; المسؤولون عن المذابح في البوسنة والهرسك (۲-۲) بريطانيا وفرنسا تقودان الغرب في حرمان المسلمين من السلاح | مجلة المجتمع

العنوان المسؤولون عن المذابح في البوسنة والهرسك (۲-۲) بريطانيا وفرنسا تقودان الغرب في حرمان المسلمين من السلاح

الكاتب أيوب خان أمية

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

مشاهدات 84

نشر في العدد 1130

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

  • مسؤول في الأمم المتحدة: المناطق الآمنة فكرة مشوشة والمؤكد أننا لن نتلقى قرار مجلس الأمن بوضعها موضع التنفيذ.
  • الإعلام الغربي يقلب الحقائق بشأن الوضع في البوسنة فأبرز الدعاية الصربية بأحقيتهم في البوسنة رغم الجرائم التي ارتكبوها.
  • فشل قادة العالم الإسلامي في اتخاذ موقف موحد في البوسنة يتصدى للمؤامرات الغربية والجرائم الصربية كان من العوامل الداعمة لاستمرار المذبحة.

وقبل أن نلتفت إلى ما يجب علينا فعله حتى في هذا الوقت المتأخر بالنسبة لإنقاذ البوسنة، فإنني أريد أن أتناول بالفحص والتحليل العميق موضوعا قد تم تجاهله وهو: من أولئك المسؤولون -بالإضافة إلى الصرب- عن حدوث تلك المذابح واستمرارها حتى اليوم؟ وتحديد المسؤولية لا يعني إعداد قائمة مبسطة للأهداف من أجل تحميلها العار.

إن من المهم والأساسي فهم سيكولوجية من عرفوا بالذكاء ورجاحة العقل من زعماء أكثر شعوب الأرض تقدما ورقيا، وكيف توصلوا وبإدراكهم الكامل لسلسلة من القرارات المجافية للأخلاق وللحكمة والمبنية على سلسلة من الحجج منطقية ومعدة بطريقة محكمة وتتنصل باستمرار عن القرارات الحكيمة، إن باربارا توشمان والتي تقوم بتشخيص أسباب حدوث التصرفات الرعناء المثبتة سابقا من قبل الساسة في كتابها: زحف الغبي، لا توضح للأسف التفاصيل العميقة لكيفية اتخاذ مثل تلك القرارات، وأن المسألة ليست بتلك البساطة حيث تطغي العواطف على المنطق والعقل، لذلك فإن الدليل «البيوعقلي»، كما أوضحته هذه الكاتبة في مقالها بمجلة الأكاديمية الأمريكية للتحليل النفسي يؤيد النظرية الحالية والتي تقول: إن كل التصرفات الإنسانية بغض النظر عن عقلانيتها تكون وراءها العواطف، إن القرارات تتخذ والنتائج تستخلص ويتم التوصل إلى أعمال أدبية وفنية وعلمية عظيمة لأسباب منها: الرغبة الإنسانية العارمة، والفضول، والخوف، وعدم الرضا، والقلق، والسعادة، والحسد، ثم تجيء الأفعال التالية لتقدم التبرير المناسب والعقلاني لكيف ولماذا اتخذنا تلك القرارات والتصرفات؟

إن الجدوى النسبية لعقلنة القرارات والتصرفات بعد اتخاذها تعتمد على شخصية وأمانة الشخص ومدى عمق تأثيره - تأثيرها على عواطف الآخرين ودوافعهم، وبإيجاز فإنه ليس هناك إيجابية بدون سلبية تسبقها والعواطف تمثل الجانب السلبي وهكذا.

مساندة بريطانيا للصرب

وعندما يصر دوجلاس هيرد ويشاركه في رأيه القادة الأوروبيون على عدم رفع حظر السلاح عن البوسنة بطريقة انتقائية لأن ذلك «سوف يوسع من دائرة القتال»، فإنه ينسى أنه يواصل بذلك تأييده لسياسة الاسترضاء. إن هذا الموقف الإيجابي لوزير الخارجية البريطاني يغطي خلف القناع اعتقادا سلبيا بأن عدم التوازن الحالي الذي يميل لصالح الصرب أمل مفضل لأنه ينسجم مع أهواء ورغبات الأوروبيين. يقول إيان وليامز في يومياته كموظف تابع للأمم المتحدة: إن من المثير للدهشة أن شعبا ينسب إليه اختراع لعبة الكريكت يصير مدافعا عن المصالح غير العادلة للمعتدي، ويعمل بذلك على وضع حل نهائي بالنسبة لمسلمي البوسنة!

لعل أنسب تعليق على استمرار سياسة الاسترضاء المضمنة في برنامج العمل المشترك الأخير للولايات المتحدة وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإسبانيا، خاصة فيما يتعلق بالمناطق الآمنة المغلقة، هو ما قاله مسؤول كبير من مسؤولي الأمم المتحدة عن «المنطقة الآمنة»، في بيهاتش: «هذه فكرة مشوشة أخرى وعلينا التعامل معها من البداية إلى النهاية، ولا يهم ما سيكون عليه قرار مجلس الأمن الدولي، ولكن من المؤكد بأننا لن نتلقى أية أوامر فيما يتعلق بوضع تلك الفكرة موضع التنفيذ». وهذا التصريح الجريء والسابق لأوانه قد أثبت الآن صحته، حيث يقاوم البوسنيون كلا من الصرب والكروات الذين يسعون إلى تقسيم البوسنة دون خوف من أية عقوبات، إن هذه السياسة الرهيبة التي تتبعها الدول الغربية تساعد فقط على تعزيز قناعات كثير من المسلمين بأن الحرب الصليبية الفاشية التي يشنها ميلوسوفيتش وماتي بويان قد سببت حرجا بالنسبة لعلم الدول الغربية بما يحدث.

فاشيو الصرب الطرف الأول في المذابح

إن الشخصيات والرموز التي تقع عليها مسؤولية حدوث هذه المذابح البشرية والثقافية في أوروبا تشمل قبل كل شيء الصرب الذين يسيطر عليهم ميلوسوفيتش وكراديتش وسيسيلج وأتباعهم، إن التبرير المنطقي للبربرية والوحشية لا يفسر حقيقة الاختيار المتعمد لتلك الأعمال الوحشية المتعمدة، ولكنه للأسف يرتبط كما ذكرنا من قبل بنظرية البيوعقلية، وارتباط التصرفات بالعاطفة، لقد أيد الكروات في بادئ الأمر استقلال البوسنة والهرسك في عام 1992م، والتصرفات الكرواتية الحالية تتسم بالعداء العميق حيث انضم الكروات إلى الصرب في عملياتهم لتصفية المسلمين، إن توجمان ومساعده ماتي بوبان يعملان الآن يدا بيد وبالتعاون مع ميلوسوفيتش وكراديتش لالتهام الأراضي البوسنية لتصبح أجزاء من صربيا وكرواتيا.

زعماء أوروبا الطرف الثاني الداعم للمذابح

والطرف الثاني المسؤول عما يحدث في البوسنة هم الأوروبيون وخاصة القادة الحاليون لبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وروسيا وإسبانيا واليونان، وعلى الرغم من مناشدات رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر للتدخل في البوسنة، فإن شيئا ملموسا لم يحدث لإيقاف المذابح، وتجاهل حلف الناتو تماما سياسته الأوروبية المعلنة بشأن الأمن الأوروبي والتي تم تبنيها في عام 1991م: «إن المخاطر ضد أمن الحلفاء من العدوان المحسوب والمتوقع ضد أراضي أية دولة عضو في الحلف صار أقل احتمالا، مقارنة مع النتائج العكسية المترتبة على عدم الاستقرار، والتي قد تنجم عن المصاعب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتشمل الصراعات العرقية والنزاعات الإقليمية في عدد من الدول في وسط وشرق أوروبا».

وعلى الرغم من هذه الكلمات الشجاعة، فإن دول حلف الناتو لم تفعل شيئا، ويقول كريج ويتني في مقال نشر مؤخرا بصحيفة «نيويورك تايمز» «إن المشكلة ليست هي عجز أوروبا في البوسنة، ولكن واشنطن هي التي خلقت هذه الأزمة»، مشيرا بذلك إلى أن الإشارات المتضاربة والصادرة من واشنطن قد خلقت تعتيما لدى الجميع.

ويضيف: «إن القادة العسكريين الأمريكيين قد أعدوا خططا عسكرية لقصف الأهداف العسكرية الصربية، ولعبوا دورا ضمن بعثات حفظ السلام، ولكن ذلك لم يكن بسبب أوامر من واشنطن صادرة إليهم، وهذا يقودنا إلى الطرف الثالث والأهم في تحمل المسؤولية وهو دور الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة هي الطرف الثالث في المذابح

إن الشخص الوحيد الذي كان باستطاعته أن يوحد ويجمع كل جهود الأوربيين الضعيفة والهشة ويقوم بمهام القيادة من خلال الأمم المتحدة لاتخاذ سياسة قوية وموقف عسكري وحازم يشد من أزر الموقف السياسي، كان ولا يزال هو الرئيس الأمريكي، وبغض النظر عن تجاهل الرئيس بوش لهذه المشكلة وتغيير المواقف القوية السابقة والمبادرات غير المكتملة للرئيس كلينتون في مشاوراته مع القادة الأوروبيين المعارضين لموقفه، فإن من غير المشكوك فيه أن الولايات المتحدة كدولة عظمى هي الوحيدة التي لها القوة الكافية للتصدي لوقف التوسع الصربي والمذابح المستمرة، وإن المطلوب هو نوع تلك القيادة النشطة التي قامت بتحرير الكويت من غزو صدام حسين، ولو أن الرئيس كلينتون تحرك بصورة حازمة في هذا الأمر لكان قد وجد تأييدا قويا من الديمقراطيين والجمهوريين، لقد تحدث السناتور بوب دول بقوة لصالح التدخل مؤيدا زميله الديمقراطي السناتور بيدين والذي يقول مذكرا: «ونحن نتحرك مبتعدين عن أنصاف الحلول الضعيفة، فإن مبادئ الأمن الجماعي ودعوات التفاهم الدولي يجب أن تحل محل انعدام الضمائر الذي ظل يحكم السياسات الغربية حتى الآن».

وما لم يغير الغرب نهجه هذا، فإن ميلوسوفيتش وسياسته البربرية سوف يستمر تحت مظلة نيفيل تشيمبرلين، وهو يذكرنا بالذكرى الخمسين لانتفاضة جيتو وارسو عندما قاوم 700 يهودي القوات النازية لمدة 21 يوما إلى أن تم سحقهم، ويكتب السناتور روس فاينجولد عن «تشابه مزعج» لذلك في البوسنة والهرسك قائلا: «إذا كانت جملة «يجب ألا يتكرر» تعني شيئا، فإننا لن نسمح بأن يقف الشعب البوسني عاجزا عن حماية نفسه أمام المذابح الصربية، وإذا فشلنا في هذا فإن معنى الانتفاضة ومتحف الهولوكوست «إبادة اليهود» سيكون أكبر بقليل من تماثيل فارغة المحتوى من النفاق».

دور الإعلام في تمييع الحقائق وتشويهها

والحالة الرابعة أو المجموعة المسؤولة الرابعة هي أجهزة الإعلام.. إن التغطية الإعلامية للفظائع التي ترتكب في البوسنة كانت جيدة، وهناك حقائق أساسية عن الدولة البوسنية وحكومتها لم تجد التغطية الكافية. وهكذا فإن مخيلة رجل الشارع الأمريكي العادي تساوي بين البوسنيين والمسلمين، وهذا لا يحقق العدالة المرجوة بالنسبة للحقيقة، وهي أن المسلمين يشكلون أغلبية 44% بينما يشكل الصرب والكروات أقليات مهمة وتشارك في الحكومة البوسنية. لقد كتب القليل جدا عن القيم الأخلاقية، وأهمية استمرار القيم السياسية التي تضمن بقاء الشعب الوحيد في أوروبا، والذي يتعايش فيه المسلمون واليهود والمسيحيون في سلام وإخاء ويرغبون في الاستمرار في ذلك النهج، فإن أهمية سراييفو كعاصمة لمثل هذا الشعب لم يتم تسليط الضوء عليها بما فيها الكفاية، لقد كتب عدد قليل من الصحفيين مقالات تبدو محددة وقصيرة الأجل وقصيرة النظر في اتجاه تعزيز آراء هنري كيسنجر حول هذه المشكلة.

ففي مقالين نشرا مؤخرا للكاتب س.س. روزينفيلد نجد آراء خاطئة ومتناقضة، وذلك عندما يحاول قسرا التمييز بين صربيا الأصلية وحلفائهم من صرب البوسنة، ويقول روزينفيلد: «سيصر البعض على فرض العقوبات كاملة إلى أن يقبل صرب البوسنة خطة فانس- أوين، ولكن رفضهم لخطة فانس- أوين في الاستفتاء الذي أجري في الأسبوع الماضي سيكون عقابا غليظا ضد الجانب الخطأ صربيا الأصلية.. بدون غاية».

ويمضي روزينفيلد في تأييده المباشر لصرب البوسنة فيقول: «ولكنهم لديهم الحق في أن يشتكوا من الطريقة التي جعلتهم في وضع أقلية عندما أعلنت الحكومة التي يسيطر عليها المسلمون استقلال دولة البوسنة الموحدة في العام الماضي».

إن روزينفيلد صحفي كبير ومطلع ويبدو أنه أصيب بفقدان ذاكرة مفاجئ؛ وذلك لسبب بسيط وهو أن الصرب في البوسنة أقلية، وأن إعلان استقلال البوسنة والذي حظي باعتراف دولي وباعتراف المجموعة الأوروبية، كان وسيظل اعترافا بدولة ديمقراطية، حيث تمت فيها انتخابات ديمقراطية نظيفة «صوت واحد لكل فرد»، وهكذا فإنه لم يكن هناك تجاهل أو معاملة للصرب باعتبارهم أقلية، وكانوا في الحقيقة أقلية، وقد وافق بعضهم على العيش في دولة البوسنة والهرسك الديمقراطية والاتحادية.

إن وصف الحكومة البوسنية باعتبار أنها حكومة يقودها الإسلاميون كما يقول روزينفيلد، هو أيضا وصف مضلل ويرفض الاعتراف بحقيقة أن القيادة ببساطة هي انعكاس للأغلبية، ولا تعني بالضرورة أن حكومة البوسنة كانت أو ستظل تحت قيادة إسلامية، وإن عدم الإشارة إلى طبيعة المشاركة الجماعية في الدولة البوسنية والتركيز فقط على الجانب الإسلامي لا يصب إلا في مصلحة الدعاية الصربية، لذلك فإن مثل هذا النوع من الريبورتاج يشجع أيضا على ممارسة الأسلوب الحقير لعدد ليس بالقليل من الصحفيين الذين لا يتورعون عن الربط بين المسلمين والأحداث المؤسفة والأعمال التخريبية والتي يرتكبها شخص أو أكثر ممن ينتمون لهذه العقيدة، ومن الشائع أن تقرأ عن الإرهابيين الإسلاميين، وليس عن الإرهابيين المسيحيين أو اليهود، وعلى سبيل المثال هناك تغطية حديثة لمجلة «تايمز» والتي خصصت حيزا كبيرا لحادث تفجير المركز التجاري الدولي، وأشارت إلى أن التفجير قد تم بواسطة «قنبلة إسلامية»، وعندما تم سجن الجاسوس بولارد بتهمة التجسس ضد الولايات المتحدة لصالح «إسرائيل»، لم يكن دينه موضوعا للريبورتاجات الصحفية، وعندما قام ديفيد كوراش بتزعم جماعته وتصرف بطريقة غير طبيعية، لم تتم الإشارة إليه على أنه مسيحي أساء لأناس أبرياء، وتصرفات هتلر الشريرة والمدمرة لم يتم الربط بينها وبين الكاثوليكية الرومانية.

وفي مقال ثان نشرته صحيفة واشنطن بوست يحاول روزينفيلد الدفاع عن البيان الموحد حول البوسنة ويجادل أن صربيا يجب وضعها في قلب الأشياء، والمحافظة على مصالحها بجانب مساءلتها عن تجاوزاتها، وإن هذه المحاولات الروزنفيلدية تذكرنا بآراء الساسة الأوروبيين عندما بدأ هتلر يستعرض عضلاته الفاشية، وأن الأمر ليس فقط مجافيا للأخلاق، ولكنه ليس من الحكمة من ناحية سياسية الاهتمام بمصالح المعتدي في عنفوان اعتداءاته.

وعلى الرغم من حقيقة أن البوسنة والهرسك دولة ديمقراطية متعددة الأعراق ومتسامحة، والتي صادف أن أغلبية سكانها مسلمون، فإن الدعاية الصربية والريبورتاجات الصحفية غير المسؤولة عن هذه المسألة كما ذكرنا أنها تظهر البوسنة وكأنها دولة إسلامية، وكما أن أغلبية سكان بلادنا لا يرغبون في أن يصفوا الولايات المتحدة بأنها دولة مسيحية على الرغم من أن أغلبية سكانها مسيحيون، فإن البوسنة والهرسك لا يريدون أن يصفوا دولتهم بأنها دولة إسلامية، وأن الدعاية الصربية التي تصف سراييفو بأنها ترتبط عبر إسطنبول ببقية الدول الإسلامية، هي محاولة لإثارة أحقاد ومخاوف الغرب بشأن كذبة «الأصولية الإسلامية» باعتبارها خطرا عظيما على الحضارة الغربية بعد زوال الخطر الشيوعي.

تقاعس قادة العالم الإسلامي عن أداء الواجب

أما المجموعة الخامسة والأخيرة- وليست النهائية بكل تأكيد من المسؤولين عن مشكلة البوسنة- فهم قادة العالم الإسلامي، فإن المسلمين في البوسنة أصبحوا هدفا للبطش، والمساعدات الإنسانية المالية التي يقدمها قادة الدول الإسلامية لا بأس، ولكن جهودهم السياسية والدبلوماسية على سبيل المثال في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل كانت أقل مما يجب، وليس هناك جهد هام أو ملحوظ تم بذله على ثلاث جبهات:

أولا: لم تستعمل الإمكانات والنفوذ المالي الهائل لمنطقة الخليج وسلطنة بروناي لتغيير سياسات الغرب الاسترضائية.

ثانيا: فشلت الدول الإسلامية النفطية الثرية في إيجاد ضمانات لمقابلة تكلفة تدخل عسكري مؤثر وقوي من جانب قوات الأمم المتحدة؛ لمساعدة البوسنيين بنفس الدرجة التي تحققت تحت مظلة الأمم المتحدة أثناء حرب الخليج.

ثالثا: فشلت هذه الدول في أن ترتفع إلى مستوى البيان التحذيري الذي أصدروه ضد الصرب ويوغسلافيا أثناء اجتماع «دول منظمة المؤتمر الإسلامي الأخير»، والذي من خلال تورجوت أوزال - رئيس جمهورية تركيا الراحل - أصدر تحذيرا نهائيا للصرب ويوغسلافيا مفاده أن فشلهما في إيقاف الحرب في البوسنة سوف يؤدي إلى اتخاذ خطوات معينة ضدهما، ولم يتم اتخاذ أي إجراء من ذلك القبيل، وعندما واجهت الدول الأوروبية أول إطاحة بنظام مدني ديمقراطي منتخب في إسبانيا بواسطة مجموعة من العسكريين، واندلعت حرب أهلية زاد من أوارها تدخل أنظمة فاشية، لم يكن هناك غير المثاليين من القوات الدولية التي حاربت ضد فرانكو، ومن المؤكد أن قادة الدول الإسلامية والذين يملكون الإمكانات التنظيمية والمالية، يستطيعون تنظيم حملة أكثر تنظيما لإعداد قوة دولية لوقف المذابح والاغتصاب في البوسنة، والمحافظة على الكيان المستقل للبوسنة والهرسك.

إن الفشل في اتخاذ موقف موحد في هذه المشكلة سيؤكد مرة أخرى وإلى الأبد الفكرة العامة السائدة لدى شعوب العالم الإسلامي، بأن حكامهم ليسوا مؤهلين لخلق وحدة إسلامية والتصدي لمسؤوليات القيادة، وأن المئات من المساجد والتي بني معظمها قبل عدة قرون قد تم تدميرها عمدا بواسطة القوات الصربية، وتم إحراق مسجد تريبينج القديم والذي يبلغ عمره 500 عام عن آخره في يناير 1993م، بينما كان جنود الصرب الثملين والسكارى يحتفلون بذلك المشهد بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء وتعرضت عدة آثار وثروات ثقافية بوسنية أخرى للدمار، لقد تعرض مركز الدراسات الشرقية في سراييفو والذي كان يحوي كميات ضخمة من المخطوطات الشرقية والكتب وشرائح المايكروفيلم إلى التدمير، وتعرضت للتدمير والحرق كذلك مكتبة القاضي حضرة بيج والتي تم تأسيسها في عام 1537م في مدينة سراييفو، وكانت تحوي مخطوطات نادرة من الوثائق الإسلامية واليهودية، واحترق معها مسجد حضرة بيج المجاور والذي شيد في القرن السادس عشر.

ومن بين قادة بليون مسلم في مختلف أنحاء العالم، فإن أولئك الذين يسيطرون على مقاليد الأمور لم يستطيعوا دفن خلافاتهم، وتنظيم برنامج موحد لقيادة الجهود المطلوبة لإنقاذ البوسنة والهرسك وإيقاف المذابح هناك، لقد التقى قادة العالم الإسلامي مرة ثانية في جولة أخرى لا طائل من ورائها ولم تثمر عن أي أمل لمسلمي البوسنة والهرسك.

الدور المشين الذي يغطيه الغرب

وأخيرا.. فإن هناك سرا قذرا تعلمه الدول الأوروبية والولايات المتحدة تماما ولكنها تؤثر التعتيم عليه، وعلينا أن نتذكر هذه الحقائق الأساسية حلفاء وأصدقاء صربيا، وروسيا وإنجلترا، وفرنسا، واليونان، والتي تشكل تجمعا أوروبيا قويا ومتماسكا، وكرواتيا التي تدعمها القوة الاقتصادية الضخمة لألمانيا المتحدة، والبوسنة والهرسك ليس لها أصدقاء من بين الدول المجاورة ما عدا تركيا، وهي قوة إقليمية لها وزنها وأهميتها، ولكنها الآن ترغب بشدة في كسب رضا المجموعة الأوروبية، ولديها مشكلات داخلية كثيرة مع مواطنيها الأكراد، والتزاماتها العديدة إزاء العديد من دول آسيا الوسطى المجاورة لها، إن مشكلة البوسنة قد تم تجاهلها من قبل صناع القرار السياسي الأمريكي، بسبب اللوبي الروسي واليوناني القوي الذي يسعى إلى تقليل أهمية بقاء البوسنة والهرسك وحماية إخوتهم في الدين وأصدقائهم الصرب، إن المسؤولية تظل ملقاة على عاتق ضميرنا ووعينا المشترك لحث ممثلينا في مجلس الشيوخ والكونجرس لتأييد مبادرة جديدة وحازمة للرئيس كلينتون؛ لكي يقف مع مبدأ لا يتزحزح وهو عدم قبول أي أمر واقع يفرضه الصرب والكروات داخل الأراضي البوسنية، وإعادة اللاجئين إلى منازلهم، ويجب أن يتزامن ذلك مع تنظيم محكمة دولية لجرائم الحرب والتي يجري العمل على تنظيمها الآن.

لقد أوضح جون شتاينبروار من معهد بروكينجز ضرورة اتخاذ إجراء قوي من هذا القبيل، والبديل مثلا أن سياستنا الاسترضائية الحالية «لا تعترف بأن مثل هذه الخطوات المهادنة قد تفضي في الواقع إلى مستنقع لا قرار له وهو ما يخشاه الجميع». وتؤكد أريا نيار بوضوح ضرورة إنشاء محاكم لجرائم الحرب لمحاكمة المعتدين في البوسنة: ليس من حق المجتمع الدولي الذي وقف متفرجا أثناء ارتكاب تلك الجرائم أن يعفو عن مرتكبيها، والضحايا الذين حرموا من كل شيء لهم الحق في استعادة هذا الحق على الأقل. «إن المبادرة باتخاذ إجراء قوي وحازم يجب أن تكون بقيادة الولايات المتحدة تحت مظلة ميثاق الأمم المتحدة، ومن المؤكد أن الرئيس كلينتون سوف يجد تأييد الحزبين كما اتضح من آراء قادة الحزبين مثل السناتور باتريك موينيهان الذي انتقد خطة الدول الخمس العظمى واعتبرها «تقنينا للمذبحة»، والسناتور بوب دول والذي كان منزعجا للغاية من هذا الجهد الدولي الذي يعمل على إنهاء وجود البوسنة كدولة، وتصريح موينيهان بأن «القواعد الأخلاقية للنظام العالمي الجديد في تأكيد وجود البوسنة كدولة قد تضررت وضعفت كما لم يحدث من قبل إلا في الثلاثينيات»، ويجب العمل على تأكيد تلك القواعد الأخلاقية والتصرف على ضوئها، وإذا كان على الرئيس كلينتون بوصفه رئيسا للقوة العظمى الوحيدة في العالم، أن يتصدى لهذا التحدي وأن يبرز نفسه كزعيم قادر على إحداث التغيير الحقيقي في السياسات الدولية، فإنني أتوقع له بأنه لن ينجح فقط في كبح جماح الحركات الفاشية المتنامية والغطرسة العرقية وانهيار التعددية والتسامح الديني، بل سيصبح واحدا من أعظم الرؤساء الأمريكيين.

إن اختيار الأهداف السهلة كقصف أهداف عسكرية معينة مثل مبنى مخابرات صدام حسين لن يحقق أي نتيجة مهمة، ومن المؤكد أن ذلك لا يقاس بالقيمة الإنسانية والجيوبوليتيكية «الجغرافية السياسية» النابعة من اتخاذ موقف في البوسنة، إن صدام حسين حي يرزق، وقتل ثمانية من المدنيين الأبرياء في بغداد، وما زالت ازدواجية المواقف إزاء المسلمين مستمرة وبصورة أكبر.

لقد أشرنا إلى بعض الجهات والقادة السياسيين الذين يتحملون أكبر قدر من المسؤولية والذين أضاعوا الوقت بينما البوسنة تحترق، وإن القيصر ميلوسوفيتش في هذا السيناريو ليس إمبراطورا مجنونا أو عابثا، وعبثه بكل شيء كان عملا محسوبا، وهو الذي يطلق نغمة الفاشية الجديدة والتي يرقص على إيقاعها العابثون الآخرون، والذين يقودون مجموعاتهم في الأمم المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة والصحافة وقادة العالم الإسلامي والذين يلعبون أدوارهم المؤسفة، دعونا نعمل جميعا لوضع حد لكل هذا العبث لأننا، إن لم نفعل ذلك فسوف يتكرر حدوثه مرارا وتكرارا. وأولا وقبل كل شيء فإن المسؤولية الكبرى والأصلية لكل المسلمين في تعزيز ودعم هذه الرسالة وإيصالها إلى قادتهم في أي مكان في العالم يعيشون فيه، استيقظوا وكفى عبثا وإضاعة للوقت، وقوموا بمسؤولياتكم كقادة للأمة، وحافظوا على آمال وأرواح مجتمع إسلامي صغير في أوروبا.

(*) أستاذ في جامعة جورج واشنطن - الولايات المتحدة الأمريكية.

الرابط المختصر :