العنوان المرأة في فكر مالك بن نبي
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1432
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
زي المرأة ليس مسألة شكلية.. بل هو أمر لصيق بالهوية الإسلامية والحضارية
دعا بن نبي إلى عقد مؤتمر دولي عام لمناقشة قضايا المرأة المسلمة وتكون مقرراته دستورًا لتطورها في العالم المعاصر.. ولا تزال الحاجة لذلك المؤتمر قائمة
يعتبر المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي واحدًا من رجالات القرن العشرين الذين شغلوا أنفسهم بقضايا أمتهم وسعوا إلى بلورة الحلول والاقتراحات الكفيلة بإخراج الأمة المسلمة من تخلفها الشامل المركب ودفعها إلى معانقة العصر بفاعلية؛ فقد قدم مالك بن نبي يرحم نبي - رحمه الله- مشروعًا فكريًّا متكاملاً في وقت كان فيه العالم الإسلامي يعارك فلول الاستعمار أو يعيش مخلفاته التي كبلت حركته وسممت أجواءه الثقافية والفكرية بإفراز نخبة منه حاولت إفهام الرأي العام المسلم بأن القوة في اتباع سبل الغرب وتقليد نموذجه الحضاري، وقد وقف مالك بن نبي ضد هذه الدعوات اليائسة والمضللة وصاغ مقولة القابلية للاستعمار مقتنعًا بأن الهزيمة الحقيقية للجيل المسلم الذي جايله، وكل جيل استوفى شروطه نفسها، هي هزيمة نفسية لا تزول إلا بتغيير ما بالنفس، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱).
وفي إطار مشروعه الفكري العام وتحديد نوعية وطبيعة المشكلات التي يواجهها المجتمع الإسلامي، وقف مالك بن نبي عند قضية المرأة التي تعرضت لكثير من التشويه، خصوصًا مع اتساع دائرة الثائر بالنموذج الحضاري الغربي وموقع المرأة الأوروبية فيه.
تحديد طبيعة المشكلة
ينبغي القول بادئ ذي بدء إن قضية المرأة عند مالك بن نبي تندرج ضمن منظومته الفكرية العامة التي حددها في مشكلة الحضارة بأبعادها الشاملة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية؛ فمشكلة الحضارة عنده قضية لا تتجزأ وأي تجزيء لها يقود حتمًا إلى طرح المشكلات طرحًا خاطئًا ومن ثم تحديد وسائل خاطئة للعلاج. إن مالكاً يعتبر أن العالم الإسلامي أضاع وقتًا طويلاً، وجهداً كبيرا بسبب عدم التحديد المنهجي الصحيح المرض الذي يتألم منه منذ قرون عدة، وذلك عائد إلى التجزيئية التي عزلت القضايا عن بعضها ونظرت إلى كل واحدة على حدة.
من هنا وقف مالك من قضية المرأة موقفه من القضايا الأخرى. وقد أطلق على هذه القضية تسمية «مشكلة المرأة»، في كتابه شروط النهضة، وذلك انسجامًا مع منظومته الفكرية التي تدور حول مشكلة الحضارة عمومًا من ناحية والتدليل على مقدار التضخيم الذي كان من نصيب موضوع المرأة في العالم الإسلامي سواء من أنصار التحرر الذي يصل بالمرأة إلى درجة التحلل، أو من أنصار التزمت الذي يغلق بصره أمام حقائق الإسلام.
اعتبر مالك بن نبي أن ليست هناك مشكلة للمرأة معزولة عن مشكلة الرجل؛ فالمشكلة واحدة هي مشكلة الفرد في المجتمع، فقد حاول الكثيرون، بوحي من الفكر العربي التجزيئي، النظر إلى قضية المرأة كقضية مستقلة، ومن ثم خلقوا معركة مفتعلة بین أفراد المجتمع الواحد ووضعوا المرأة في مواجهة الرجل، وهذه قمة التجزيئية وتشويه حقيقة الصراع الحضاري لأنه يضع الزوجة في مواجهة الزوج، والبنت في مواجهة الأب والأخت في مواجهة الأخ وهلم جراء، فيتحول الصراع من صراع المجتمع ضد التخلف الحضاري والاغتراب إلى صراع داخل المجتمع نفسه، مما يلهيه عن التصدي للتحديات في بناء متماسك.
وتقود هذه الطريقة في تشخيص المشكلات وتحديد معالمها إلى منظور كمي، ذلك أن وضع جدار فاصل بين المرأة والرجل يؤدي ضرورة إلى البحث عما يفرق ويجمع بينهما وبعد ذلك إلى إيجاد ما ينقص المرأة إزاء الرجل، وهل هي أكبر أو أصغر منه أو تساويه في القيمة ويعتبر مالك أن هذه الأحكام ما هي إلا افتئات على حقيقة الأمر ومحض افتراء (۱).
موقفان ودافع مشترك
ميز مالك بن نبي بين موقفين متقابلين من قضية المرأة، موقف المتمسكين بإبعاد المرأة عن المجتمع وإبقائها في وضعها التقليدي الذي کرسته التقاليد، وموقف الداعين إلى أن تخرج المرأة في صورة تلفت إليها الغرائز، ويرى أن موقفي هذين الفريقين يصدران عن دافع واحد هو الغريزة.
وهذان الموقفان لا يساهمان في حل المشكلة، بل ربما زاد الطين بلة، وإذا كان موقف الداعين إلى التحرر على النمط الغربي واضح الأخطار على المجتمع الإسلامي بسبب ما يؤدي إليه من ترسيخ التبعية وتبليد الحس الإسلامي وضرب للهوية الخاصة للأمة، فإن الموقف الثاني قد يكون أشد خطراً لأنه يعطي لأعداء الأمة المبررات للخوض في سمعة الإسلام والتشكيك فيه ويجعل المرأة حين تفكر في الحرية لا تجد أمامها إلا النموذج الغربي الحاضر أمامها.
من أجل ذلك يستبعد مالك هذين الموقفين لأنه «لا أمل لنا أن نجد في آرائهم حلا لمشكلة المرأة» (٢). ويقول: «إن إعطاء حقوق المرأة على حساب المجتمع معناه تدهور المجتمع وبالتالي تدهورها، أليست هي عضوًا فيه؛ فالقضية ليست قضية فرد، وإنما هي قضية مجتمع» (۳).
موقفه من تقليد المرأة الأوروبية
إن تقليد المرأة الشرقية المسلمة للمرأة الأوروبية لا يحل المشكلة عند مالك، وإنما يزيد من تعقيدها بعد أن كانت بسيطة؛ لأن انتقال المرأة من امرأة محجبة إلى امرأة سافرة لم يحل المشكلة، فهي لا تزال قائمة، وكل الذي فعلناه أننا نقلنا المرأة من حالة إلى حالة وسترى عما قريب أن انتقالها هذا عقد المشكلة بعد أن كانت بسيطة (4) فحال المرأة الأوروبية ليست بالتي تحسد عليها فقد رتب خروجها في صورة تخاطب غريزة الفرد الحيوانية أخطاء جديدة، حيث وصلت مشكلة النسل إلى حالة تدعو إلى الرثاء، وفقد المجتمع تنظيمه الاجتماعي المتماسك الصلب، وانمحت المعاني الحقيقية التي تحترم العلاقات الجنسية، وأصبحت هذه العلاقات تسلية للنفوس المتعطلة، وبذلك فقدت هذه العلاقات وظيفتها من حيث هي وسيلة لحفظ الأسرة وبقاء المجتمع.
فالمطلوب إذن عند مالك هو التخلص من نظرة الإعجاب التي ينظر بها أنصار تحرر المرأة في العالم الإسلامي إلى المرأة الأوروبية؛ لأن هذه هي الخطوة الأولى نحو التشخيص الصحيح للمشكل ومكامن الخلل، ومالك لا يضع أيضًا أزمة المرأة الأوروبية في معزل عن أزمة الحضارة الغربية عامة؛ لأن المنظور الحضاري عنده هو إطار كلي للتفسير يتم رد جميع المستويات والجزئيات إليه في سياق كلي شامل تأتي بعدها الخطوة الثانية وهي ضرورة التخلص من النظرة الجامدة إلى التقاليد التي علقت بالممارسة والوعي الديني لدى الفرد المسلم.
وإذا كانت التغييرات الاجتماعية والاقتصادية قد دفعت بالمرأة إلى عالم الشغل والمصنع والخروج من البيت فينبغي في رأي مالك بن نبي أن توضع أزمة العاملة الأوروبية في نظر الاعتبار. فقد كانت المرأة في أوروبا ضحية هذا الخروج لأن المجتمع الذي حررها قذف بها إلى المصنع وإلى المكتب وقال لها: «عليك أن تأكلي من عرق جبينك» في بيئة مليئة بالأخطار على أخلاقها، وتركها في حرية مشؤومة، ليس لها ولا المجتمع فيها نفع، ففقدت -وهي مخزن العواطف الإنسانية- الشعور بالعاطفة نحو الأسرة وأصبحت بما ألقي عليها من متاعب صورة مشوهة للرجل دون أن تبقى امرأة.
وعلى هذا الأساس يدعو مالك بن نبي إلى أن توضع قضية تحرر المرأة المسلمة في إطارها الحضاري الإسلامي الطبيعي، وفي إطار الخصوصيات الحضارية والثقافية للأمة «ينبغي أن نطبع حركتنا النسائية بطبعنا لا بطابع ما يصنع في الخارج» (5).
مشكلة الزي
من اللافت للانتباه أن يخصص مالك بن نبي -رحمه الله- فصلاً خاصًّا في كتابه «شروط النهضة»، لقضية الزي بعد الفصل الذي خصصه لقضية المرأة، وقد جعل عنوان هذا الفصل في صيغة إشكالية تحت عنوان «مشكلة الزي»، وبعد الفصل الخاص بالمرأة مباشرة، ليدل على الترابط بين القضيتين.
لقد ركزت الدعوات الأولى لتحرر المرأة أهدافها على الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة قبل أي جانب آخر، مما يدل على أن مسألة الزي أو اللباس ليست مسألة جانبية أو شكلية كما يريد الكثيرون تصويرها، بل مسألة لصيقة بالنموذج الحضاري والاختبار الثقافي للفرد والمجتمع.
إن مالكاً يرى أن الزي أحد عوامل التوازن الأخلاقي الرئيسة، بل أكثر من ذلك يعتبره ذا روح خاصة، (ليس اللباس من العوامل المادية التي تقر التوازن الأخلاقي في المجتمع فحسب، بل إن له روحه الخاصة به، وإذا كانوا يقولون القميص لا يصنع القسيس، فإني أرى العكس من ذلك، فإن القميص يسهم في تكوين القسيس إلى حد ما، لأن اللباس يضفي على صاحبه روحه) (٦). فلم يكن مصطفى كمال الذي قضى على الخلافة العثمانية حين نزع الطربوش واستعاض عنه بالقبعة يريد فقط تغييرًا شكليًّا واستبدال زي بآخر، بل لأنه كان يدرك أنه يرمز إلى تاريخ قائم بذاته، وحضارة وسلوك اجتماعي معين؛ لذلك جاءت القبعة بمثابة القنبلة التي انفجرت في ذلك المجتمع.
فالزي ليس مجرد ديكور خارجي خال من المعاني والمضامين الكبرى في حياة الأمة، بل تعبير عن هوية فهو يسهم في تمييز المجتمعات عن بعضها ويعطيها خصوصيتها المتفردة. ويجعل الفرد يشعر بانتمائه إلى ثقافته وحضارته الخاصة، ويعطيه الشعور بالتكاليف الاجتماعية التي يضعها عليه لباسه المميز. أما بالنسبة للمرأة فإن الذي يمثل حقيقتها التي تميزها عن حقيقة نساء المجتمعات الأخرى، ويضفي عليها معاني الحضارة التي تعيش في قوالبها وأشكالها وطقوسها فلباس المرأة الأوروبية مثلاً الذي كشفها وفضح جسدها يدل على تسخير المرأة لأغراض هي غير الأغراض الحقيقية المعلن عنها أغراض التحرر والاختيار والحضور الفاعل في المجتمع، وهو يعبر عن طبيعة الحضارة الغربية المادية وثقافتها الساعية إلى تقديس مبدأ اللذة، يقول مالك بن نبي: «غير أنها أصبحت اليوم -أي المرأة الأوروبية- تلبس اللباس الفتان المثير الذي لا يكشف عن معنى الأنثى، فهو يؤكد المعنى الجسدي الذي يتمسك به مجتمع ساده الغرام باللذة العاجلة».
ويسوق مالك نموذجًا حيًّا لتكييف المرأة مع الاختبار الثقافي والحضاري والسياسي عن طريق الزي، وهو نموذج المرأة اليهودية في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي لهذا البلد والتي كانت تتهيأ للهجرة من الجزائر نحو فلسطين لتندمج في حياة دولة الصهاينة الجديدة، فقد كانت هذه المرأة تأتي من أطراف الواحات الصحراوية الجزائرية بأزيائها البلدية لتتحول إلى مواطنة يهودية، منذ أن تصعد الباخرة حيث تترك الملحفة والكحل وترتدي الأزياء التي تناسب طبيعة المجتمع الجديد. ويرى مالك أن هذا التغيير الشكلي في حقيقته هو مجرد خطوة أولى في سلسلة تطورية تصل إلى حد التغيير النفسي والفكري بعد أن تكون المرأة اليهودية قد ألقت عن جسدها اللباس القديم الذي كان يربطها بالمجتمع منذ قرون، واستعدت لإعادة بناء شخصيتها وتشكيل وعيها في المحيط الجديد (۷).
دور المرأة في إعادة البناء الحضاري
إن دور المرأة المسلمة عند مالك بن نبي يكتسي أهمية خاصة في إعادة البناء الحضاري للأمة من جديد؛ فهي عماد الأسرة التي تقوم بتشكيل الأفراد وتنشئتهم على معاني الحضارة وإعداد الأجيال لحمل الرسالة، ولذلك يضع مالك علاقة متينة بين شخصية المرأة التي يريدها المجتمع وبين قضية بناء حضارة المجتمع، يقول بن نبي «الواجب أن توضع المرأة هنا وهناك حيث تؤدي دورها خادمة للحضارة وملهمة لذوق الجمال وروح الأخلاق، ذلك الدور الذي بعثها الله فيه أُمًّا وزوجة للرجل».. ونظرًا لخطورة المهمة الحضارية وتشعب مسالكها وتعدد المداخل إليها وتوزع الاختصاصات، فإن حل مشكلة المرأة هو الآخر كجزء من هذه المهمة لا يمكن أن ينهض به -في نظر مالك- قلم كاتب في مقال أو كتاب لأن هذه المشكلة متعددة الجوانب ولها في كل ناحية من نواحي المجتمع نصيب؛ لذلك يقترح عقد مؤتمر عام تحدد فيه مهمة للمرأة بالنسبة لصالح المجتمع يشارك فيه إلى جانب علماء الشريعة الأطباء وعلماء النفس والاجتماع وعلماء التربية، حينئذ يمكن القول -بحسب مالك- إننا وضعنا المنهج الأسلم لحياة المرأة، ولسوف يكون هذا التخطيط حتمًا في صالح المجتمع لأن علمائه والمفكرين فيه هم الذين وضعوه وينبغي أن تكون مقررات هذا المؤتمر العام دستورًا لتطور المرأة في العالم الإسلامي.
وإذا كان اقتراح مالك بن نبي بعقد مثل هذا المؤتمر يبدو بمقياس الفترة التي كتب فيها غريبًا رغم الحاجة إليه فإنه يظهر اليوم ضرورة منطقية بعد أن أصبحت المؤتمرات الدولية الساعية إلى عولمة النموذج الغربي للمرأة الأوروبية وهدم الأسرة في العالم الإسلامي تعقد باستمرار، ويقوم الإعلام الغربي والعلماني التابع له في ديارنا بالنفخ في قراراتها وتوصياتها، وتقوم المؤسسات الدولية النافذة بالضغط على الشعوب المسلمة لتنفيذ تلك المقررات وتطبيقها في تشريعاتها الداخلية.
وما يملي عقد مؤتمر للمرأة المسلمة عند مالك بن نبي هو أن المرأة في العالم الإسلامي تتطور أوضاعها بطريقة غير مرسومة الأهداف وبدون غاية محددة، أي بعيدًا عن أهداف البناء الحضاري للأمة، مما يقتضي ضرورة التخطيط لهذا التطور لتحديد الأهداف المتوخاة منه بشكل لا تتعارض فيه مع الأهداف العليا للأمة الإسلامية.
وبسبب هذا الوعي الحضاري لدى مالك بن نبي، فإنه لا يتحدث عن تحرر المرأة أو عن حريتها، ربما لكي لا يقلب المفاهيم ويسقط في شراك المصطلح الغربي بل يتحدث عن الحضور ليربط قضية المرأة بالقضية الشاملة للأمة، -هذا الحضور المشتق من معاني الحضارة، والذي يعني الفاعلية- يرتبط في مدلوله العام بمصطلح الشهود الحضاري للأمة، حتى نظل الأمة المسلمة خير أمة أخرجت للناس شاهدة عليهم، وهو شهود باق إلى يوم القيامة.
الهوامش:
(1) مالك بن نبي شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين دار الفكر – بيروت الطبعة الثالثة ١٩٦٩ ص ١٧٤.
(2) نفسه من 176.
(3) نفسه 177، 178.
(٤) نفسه 179.
(٥) مالك بن نبي بين التيه والرشاد ص ٥٨.
(6) شروط النهضة ص ۱۸۸
(۷) مالك بن نبي في مهب المعركة، إرهاصات الثورة، 137، 138.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل