العنوان المرأة مربية وداعية (1 من 2)
الكاتب عثمان قدري مكانسي
تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010
مشاهدات 103
نشر في العدد 1906
نشر في الصفحة 40
السبت 12-يونيو-2010
الحرص على التزود بالعلم والعمل به.. كان دأب كثير من الصحابيات رضي الله عنهن
كان للنساء فضل في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جعل الصحابة والتابعين يروون عن كثير منهن الدين والأحكام
لكل إنسان في هذه الحياة دورّ مهم لا يقوم به غيره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (۱).
والنساء في الإسلام شقائق الرجال، لهنَّ ما للرجال وعليهنَّ ما على الرجال في مجمل الأحوال إلا أمورًا منوطة بالرجال وحدهم أو بالنساء وحَدُهنَّ، ورسخ القرآن المساواة بين الطرفين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَات والصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ واَلْخَاشِعِينَ واَلْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدَقِينَ وَالْمُتَصَدَقَاتِ والصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ واَلْحَافِظَاتِ والذاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَ اللَّهُ لَهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:35)، ونرى المساواة بين الرجال والنساء في آيات عديدة أخرى وأحاديث شريفة.
فالمرأة في الإسلام معززة مكرمة ولن تجد مثل هذا في الشرائع المحرفة والديانات المصطنعة فشريعة الله تعالى لا يرقى إلى مثلها أهواء البشر ولا شرائعهم الأرضية.
الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم
كان للنساء فضل في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه مما جعل الصحابة والتابعين يروون عن كثير منهنّ الدين والأحكام، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها روت عن زوجها الحبيب ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، وأم سلمة رضي الله عنها تروي عن زوجها سيد الخلق ثلاثمائة وسبعة وثمانين حديثًا، وكانت ذات رأي صائب وهي التي أشارت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن يحلق وينحر فيتبعه الناس.
ولقد كانت المرأة حريصة على التزود بالعلم والعمل به فهذه أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه فقالت:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنّا بك وبإلهك، وإنّا -معشر النساء - محصورات مقصورات قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملاتُ أولادكم، وإنكم - معشر الرجال – فُضَّلتم علينا في الجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجَنائز، والحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا أو مجاهدًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم في هذا الأجر؟
فالتفت النبيُّ ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: «هل سمعتم بمقالة امرأة قط أحسن من مسائلها في أمر دينها من هذه؟» فقالوا: يا رسول الله؛ ما ظننا أنَّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: «افهمي أيتها المرأة وأعلمي مَنْ خلفك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله».
فانصرفت وهي تهلل (2)، وروت عن النبيَّ ﷺ واحدًا وثمانين حديثًا، وروى عنها جلة من التابعين، وشهدت أسماء بنت يزيد هَذه معركة اليرموك وقتلت يومئذ تسعةً من الروم منا بعمود خبائها، رضي الله عنها.
تعليم أبناء المسلمين
والصحابيات اللواتي طلبن الحديث الشريف وروينه كثيرات اهتممن كذلك بتعليمه أبناءهن وأبناء المسلمين، وكانت الصحابيات يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورهُنَّ ليكنَّ على صواب في تصرفاتهن، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لو راجعته؟» قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إنما أشفع»، قالت: لا حاجة لي فيه (۳).
فحين علمت أن تدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم للشفعة وليس أمرًا منه بالعودة إلى زوجها أنفت الرجوع إليه.
وهذه أسماء رضي الله عنها بنت الصديق رضي الله عنه تقول للنبيَّ صلى الله عليه وسلم وهي تنشد التصرف السليم حين قدمت أمها عليها، وهي كافرة: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصلُ أمي؟
قال: «نعم صِلي أمك» (4).
وينطلق المسلمون من أطراف الجزيرة قاصدين مكّة حاجّين مع رسول الله ﷺ، ويلتقي ركب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ«الرَّوحاء» وهو مكان قرب المدينة المنورة - آمنوا برسول اللهﷺ دون أن يروه - فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من القوم»؟ قالوا: المسلمون، فقالوا : مَنْ أَنتَ؟ قال: «رسول الله»، فرفعت إليه امرأةٌ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر »(5)؛ فكان سؤالها وجوابه ﷺ دافعًا للمسلمين أن يعوَّدوا أبناءهم منذ الصغر مناسك الإسلام وشعائره حتى يتمثلوها في حياتهم ثوابت يعملون بها، لا يحيدون عنها.
ويخطب فاطمةً بنت قيس رجلان هما أبو الجهم، ومعاوية، فتحتار أيُّهما تختار؟ ولتقف على خبريهما تنطلق إلى الرسول الكريم لا تستفتيه فيهما، وتعرف أمرهما، فهو رسول الله، ولن يخذلها.. قالت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني. ولا تقول أكثر من هذه الجملة، ويعرف الأريبُ، النبيهُ، المعلّم الناصح ما تريد. فيقول: «أما معاويةُ فصعلوك (٦) لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه (7) ضرّابٌ للنساء».. هاتان إذًا أبرز صفتين في الرجلين إن شاءت اختارت أحدهما وإن شاءت رغبت عنهما، ثم ينصحها أن تتزوج أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
وتروي أم المؤمنين زينب رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله.. ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها»، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم، إذا كثر الخَبَثُ» (۸).
فينبغي أن يكون الصالحون مصلحين، أما إذا كان موقفهم سلبًا، ونشط المفسدون يهدمون الأمة، وحقّ عليها العذاب فأوّل ما يُبدأ بهؤلاء الذين انزوَوا، ولم يَدعوا إلى الله تعالى وتركوا المجال للمفسدين ينخرون في المجتمع وينشرون فيه الفساد، ونسوا قولهﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:٦).. نعم.. نهلك وفينا الصالحون إذا كثر فينا الخَبَثُ.
وكثيرًا بل أكثر من الكثير أن ترى المرأة لا تفهم للحجاب معنى، وإن كانت محجّبة بل قل: تخمّر رأسها وتلبس قميصًا وبنطالًا، وكأن إخفاء الشعر هو الحجاب!! أما الكحل، وطلي الوجه بالألوان والأصباغ وتحميرُ الشفاه فلا علاقة له بالحجاب!! أما القميص والسراويل فهي ضيّقة جدًا لا تظهر من جسد المرأة سوى هضابها ووهادها ومرتفعاتها ومنخفضاتها، وترسم للعين المتفجعة ما خفي رسمًا واضحًا! فأي حجاب هذا وأي ستر هذا الستر؟
وغالب النساء ومعهن كثير من الرجال لا يرون مانعًا أن تنظر المرأة إلى الرجل في الأحوال العادية دون حرج، لأنه الطالب وهي المطلوبة، وكأن الرجل وحـده مـأمـور بغض البصر! ونسوا أن الله تعالى يأمر الجنسين أن يغضوا من أبصارهم قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ۳۱)، إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مع زوجتيه أم سلمة وميمونة رضي الله تعالى عنهما فأقبل ابن أم مكتوم بعد أن أُمرت النساء بالحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجبا منه» فقالتا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟!» (9).
فالحجاب إذًا غضُّ البصر إضافة إلى الستر وإخفاء محاسن المرأة، وهذا أدعى إلى الحشمة والعفاف وهذا لا يناقض ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها: «رأيتُ النبيَّ ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد...» (10). فقد كانت صغيرة تحب اللعب والنظر إليه، كما أنه يجوز للمرأة أن تخرج للسوق والمسجد متنقّبة لئلا يراها الرجال.
كما أن كثيرًا من النساء يجهلن أنّ عورة المرأة إلى المرأة كعورة الرجل إلى الرجل، فلا ينبغي أن تنظر المرأة إلى جسد امرأة أخرى فترى منها إلا ما تحت ركبتيها وفوق سرتها.. ولأن درهم وقاية خير من قنطار علاج؛ حيث وجّه النبي صلى الله عليه وسلم عناية الرجل والمرأة إلى ذلك فقال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» (11) (۱۲) فالمرأة المسلمة المربية تعي خطورة الانزلاق، وتبتعد عن خطوات الشيطان.
الهوامش
(۱) رواه البخاري برقم (٨٩٣، ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٥٢٠٠)، ومسلم برقم (۱۸۲۹) وغيرهما.
(۲) «نساء فاضلات»: عبد البديع صقر ص ٦٢.
(۳) رواه البخاري برقم (٥٢٨٣)، وابن ماجه برقم (٢٠٧٥)، والدرامي برقم (۲۲۹۲).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٢٦٢٠ ، ٣١٨٣)، ومسلم برقم (۱۰۰۳)، وأحمد برقم (٢٦٣٩٩)، وأبو داود برقم (١٦٦٨) وغيرهم.
(٥) رواه مسلم برقم (١٣٣٦)، وأحمد برقم (۱۹۰۱)، وأبو داود برقم (١٧٣٦) وغيرهم.
(٦) الصعلوك: الفقير.
(۷) رواه مسلم برقم (١٤٨٠)، وأحمد برقم (٢٦٧٨٢)، وأبو داود برقم (٢٢٨٤) وغيرهم.
(۸) رواه البخاري برقم (٣٣٤٦، ٣٥٩٨، ۷۰۵۹، ۷۱۳۵)، ومسلم برقم (۲۸۸۰) وأحمد برقم (٢٦٨٦٧) وغيرهم.
(۹) رواه أحمد برقم (٢٥٩٩٧)، وأبو داود برقم (٤١١٢)، والترمذي برقم (۲۷۷۸) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وانظر المشكاة برقم (٣١١٦).
(۱۰) رواه البخاري برقم (٤٥٥، ٥٢٣٦) ومسلم برقم (۸۹۲)، وأحمد برقم (٢٤٨٠٥) وغيرهم.
(۱۱) أي خشية الوقوع في فاحشة اللواط للرجل مع الرجل، وخشية الوقوع في فاحشة السحاق للمرأة مع المرأة.
(۱۲) رواه مسلم برقم (۳۳۸)، وأحمد برقم (۱۱۲۰۷).