانون السلطة القضائية، ولذلك نجد القانون رقم (46) لسنة 1972م موضع تركيز خاص من جانب نادي القضاة؛ إذ يطالب دائمًا بوجوب تعديله، فهذا القانون يشتمل على نصوص كثيرة تشرع تدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء، وفي إدارة العملية القضائية عن طريق وزارة العدل. صحيح أنه لا توجد أي سيطرة لوزارة العدل أو غيرها على أعمال المحاكم، ولكن التدخل في إدارة العملية القضائية يحدث عن طريق التفتيش القضائي التابع للوزارة، فهذا الجهاز يراقب ويقيم ويقدر أعمال القضاة، وبناءً على توصياته المباشرة تتم عمليات نقلهم أو التخطي أو الترقية أو غير ذلك، الجانب المهم أيضًا في هذا الصدد، أن وزير العدل هو الذي يعين رؤساء المحاكم الابتدائية بعد استشارة الجمعية العمومية للمحكمة، وقرار الجمعية العمومية هنا استشاري، فالوزير هو الذي ينتدب فعليًّا رؤساء المحاكم الابتدائية، وهذا يتم كل سنة. وتعرفون أن رئيس المحكمة له دور كبير في توزيع الدوائر، وإدارة هذه العملية القضائية. وهناك -إضافة إلى ما سبق- نصوص كثيرة في القانون فيما يتعلق بإداريات نشاط القضاة، ونادي القضاة يطالب برفع كل هذا ليخلي بين القضاة تمامًا وبين أي سيطرة أو نفوذ لوزارة العدل عليهم، ويكون ذلك بأن ترد السلطات التي تملكها الوزارة إلى المجلس الأعلى للقضاء والجمعيات العمومية للقضاة، وأن يشكل المجلس الأعلى للقضاء من رؤساء بحكم مناصبهم، ومن أعضاء تختارهم الجمعيات العمومية للمحاكم.

 -أسفرت اجتماعات وتوصيات النادي الأخيرة بشأن العملية الانتخابية عما يعتبره البعض نذر شق الصف أو التدخل في شؤون النادي، فما تعليقكم؟

 أحب أن أشرح ما هو نادي القضاة بالتفصيل؛ ليتبين الأمر للقارئ إن نادي القضاة يقوم بدور اجتماعي لأعضائه، لكنه ليس كأي نادٍ اجتماعي آخر. إنه يقدم خدمات اجتماعية لأعضائه لكن تلك ليست أصل وظيفته. إنه شكل نقابي لحماية مصالح القضاة وحقوقهم والتعبير عنها، وهو يؤدي هذا الدور النقابي لكن هذا أيضًا ليس جوهر دوره. إن أهم ما يميز نادي القضاة أنه مجال التجمع العام لجميع قضاة مصر. وتعرف أن القضاة في عملهم أو أنشطتهم يتوزعون على دوائر ومحاكم، وأكبر تشكيل يمارس فيه القاضي عمله هو الجمعية العمومية للمحكمة التي يتبع لها، ويتراوح عدد أعضاء تلك الجمعية بين مائتي عضو وخمسمائة. فهناك مثلًا الجمعية العمومية لقضاة الإسكندرية وتضم جميع قضاة المحاكم الابتدائية على نطاق المحافظة، أما القاهرة فنظرًا لكبر مساحتها تقسم إلى جنوب وشمال، وهناك جمعية عمومية لقضاة محكمة الاستئناف تضم جميع مستشاري تلك المحكمة.. 

-من أين يستمد القضاء قوته أو تأثيره في الحالة السياسية الراهنة في مصر؟

 لقد ناط حكم المحكمة الدستورية الخاص بالإشراف الكامل للقضاء على العملية الانتخابية بالسلطة القضائية أن تضمن نزاهة انتخابات السلطة التشريعية، ومن ثم أصبح الوجود الحقيقي للأخيرة مشروطًا بهذا الإشراف، ومن هنا تجيء قوة القضاة. لقد ترتب على عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم أن الحكومة صارت أكثر اهتمامًا بالتدخل في شؤونهم؛ كي لا تفقد سيطرتها على الانتخابات، ولهذا يحتشد القضاء للدفاع عن استقلاله العام واستقلاله في هذه العملية بالذات.

 -ما المقصود - على وجه التحديد - بالإشراف الكامل للقضاء على العملية الانتخابية؟ 

يعني مراقبة صحة ودقة عملية تسجيل أسماء الناخبين، وتوزيع الدوائر الانتخابية، وتعيين القضاة المشرفين على عمل اللجان الرئيسة والفرعية، والإشراف على الصناديق، وعملية فرز الأصوات، وإعلان النتيجة بعد الفرز. 

-وماذا عن تحرشات الحكومة بمرشحين بعينهم أو احتكارها الإعلام أو سوء استخدامه لصالح فريق دون الآخر في فترة ما قبل عملية التصويت ذاتها؟ 

هذه منازعات تعرض على القاضي الطبيعي.

- ألا يعد الإشراف بهذا الشكل الدقيق تدخلا -ولو نظريًّا- من سلطة من سلطات الدولة الثلاث في تشكيل أو ولادة سلطة ثانية هي السلطة التشريعية؟

كلا، هذا ليس تدخلًا، إنه مجرد إشراف وقتي، يتبعه الانسحاب الكامل؛ أي تفقد السلطة القضائية ولايتها تمامًا على المجلس التشريعي، إن القضاء في أدائه هذه المهمة ليس له مصلحة ذاتية، فلا يرشح أعضاءه للفوز بمقاعد بالمجلس، ولا يناصر مجموعة سياسية، وسبق أن ذكرت أن القضاة متغيرون في مناصبهم، فيستحيل أن يكون لهم مصلحة.

-هل تكفي وقفة القضاة تلك؟ وما رأيكم في قول القائلين برهان الحكومة على تراجع الضغوط الشعبية أو احتواء وتشتيت تحركات القوى السياسية والحزبية في الشهور القليلة القادمة؟

 إن القضاء ليس وحده على الساحة... لقد تصاعدت مطالبات الأحزاب الرسمية بانفتاح ديمقراطي، وكان لدى تلك الأحزاب استعداد للتصالح مع الوضع القائم، لكن الوضع القائم لا يمكنها من ذلك؛ بل لقد أوصد أبوابه دون تقبل أي بادرة إصلاح ولو جزئية. ولدينا القوى التي اصطلح على تسميتها المحجوبة عن الشرعية (الإخوان المسلمون والشيوعيون وغيرهم)، وهي سياسية ومنظمة وذات فعالية، وبعضها لها شعبية كبيرة، وأقصد الإخوان، كما توجد مع كل تيار سياسي له تنظيم أو حزب معترف به رسميًّا، توجد جماعات أكثر راديكالية تنتمي لذات التيار أو الحزب وهي ذات فعالية. إن كل هؤلاء اليوم في حالة حراك للمطالبة بإلغاء الطوارئ وتخفيف القيود على تكوين الأحزاب، بما يمكن من الاعتراف بكل التشكيلات الشعبية الحزبية الموجودة في المجتمع، ورفع سيطرة الدولة على أنشطة كثيرة من أنشطة المجتمع الأهلي كالجمعيات وغيرها ونزاهة العملية الانتخابية... إلخ.

 -هل ترى أن هذا الزخم مرشح للاستمرار أم أنه سيخبو تدريجيًّا بفعل الخصوم الأقوياء وما يبدو من عدم اكتراث الجماهير به؟

 نرجو أن يستمر، بل وأنا أرى أن له مقومات استمراره، والقليل المنفصل بالمتابعة سيكون كثيرًا متصلًا إن شاء الله.

 

الرابط المختصر :