; المستسلمون والأسلاك الشائكة | مجلة المجتمع

العنوان المستسلمون والأسلاك الشائكة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 532

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 09-يونيو-1981

عندما توجه قادة يهود إلى مطار القدس لاستقبال سادات مصر يوم 19 نوفمبر 1977م كانوا مشدوهين جدًا، وعندما رآوه ينزل من فوق سلم الطائرة وأخذ يقبلهم واحدًا واحدًا حسبوا أنهم في حلم... فهم لم يكونوا ليتصوروا أن يأتي إليهم رئيس أكبر دولة عربية ليوقع على صك الاستسلام بين أيديهم.

نعم كانوا يتصورون أن يجلسوا إلى زعيم عربي سرًا وفي بلد أجنبي أو على الحدود.. وكانوا يعلمون أن بعض الزعماء العرب قد سلموهم في حرب عام 1967م بعض الأراضي ذات الموقع الإستراتيجي دونما عناء أو تعب.. وجربوا التفاوض من قبل مع زعماء عرب من خلال وسيط دولي.. ووقعوا اتفاقيات فك الاشتباك في عام 1973م على الجبهة المصرية وعلى الجبهة السورية!

لكن أن يصل الأمر إلى حد ما فعله السادات فلم يكن متصورًا ولا متوقعًا بالنسبة لهم. 

اليوم وبعد أن فتح السادات الطريق أمام المستسلمين لحق به النميري بشكل معلن.. حيث أعلن تأييده الكامل لاتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة وأعرب عن استعداده لإعطاء التسهيلات العسكرية المطلوبة لقوات الولايات المتحدة الأميركية..

ومن قبله أعلنت الصومال وعمان عن استعدادها لتقديم «التسهيلات» أو القواعد العسكرية لأمريكا لغرض حماية منابع النفط!

ومازالت المحاولات جارية ليلحق بالركب زعماء آخرون.. ومنحنى السياسة العربية يشير بشكل أو بآخر إلى أنهم جميعًا يريدون لهم «السلام».. ويريدون التوصل إلى «حل سلمي» لأزمة الشرق الأوسط. 

من بعد الكامب توجه بعض الزعماء العرب شطر أوروبا وبعثوا الروح فيما يسمى «بالمبادرة الأوروبية» ومع أنها أخفقت وتبين أنها مكملة إلا أن الفرصة لا تزال تنتظرها مع رئاسة بريطانيا لدورة مجلس السوق الأوروبي في يوليو القادم. وبعضهم توجه شطر الاتحاد السوفياتي «الحليف الطبيعي» للعرب! ومازال يأمل فيه خيرًا مع أن الشعب الأفغاني المسلم مازال يعاني من الغزو الروسي العسكري السافر!

واليوم تبدو ملامح حركة استسلامية جديدة قد يشترك فيها الفلسطينيون بممثلهم الشرعي الوحيد! هذه الحركة تلتقي عند دعوة بريجنيف لمؤتمر دولي حول الشرق الأوسط.. والمؤتمر الدولي هذا يتم بترتيب من قبل روسيا وأمريكا لئلا تنفرد أمريكا بالحل كالسابق.. إذن مادام الأمر يتعلق بمصلحة يهود ودولتهم إسرائيل فلتعقد المؤتمرات ولتجر المفاوضات تحت أي شعار كان وبرعاية أي طرف كان.

ثم إنها اللعبة الدولية تقتضي كما سبق أن أشرنا في هذه الزاوية إلى أن يمكن لدولة يهود على مراحل، المرحلة الأولى كامب ديفيد والثانية المبادرة الأوروبية والثالثة المؤتمر الدولي. ولكن هل ستنجح هذه المساعي؟ وإذا لحق بالسادات نميري وآخرون هل سيتحقق الصلح بين يهود والمسلمين؟ وهل ستصبح العلاقات «طبيعية» كما يريد بيغن والسادات؟

يهود أعداء عقيدة

الذين يعرفون طبيعة الشعوب الإسلامية عن كثب ويدركون مدى تأثير العقيدة الإسلامية في نفوسهم يعلمون تمامًا أن ركب المستسلمين لن يكتب له النجاح وأن العلاقات مع يهود لا يمكن أن تكون إلا عدائية أو علاقة أهل ذمة. ومادام المسلمون يتلون القرآن فسيقرأون ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82) وماداموا يصلون فسيظلون يقرأون ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة:6-7)، وهم يعرفون أن المقصود بغير المغضوب عليهم هم يهود.

وتاريخ يهود مع نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- ومع المسلمين من بعده زاخر بمؤامرات يهود ومكرهم.. والرأي مستقر أن علاجهم لا يكون إلا بالقتال والنفي.. وما عدا ذلك من علاجات فلا يأتي بنتيجة.. 

هذا من الناحية الفكرية والنظرية، وأما من الناحية العملية فالشعب المصري المسلم برغم ظروفه الاقتصادية القاهرة وبرغم طبيعته المطواعة للقيادة وقف بقوة ضد جميع إجراءات التطبيع... وما إن ييسر الله له قيادة حكيمة فسيقلب كل ما بناه السادات رأسًا على عقب.

والشعوب الإسلامية الأخرى تشهد صحوة إسلامية مباركة ولا تزال حجر عثرة أمام حكامها المستسلمين.. أو الذين في طريقهم إلى الاستسلام.. 

حقيقة يدركها يهود

وهذه حقيقة يدركها يهود وقادة دولتهم ومفكريهم.. فهم يدركون أن العرب مرتبطون بالإسلام ومهما توالى عليهم من حكام من أمثال سادات مصر ممن أشربوا في قلوبهم حب يهود والحضارة الغربية فسيظلون عربًا مسلمين يلفظون يهود ولا يقرون لهم بكيان ولا وجود..

وهم من أجل إدراكهم هذه الحقيقة شردوا السكان المسلمين من الأراضي التي استولوا عليها في فلسطين، ومن إدراكهم لهذه الحقيقة يريدون أن يقضوا على «بقايا شعب فلسطين» على حد زعم بيغن...

يقول موشی دایان بعد مضي عشر سنوات على احتلال الضفة الغربية «عندما أتجول في نابلس وفي القدس أشعر بأن الناس هناك يختلفون عمن أشاهدهم في تل أبيب إن لهم رائحة ونكهة خاصة».

وحول مستقبل العلاقات بين يهود والعرب في أعقاب زيارة السادات للقدس عقد معهد شيلواح للدراسات الإستراتيجية ندوة حضرها عشرة خبراء وبعد نقاش طويل خلص الخبراء إلى أنه بالرغم من وجود قادة عرب مثل السادات (لديهم استعداد للاستسلام) إلا أن مستقبل العلاقات مع العرب سيظل قائمًا على الخوف والعداوة وعدم الاستقرار لأنهم مسلمون!

وقبل فترة قصيرة قال رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي: إنه بالرغم من توقيع اتفاقات كامب ديفيد وتطبيقها وبالرغم من بعث حركة الحل السلمي إلا أننا نبني إستراتيجيتنا العسكرية على أساس أن مصر عدو لإسرائيل! 

من هنا فإن يهود أخذوا من السادات ولم يعطوه شيئًا ومن هنا ندرك كيف أن قادتهم لا يريدون السلام بل يريدون إرساء دولتهم وتوسيع رقعتها وتنقيتها من العنصر العربي المسلم.

وهم يدركون أن الزعيم العربي الذي يستسلم لهم لا يغني عنهم شيئًا.

حركة إسلامية يخشاها يهود

ويعلم يهود أن في العالم الإسلامي حركة إسلامية لا تلين، قدمت الضحايا عامي 48 و49 فذاق اليهود من فدائييها في الفالوجة وصور باهر والتبة الموت والرعب. وأخذوا منها درسًا في الصبر والبلاء في القتال..

ويعلم يهود أن الحركة الإسلامية كما وقفت ضد إجراءات التطبيع في مصر تقف بالمرصاد لكل حاكم يريد أن يخطو خطوات السادات.

ومن أجل هذا قال دايان وبيغن وشيمون بيرز وغيرهم من زعماء يهود «لا زال سيف الإسلام مصلتًا في وجوهنا». 

ويزداد القلق عند يهود على مستقبلهم لأنهم يدركون كذلك أن الحضارة الغربية التي يعتمدون عليها في طريقها إلى الانهيار وأن المستقبل للحضارة الإسلامية.. وهم لانغلاقيتهم وعرقيتهم وعزلتهم لا يستطيعون أن يطرحوا البديل للحضارة الغربية..

وهم كذلك يعرفون من دراسة التاريخ أن رصيد التجربة يشير إلى أن الشعوب الإسلامية لا يمكن أن تغير في بنيتها الفكرية والاجتماعية والسياسية سنوات وإن طالت.. فالحروب الصليبية التي امتدت لأكثر من قرن لم تزحزح المسلمين عن عقيدتهم ويوم أن بعث الله لهم صلاح الدين طهروا الأرض وحرروها وأقاموا فيها شرع الله.

ولماذا نذهب بعيدًا، فالاستعمار لم يمض على رحيله من العالم الإسلامي إلا عقود مع أنه مكث في بعض البلدان سنين طويلة.

وخلاصة الأمر أن ما يخيف يهود ويقلقهم على مستقبلهم هو الإسلام والحركة الإسلامية.. أما الاشتراكية واليسار، والديمقراطية واليمين فهي لا ترى بأسًا في الصلح مع يهود، كما أنها عارضة وليست ضاربة الجذور في الشعوب الإسلامية كالإسلام.

خيانة عظيمة

ومادام الأمر كذلك فلماذا يستسلم المستسلمون ولماذا يتهيأ المترددون الخائفون للاستسلام؟

إن المستسلم إذ يفعل ذلك مخالف لحقائق التاريخ ومقتضيات المنطق، وهو قبل ذلك خائن لله وللرسول، ثم هو كاذب منافق إذ يوحي للأمة أن أشد الناس عداوة لهم ليسوا أكثر من حملان وديعة وحملة مشاعل حضارية!

ونحن إذ نشير إلى هذه الحقيقة التي يدركها اليهود جيدًا، لا نفعل ذلك لتطمين الشعوب الإسلامية وترك الأمور تسير كما يريد المستسلمون المعلنون أو المخفيون، وإنما نريد أن نبصرهم بمدى خيانة وسخافة ومهانة أمثال أولئك الحكام ليستدركوا الأمر ويأخذوا على أيديهم قبل أن تغرق السفينة بهم جميعًا.

ومما يترتب على هذه الحقيقة كذلك أن أي محاولة للصلح مع يهود سواء كانت أمريكية أم أوروبية أم روسية أم دولية لن تأتي بخير ومصيرها الفشل الذريع، لأن يهود يريدون السلام الذي يمكنهم من رقاب المسلمين.. ولأن الصلح مع يهود الذين اغتصبوا الديار الإسلامية خيانة عظمى في ميزان الإسلام.

وبعد..

وبعد فليدرك الحكام المستسلمون علانية أو على استحياء أنهم بفعلهم هذا يستحقون غضب الله ومقته في الدنيا والآخرة لأنهم يخونون الله ويخونون الأمة.. وإذا كانوا لا يحسبون للآخرة حسابًا وهذا ما هو ظاهر فليتقوا غضبة الشعوب التي مهما سكتت على مهازلهم فلن تطول الغفلة.. وعندما تصحو الشعوب على صيحة "الله أكبر" (سيعلم الذين ظلموا منهم أي منقلب ينقلبون).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

204

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

محليات (111)

نشر في العدد 1300

226

الثلاثاء 19-مايو-1998

زجل شعبي

نشر في العدد 434

173

الثلاثاء 27-فبراير-1979

شريط الأخبار.. العدد 434