; رأي في (المرأة والعمل السياسي) | مجلة المجتمع

العنوان رأي في (المرأة والعمل السياسي)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 11-مارس-1980

• لا فرق في الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق والكرامة الإنسانية.

• قبل أن نسأل عن حق المرأة في الانتخاب، لنسأل عن حق الرجل فيه.

وهل المؤسسات «الديمقراطية على الطريقة الغربية» من الإسلام؟...

• إذا كان الإسلام منع النساء من بعض الأعمال؛ فإنما ذلك مراعاة لطبيعتهن وخيرهن.

• حسن رعاية المرأة لزوجها وبيتها يعيد لها كل ما اختص به الرجال.

مع تشكيل لجنة تنقيح الدستور... وعودة الحديث عن الحياة النيابية في الكويت... برزت قضية المرأة والعمل السياسي من حيث حق الانتخاب والترشيح للنيابة والأوساط السياسية في كل بلد كانت تترقب رأي مجلة المجتمع حول هذه القضية... وقد يكون هذا الترقب من باب حب الاستطلاع واكتساب المعلومات لا أكثر وقد يكون من باب التحسب لتلك الصحوة الإسلامية الفرشة ظلالها في كل بقاع العالم الإسلامي وأبرز من يمثلها إعلاميًّا مجلة المجتمع ولأن مجلة المجتمع تمثل اتجاهًا مغايرًا لجميع الاتجاهات الوطنية في الساحة ابتداء بإصرارها على صفة الإسلامية العالمية الغير محدودة بوطن أو أرض... وانتهاء باستقلالها الفكري والسياسي من كل المؤثرات الدولية والداخلية... ومرورًا بالإصرار المتصلب على المضي على كتاب الله وسنة نبيه دون انحراف وغير آبه بكل ما يقال...لذلك كله تقول المجتمع كلمتها في هذا الموضوع مع ملاحظة أن:-

* الواقع السياسي المطلوب إبداء رأينا فيه من حيث عمل المرأة بالسياسة والنيابة واقع لا يمت للإسلام بصلة... فمنذ أن نزع حق التشريع من الله جل وعلا وجعلها بيد مجموعة من خلق الله...

* إن المشاكل التي تنبع من هذا الواقع لا يستطيع الإسلام أن يضع لها حلولًا... لأنها مشاكل لم تنشأ من تطبيق الإسلام بل نشأت من تطبيق مناهج لا إسلامية... بل إن الإسلام ليحكم ابتداء من تلك المشاكل التي نشأت عن تطبيق غيره لن تنتهي ولن يعثر لها على حل عادل...

* إن ما نقوله هنا يمثل وجهات نظر عامة قابلة للنقاش في إطار الكتاب والسنة من ناحية... ومن ناحية أخرى ليس لها رصيد من الواقع لأن الإسلام أبعد عن ممارسة أساليب الحياة السياسية خلال هذا العصر... فربما تبرز أمورًا كثيرة عند الممارسة لا نستطيع تصورها أو تحديدها طالما نحن نتحدث بصورة نظرية...

المرأة والعمل السياسي

للمرأة في الدين الإسلامي منزلة كريمة تليق بمكانتها الطبيعية وتناسب وظيفتها الإنسانية والاجتماعية، وما جعل الدين فرقًا في الأهلية الشرعية بين الرجل والمرأة، وسواء في ذلك أهلية الوجوب أو الأداء، أي أهلية بثبوت الحقوق وأهلية التصرف، فقال تعالى:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ (البقرة:228)، وقال أيضًا: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (النساء:32)، ولم يجعل الدين الإسلامي أي فرق أو شبهة بين المرأة والرجل في الكرامة والحقوق الإنسانية الأساسية كالحياة والتملك والحرية والمساواة وما إلى ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء:1)، وقال تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (النحل:97) وهكذا فإن منزلة المرأة وحقوقها مما تكفل الدين الإسلامي ببيانه وتوضيحه بكل دقة، ولم يتركه للأخلاقيات والظروف والاجتهاد، وإنما تبين لكل ذي حق حقه وصانه رجلًا كان أو امرأة، فالنساء شقائق الرجال كما يقول سيدنا الرسول-- صلى الله عليه وسلم-.

مشاركات المرأة المسلمة في الحياة العامة

ولذلك نجد مجالات نشاط المرأة المسلمة متعددة: وأهمها وأساسها: رعاية الأسرة، ومنها طلب العلم ومدرسته وتعليمه، ولقد كان من نساء النبي-- صلى الله عليه وسلم- ومن الصحابيات ومن جاء بعدهن كثيرات من رواة الأحاديث ومعلمات الفقه والأحكام، وكان يرجع إليهن في الفتوى والإرشاد.

ولقد حضر كثير من النساء المعارك مع النبي-- صلى الله عليه وسلم-- في حروبه الأولى للكفار: فقد «روى البخاري وأحمد»- رحمهما الله تعالى- عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها أنها قالت: «كنا نغزو مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة»، و«روى مسلم وأحمد وابن ماجه» عن أم عطية الأنصارية- رضي الله عنها- أنها قالت: «غزوت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على الزمنى».

ثم نهى النساء عن الحرب والجهاد، لما كثر المسلمون، فقد سألت السيدة عائشة- رضي الله تعالى عنها- النبي-- صلى الله عليه وسلم-، قالت: «يا رسول الله، إنا نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور»، وهكذا فليس للمرأة أن تقاتل مع الجيش النظامي أو أن تكون مجندة محاربة، ولا تحمل السلاح إلا عندما يتقين حمله على كل قادر عليه وذلك في حالة احتلال العدو للبلد، وفي غير تلك الحالة لا تشترك المرأة إلا في أعمال الإسعاف أو التمريض وما أشبه وعندما تكون الحاجة ماسة لذلك ولقد كان في وفد أهل المدينة الذين بايعوا النبي-- صلى الله عليه وسلم-- بيعة العقبة، بعض النساء، وقد بايعهن النبي عليه السلام. «روى البخاري» رحمه الله أن النساء ذهبن لرسول الله-- صلى الله عليه وسلم-- وقلن له: «غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك»، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن ولقد خاطب القرآن الكريم نساء النبي-- صلى الله عليه وسلم-- في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (الأحزاب: 34) وأمهات المؤمنين هن أفضل النساء وقدوتهن.

وهذه هي السيدة عائشة- رضي الله تعالى عنها- كانت تروي الأحاديث وتستدرك على الصحابة وتعلم النساء وتبصر في أمور الدين.

وجاء في «البداية والنهاية» للحافظ ابن كثير، في خلافة عثمان- رضي الله عنه- قوله: «ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما- أي علي وعثمان- ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم، جميعًا وأشتاتًا مثنى وفرادى ومجتمعين، سرًّا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان»، فنرى من هذا النص استشارة النساء، ولكن يرى منه أن هذا كان مبالغة من عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- في تقصي الرأي واستخبار الناس، وكان ذلك في المدينة فقط، ولم يكن على نطاق عام.

وها هي السيدة عائشة، وقد آلمتها جريمة قتل عثمان- رضي الله عنه- في البلد الحرام والشهر الحرام على أيدي أفاقين جفاة منافقين، لم يراقبوا جوار رسول الله-- صلى الله عليه وسلم-، ولم يراعوا حرمة الخليفة الشيخ الذي كانت الملائكة تستحي منه، فسفكوا الدم ونهبوا الأموال ونشروا الفوضى والرعب، لقد أدمت هذه الجريمة قلوب المسلمين، فقامت السيدة عائشة- رضي الله عنها، ولعن مبغضيها- تشجع المسلمين وتجمعهم لوضع حد للجريمة والفوضى وإحلال العقوبة العادلة بالقتلة، وقد انتشروا في أطراف البلاد ومنهم من رجع إلى حدود العراق ومصر، واستطاعت تكوين قوة كافية من أشداء الصحابة لمطاردة القتلة والفوضويين ومعاقبتهم، ولم يكن عملها هذا خروجًا على الخليفة الشرعي- كما يدعي الروافض والمرجفون- وإنما كان عملًا تطهيريًّا لساحة الحرم وبلاد الإسلام من شراذم القتلة والخوارج الذين تبعوا فتنة اليهودي ابن سبأ، والذين حاربهم علي- رضي الله عنه- فيما بعد بشدة، وكان استشهاده على يد أحد قتلتهم...

الفروق الطبيعية بين المرأة والرجل:

فإذا كان هذا هو شأن المرأة المسلمة في التشريع والتاريخ، فما هو حكم ممارستها للحقوق السياسية- كما يسمونها حاليًّا- ومنها الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية؟!

لا بد لنا قبل الإجابة على هذا التساؤل من إبداء ملاحظة هامة، وهي أن الإسلام إذا كان يقدر المرأة ويحفظ حقوقها، فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أنه يخلط بن شخصية الرجل والمرأة أو يلبس المرأة ثوب الرجل- كما فعلت المدنية الغربية، وكما ينادي بذلك المفتونون بها- لأن كرامة المرأة في أن تبقى امرأة، كما أن كرامة الرجل في بقائه رجلًا، وبالرجل والمرأة يقوم المجتمع، لا بأشباه الرجال أو أشباه النساء، وفي ذلك يقول الرسول-- صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهون من الرجال بالنساء»... رواه الإمام أحمد.

ومن أجل ذلك منع النساء من بعض الأعمال مراعاة لطبيعتهن وواجباتهن. وقد اعتبر النبي-- صلى الله عليه وسلم-- حسن تقبل المرأة لزوجها وقيامها بشؤون رعيتها الصغيرة في الأسرة يعدل كل ما اختص به الرجال من الجمعة والجماعات والجهاد... وهكذا فإن ما يجب من الفروق بين الرجل والمرأة ليحفظ كيان كل منهما، أبقاه الإسلام ولذلك سقط عن المرأة بعض الواجبات الدينية والاجتماعية، كصلاة الجمعة ووجوب الإحرام في الحج، والقتال، ولا تلزم بالنفقة، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتها بالرجل في الإنسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كل عصر وفي كل أمة تخص بعض الناس ببعض الأحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الأهلية والكرامة، فمن ذلك مثلًا أن أكثر القوانين تحرم على الموظف الاشتغال بالتجارة أو المهن وتمنع المحامي من الاشتغال بالوظائف وتمنع العسكريين من الانتخاب أو الترشيح للمجالس النيابية والإدارية، وأمثلة ذلك كثيرة.

حكم ولاية المرأة:

ولما بلغ النبي- صلى الله عليه وسلم- أن الفرس ولوا عليهم إحدى بنات كسرى بعد موته، قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»... «رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي»- ولا شك أن هذا الحديث نص في تحريم تولي المرأة منصب الولاية العامة العالية وهي «الخلافة» وما يقرب منها من المناصب التنفيذية الخطيرة، وذلك لأن الولاية بإطلاقها ليست ممنوعة من المرأة- بالإجماع، بدليل باتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية وأن تكون وكيلة وشاهدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (التوبة: 71).

المرأة والقضاء

ومن هنا اختلف رأي الفقهاء في تولية المرأة القضاء:

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة لا يجوز لها أن تلي القضاء مطلقًا. وحجتهم: أن الإسلام منع المرأة من تولي الإمامة الكبرى «الخلافة»- كما روينا- وقالوا: بأن القضاء من الولاية العامة فهو مقيس في الحكم عليها.

وذهب الإمام الطبري- رحمه الله- إلى جواز تولي المرأة القضاء مطلقًا، حيث إنه اعتبر الحديث خاصًا بالإمامة الكبرى، واعتبر القضاء كالاستفتاء والاستشارة التي لا تمنع منها المرأة وتوسط الإمام أبو حنيفة- رحمه الله- بين الرأيين، فقال بأن للمرأة أن تكون قاضية في الأموال قياسًا على شهادتها، فهي تقضي فيما يجوز أن تشهد فيه والذي نذهب إليه- في الوقت الحاضر على الأقل- هو ما ذهب إليه الجمهور، ذلك أن القضاء ملزم بالدوام والعمل طيلة العام، والقاضي ملزم بمعاينة الحوادث والتحقق فيها وحضور جلسات التحقيق واستماع الشهود وحضور التنفيذ، ولذلك كله محاذيره بالنسبة للمرأة.

وما كان عمل القاضي قديمًا في الدولة الإسلامية كما هو عليه الآن، فقد كان يمر العام والشهور ولا ينظر في قضية، فقد عرف الناس الشرع وعملوا به، فإذا عرضت قضية اختلاف أو خصومة كل شهر أو بضعة أشهر فقد يستشيرون فيها رجلًا أو امرأة- إن كانت عالمة فقيهة- لتحكم بينهم، دون أن تتعطل عن بيتها وأسرتها وواجباتها... ولكن المحاكم الآن تزدحم بالقضايا وبالمراجعين والمحامين ورجال الشرطة مما يجعل عمل المرأة فيها غير مقبول ولا جائز- شرعًا-، ولو كان الطبري وأبو حنيفة- رحمهما الله تعالى- بيننا لما أفتيا بغير قول الجمهور...

وأما بالنسبة لرئاسة الدولة، فالخلافة في الإسلام ليست منصبًا رمزيًّا أو شكليًّا- كما في الدول الأوروبية الملكية- بل الخليفة هو إمام المسلمين وقائدهم في السلم والحرب، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج كإعلان الحرب على العدو عند اللزوم وقيادة القوات المسلحة وإقرار السلم والمهادنة أو العودة إلى الحرب حسب المصلحة، ويتلى خطبة الجمعة في المسجد الجامع ويؤم الناس في الصلوات ويقضي بينهم في الخصومات، إذا اتسع وقته لذلك، وهذا كله يتنافى مع طبيعة المرأة وتكوينها، وليس في هذا ما يضير المرأة في شيء. فقد يسرها الله تعالى لما خلقت له، وهو غير هذا ولا يقل عنه أهمية...

المرأة والوظائف العامة:

وأما بالنسبة للوظائف العامة، فإن الأصل- في الإسلام- عدم عمل المرأة خارج بيتها، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (الأحزاب:33)، ولكن الفقهاء أجازوا عمل المرأة عند الحاجة، مع ملاحظة ما يلي والتقيد به وهو:

1- لا يجيز الإسلام للمرأة أن تبدي من زينتها وسائر جسمها إلا وجهها وكفيها من غير زينة ولا بهرجة.

2- لا يجوز في الإسلام أن تخلو المرأة برجل أجنبي عنها ولو كانت محتشمة في لباسها ومظهرها- ولو كان هذا الرجل قريبها ما لم يكن محرمًا...

3- لا يجوز أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامة والمنتديات ولو كانت محتشمة إلا في ثلاثة مواطن، وهي: «المساجد وأماكن العلم وميادين الجهاد- عندما يكون مفروضًا على المرأة»، وفي كل هذه الحالات يكون للنساء صفوف منفصلة.

ويضاف إلى ذلك أن لا تكون الوظيفة معطلة لعمل الأم في بيتها وإشرافها على شؤون أسرتها، وأن لا تضطرها إلى الخلوة بالرجال وعمل ما لا يناسب أو يليق.

فإذا علمنا ذلك، وبعد أن عرضنا هذه الأمثلة والتفصيلات، هل يجوز للمرأة ممارسة ما يسمى- حاليًّا- بالحقوق السياسة، ومنها الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية والبلدية والمحلية... إلخ؟

الممارسات التشريعية للرجل والمرأة:

لقد أثيرت في مصر سنة 1952 مسألة مزاولة المرأة للحقوق السياسية وتوليها السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، فذهبت لجنة الفتوى في الأزهر- حينذاك- في فتواها الصادرة في رمضان سنة 1371، إلى عدم جواز ذلك، مستندة إلى عدة أدلة ذكرتها في الفتوى.

ولقد بينا فيما سبق حكم تولي المرأة القضاء في الشريعة الإسلامية، كما بينا حكم توليها السلطة التنفيذية، فيحرم عليها الولاية العامة وما في منزلتها من السلطات التنفيذية كرئاسة الوزارة وما إلى ذلك. وأما الوظائف الأخرى، فقد بينا شروطها... ويبقى بعد ذلك ما يسمونه «السلطة التشريعية»: فما حكم ممارسة المرأة لها؟

هنا يجب أن نسأل أولًا: ما هو حكم ممارسة الرجل لها. وهل الصورة الغربية للديمقراطية البرلمانية، هي من الدين وهل يقرها الإسلام؟... وكثيرون يفتون برأي الإسلام- حسب زعمهم- في قضايا وتطبيقات وأطر ليست من الإسلام في شيء.

ففي الإسلام: المشرع هو الله تعالى، وللشرع الإسلامي مصادر رئيسية ثابتة، وهي القرآن الكريم والسنة: «سنة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين ويدخل فيها إجماع الصحابة« ثم هنالك مصادر فرعية دائمة وهي تشمل القياس والإجماع وتضم التراث الفقهي والاجتهاد- بشروطه المعروفة-، علمًا بأن الاجتهاد في تطبيق النص والعمل به أو عندما لا يوجد نص أصلًا.

الإسلام وأشكال الديموقراطيات الأوروبية:

فما وضع «البرلمانات كما هي في الديمقراطيات الغربية» في النظام الإسلامي: لا شك أنه لا مكان لها فيه، لأن النظام الإسلامي لا يفتقر إلى التشريع، وإنما ما يحتاجه في كل وقت إلى التطبيق والتنفيذ، فعمل المجتهد وأهل الشورى، إنما هو تطبيق النصوص الثابتة على الحوادث الجديدة، ثم التوليد من هذه النصوص، والقياس عليها والاستنباط منها عند الحاجة، ونظرًا لخطورة هذا الأمر فإنه لا يصح أن يوكل لكل من هب ودب اعتباطًا، أو حسب التمثيل العشائري والطائفي أو حسب أكثرية الأصوات، فمجلس الشورى في النظام الإسلامي يختار ولا ينتخب، من أهل الحل والعقد، وهم من يصلحون للاستشارة من أولي الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء:59) وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى:38). وقال:﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل:43)... وهم ذوو الاختصاص والمعرفة والدين، لا غوغاء الناس وعامتهم أو من ينجح بالدعايات الكاذبة وشراء الأصوات حتى ولو كان لا يتقن كتابة اسمه...

- وهكذا فالنظام البرلماني الأوروبي غريب عن الإسلام بعيد عنه كل البعد شكلًا وموضوعًا، وكل دارس للحقوق والعلوم السياسية يعرف مقدار فساد هذا النظام وتزويره للحقائق، ولذلك نرى من نتائجه اضطراب الحياة السياسية وكثرة الانقلابات والصراعات الحزبية والأزمات الوزارية وما تجره من تعطيل واضطراب. وكل من يعرف كيف تزور الانتخابات ويحصل على الأكثرية وكيف تكون الدعايات الانتخابية، ولا سيما في الدول المتخلفة المقلدة، ولذلك فإن علينا قبل أن نبحث في انتخاب المرأة وترشيحها أن نبحث في أساس النظام ومشروعيته...

«هل يصلح عوام الناس والأميون- رجالًا قبل النساء- لأن ينتخبوا مجلسًا يسمونه تشريعيًّا؟... وهل يصلح العوام والجهلة للترشيح لعضوية هذا المجلس، ولو كانوا من ذوي النفوذ العشائري أو الاقتصادي؟!!»... لقد تلافت بعض الديمقراطيات الغربية هذا النقص بأن اشترطت في الناخب والمرشح حدًّا أدنى ضروريًّا من الثقافة، وكذلك جعل بعضها الآخر مجلسًا للعموم ومجلسًا للشيوخ أو الأعيان أو اللوردات، وما إلى ذلك من محاولات ترقيعية.

المرأة في النظام الشوري الإسلامي:

وأما بالنسبة للمجلس الشوري الإسلامي، فهل تشترك فيه المرأة؟... لا يوجد هنالك ما يمنع من استشارة المرأة المسلمة العالمة والاستفادة من رأيها، ولا يوجد مانع شرعي من أن تكون من أهل الرأي والاجتهاد وأما في ظل الديمقراطية المعمول بها حاليًّا فإنه بالرغم من مجافاة هذا النظام للنظام الإسلامي، فإن بعض- الإسلاميين- يرون من وجهة نظر تكتيكية ومؤقتة، الاشتراك في هذه المجالس طالما أنها المجال الوحيد للمطالبة والمشاركة في وضع التنظيمات والتطبيقات الدستورية، ولربما يسعون إلى تكوين أكثرية فعالة، وإنه حتى على هذا المستوى لا نرى جواز اشتراك المرأة المسلمة في الترشيح لهذه المجالس، لما يتطلبه ذلك من اختلاط وأوضاع لا يقرها الدين الحنيف، وأما بالنسبة للاقتراع، فإن مجرد الاقتراع وهو عمل استشاري لا تمنع منه- شرعًا- المرأة المثقفة إذا توفر فيه عدم الاختلاط، والمرأة تستشار ولكن السؤال الأهم والألح... هل هذا الاقتراع أو الترشيح وهل هذه المجالس النيابية يقرها الإسلام؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

165

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

518

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال