; المسؤولية | مجلة المجتمع

العنوان المسؤولية

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1987

مشاهدات 79

نشر في العدد 806

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 24-فبراير-1987

  • المسؤول الناجح هو الذي يحمل ميزان العدل والحق بيده ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته

هناك مسؤوليتان يتحملهما الإنسان، مسؤولية عامة شاملة، ومسؤولية خاصة محددة تنضوي تحت المسؤولية العامة الشاملة، والمسؤولية العامة هي التي تحملها الإنسان منذ الأزل، وهي التي عبر عنها القرآن الكريم بالأمانة في قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: 72). وهذه المسؤولية منوطة بكل إنسان موجود في هذا الكون، باعتبار الإنسان هو المكلف، وهو الرقيب، وهو المسير لكل المخلوقات في هذا الكون، وكل شيء مسخر له ليقوم بعمارة الأرض، واستثمار قوى الطبيعة من أجل سعادة الجنس البشري كافة، وبذلك تستقيم الحياة ويعيش الناس في تآلف وتعاون لتحقيق إرادة الله في الكون، إنها أمانة ضخمة تحملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة المحدود العمر الذي تتنازعه الشهوات والميول والأطماع، لقد تحمل التبعة الثقيلة؛ لذلك كان ظلومًا لنفسه، جهولًا لطاقته حين زج بنفسه لحمل الأمانة، ولكن عندما ينهض بالتبعية ويؤدي الأمانة التي لم تقوَ عليها هذه الكائنات الضخمة، حين يؤديها بإرادته وإدراكه، يكون هناك المقام الكريم للإنسان، والتميز الفريد له، وفي ضمن هذه الأمانة وفي إطارها هناك مسؤوليات أنيطت بعنق كل إنسان لاستمرار الحياة وانتظامها، فقد اقتضت حكمة الله توزيع هذه المسؤوليات بين الناس، فمنهم من هيأ الله له الأسباب أن يكون حاكمًا أو رئيسًا، أو يكون عاملًا أو تاجرًا أو موظفًا، فكل منهم مكلف بأمر من الأمور الضرورية لسير الحياة في المجتمع الإنساني، وهذه هي المسؤولية الخاصة، وإذا قلدك الله أمرًا من هذه الأمور فقد تجسمت عليك المسئولية، وأصبحت مطالبًا بها على أكمل وجه وأفضل أداء، فإذا أنت حكمت العقل والعدل في مسؤولياتك، وألجمت نفسك عن شهواتها، وتحكمت في عواطفك، ولم تتبع هواك نجحت في تحمل المسؤولية التي أنيطت بك وتغلبت على كل ما يعترضك من مشاكلها، وأرحت نفسك وضميرك وأرضيت ربك، أما إذا تركت الفرصة لعواطفك أن تتحكم في عملك، ونظرت إلى الأمور من منظار شخصي أو عاطفي، فقد أتحت لهواك أن يسيطر على عقلك، وعند ذلك تكون تصرفاتك كلها متصفة بالخلل والتناقض، وستجد نفسك تدور في حلقة مفرغة، وتحيط بك الحيرة، وقد يؤدي ذلك إلى أن تستبد بك الوساوس، ثم تفقد أعصابك، وتتبعها فقد العقل أو انفجار الدماغ، ولا يغرنك ما يزينه لك الشيطان، أو يزينه لك الناس من أهل المصالح والأغراض والأهواء من سلوك سبيل تتراءى لك أنها تحقق أهدافًا مادية أو أدبية أو طموحات شخصية إذا ملكتها وتركت السبيل الواضح المستقيم فإن سبيل الحق واضح ومستقيم ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ(الأنعام: 153) وهناك طرق ومسالك عليها شياطين ينادونك، وهي تؤدي إلى الهاوية، فإياك إياك أن تلبي هذه النداءات التي تنبعث من هنا وهناك، فإنها نداءات فتنة وامتحان لا يستجيب لها إلا من نقص عقله وقل وعيه واستبد به الغرور، وهناك نداءات يهتف بها هاتف الضمير والعقل، وقد تأتى على لسان أهل الخير والدين، الذين يؤمنون بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة» ليس لهم غرض إلا قول كلمة الحق، فنداء هؤلاء يبزغ من جهته نور الحق يهدي إلى الصراط المستقيم، وإياك إياك أن تصم أذنيك عن هذا النداء وتركب رأسك ويستبد بك الغرور، وتصر على الاتجاه في طريق الضلال والغواية فتسقط في الهاوية، فتتحطم كل آمالك ومكتسباتك فتصبح أثرًا بعد عين، فتندم ولات حين تندم.

 والمسؤول الناجح هو الذي يحمل ميزان العدل والحق بيده ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا يحقد ولا يضغن ولا يتجاوز الحد، إذ كل شيء تجاوز حده انقلب إلى ضده، وهناك خيط رفيع بين الرحمة والعدل، فيجب ألّا تكون الرحمة على حساب العدل، كما يجب ألّا ينقلب العدل إلى قسوة وظلم، والرحمة إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى تسيب وفوضى فيجب أن تكون هناك عين ساهرة، وأن يكون ميزان العدل منصوبًا دائمًا، ومن لا يرى في نفسه الكفاية لتحمل المسؤولية وأدائها على وجهها الصحيح، فخير له في دنياه وأخراه أن يبتعد عنها، ومن واجب المجتمع أن يبعده إذا لم يرحم نفسه عن عقاب الدنيا والآخرة، إذ ضرره يتعدى غيره ويزلزل كيان المجتمع، فيعم الفساد في البر والبحر، ويهلك الناس بما كسبت أيديهم، وبسكوتهم على تجاوزات المفسدين، كأهل السفينة الذين سكتوا عمن خرقها، ولم يأخذوا على يد الذي يريد خرقها.

والشعور بالمسؤولية صفة في الإنسان تنبع من الضمير الحي، فتجعل الإنسان في يقظة تامة، وحرص شديد على سير الأمور على الوجه الأكمل، ووفق القواعد والأصول التي وضعت لضبطها، فلا يتفلت منه زمامها، وإذا لم يتمتع المسؤول بصبغة الشعور بالمسؤولية، فمعنى ذلك أنه لا يصلح لها، فيجب أن يتنحى أو ينحى حالًا وبدون تردد؛ لما في ذلك من ضرر جسيم على المصلحة العامة وعليه شخصيًّا.

وقد بلغ من شعور عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمسؤولية عندما كان أميرًا للمؤمنين أن يقول: لو عثرت بغلة في العراق أخشى أن أسأل عنها لأني لم أمهد لها الطريق.

ونحن لا نطمع أن يصل أحد من المسلمين اليوم إلى مستوى عمر بن الخطاب في شعوره بالمسؤولية، ولكن من العار أن يتميز الأجانب علينا بشعورهم بالمسؤولية نحو أوطانهم وواجباتهم، ونحن المسلمين أصبحنا نتصف بعدم المبالاة والاتكالية، وتحكمت فينا عواطفنا وأهواؤنا، تغضبنا كلمة الحق، ولا نريد أن نسمع إلا كلمات المديح والمجاملة، ولا نتحمل كلمات النقد والتوجيه، ونخدع أنفسنا باعتقاد أن كل شيء على ما يرام، وليس في الإمكان أبدع مما كان، فنسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يهدي ولاة أمور المسلمين إلى طريق الحق المبين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1833

73

السبت 03-يناير-2009

المجتمع الأسري.. عدد 1833

نشر في العدد 1802

86

السبت 17-مايو-2008

المجتمع الأسري العدد 1802