; المجتمع التربوي.. عدد 1788 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1788

الكاتب محمود إبراهيم

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2008

مشاهدات 65

نشر في العدد 1788

نشر في الصفحة 52

السبت 09-فبراير-2008

الخبير التربوي د. وجيه الصاوي لـ «المجتمع»: 

المرأة سلاح التغريب في مجتمعاتنا الإسلامية

الرجل أكثر عرضة للعنف من المرأة في مجتمعاتنا

دعاوى مساواة المرأة بالرجل في كل شيء.. فاسدة ولا تحقق السعادة الزوجية

تشهد الساحة العربية والإسلامية في الآونة الأخيرة موجة من التوجهات والأفكار التغريبية، والتي تمثل في مجملها ضغطًا على الدول الإسلامية.. ومن ذلك ما يشاع أو يتردد حول العنف ضد المرأة، أو تحرير المرأة أو تمكين المرأة.. وللأسف أنشئت جمعيات نسائية في العالم العربي والإسلامي، تتبنى تلك الأفكار، وتخطط لإفساد العلاقة بين الرجل والمرأة في العالم العربي والإسلامي.

حول تلك التطورات الاجتماعية التقت «المجتمع»، أستاذ علم الاجتماع ووكيل كلية التربية بجامعة الأزهر د. وجيه الصاوي.. ودار معه الحوار التالي:

• كيف ترى الهجمة التغريبية التي تواجهها المجتمعات الإسلامية في الفترة الأخيرة؟

بداية أقول للعلمانيين: أنتم تخربون شريعة الله، وتفسدون على المسلمين دينهم, وعليكم أن تعلموا أن الغرب لا يريد لنا الخير.. وأدعو القائمين على أمور بلادنا ألا يكونوا أبواقًا للغرب، الذي يستهدف تدمير المنظومة التربوية والخلقية والأسرية لتصبح المجتمعات الإسلامية تائهة مثله.

العنف ضد المرأة

• ما انطباعكم كمتخصص في العلوم التربوية والاجتماعية حول ما يثيره الغرب حول العنف ضد المرأة في المجتمعات الإسلامية؟

ما يثار حول العنف ضد المرأة يجعلنا ننظر للمشكلة من حيث الفكرة السائدة في الغرب والصورة المنطبعة في أذهانهم حول الرجل العربي والمرأة العربية، وهي صورة مشوهة؛ بسبب جهل الغرب بتعاليم ديننا وعدم معرفتهم العادات والتقاليد الصحيحة في مجتمعاتنا، فالصورة غير واضحة لدى الغرب، وكل ما لديهم من معارف ناقصة مشوشة، غير حقيقية، مبنية على القصور في العلم والمعرفة، ويكمن وراءها النيل من المسلمين وتشويه الحقائق. ونحن قد ساعدنا على هذا بترديد ما يتصوره الغرب, بل أصبحنا أبواقًا تردد ما يقول.

والأمر المثير للضحك أن تشعر الفتيات في أمريكا أنهن مسلوبات الحقوق، فهناك عنف وعدم مساواة بينهن وبين الذكور، حيث إن الفتاة حين تتزوج يتم سلب اسم أبيها وجدها ويتغير اسمها إلى اسم زوجها! فمن الأشياء التي أثارت دهشتهم أننا لا نغير اسم الفتاة حين تتزوج, وأبدين السرور والتطلع ليطبق هذا الأمر في أمريكا، كنوع من التمني، وأعتقد أن هذا الأمر في إمكانهن، ولكن لم تظهر أية حركة نسائية في أمريكا تطالب بذلك.

• ما هو تقييمكم للدعوات التي صدرت من بعض العلمانيات في مجتمعاتنا بالمطالبة بمساواة الأنثى في الميراث وكتابة اسم الأم في البطاقة أو الشهادات؟

هذا الكلام من العجب العجاب بأن يطالب بعض العلمانيين والمعتوهين بأن تتساوى الأنثى مع الذكر في الميراث، ونشاهد في التلفاز من تقترح عن طريق الاتحاد النسائي المصري، أن تجعل أسماء الذكور والإناث تكتب باسم الأمهات!! فمثلًا «نجاح السعداوي»، تصبح «نجاح زينب السعداوي»!! فهل هذا هو التكريم للأم؟ وهل هذا فيه تفرقة وعنف ضد المرأة حتى نناشد الجميع بأن يغير الأسماء عملًا بالمساواة؟ إنها سطحية ساذجة، كان أولى بنا لتكتمل الأضحوكة أن تكون «نجاح زينب بهانة»، أي كل الأسماء أنثوية!! ونقلب موازين المواريث وحقوق البشر المدونة في تاريخ طويل، وتعبث به يد المهرجين من البشر تحت ستار المساواة بين الرجل والمرأة.

فعلى المرأة المسلمة أن ترفع من شأن زوجها وتعضده في الحق وتعزز موقفه  وتبرزه على أنه صاحب القرار، وأن تشارك معه وتشد من أزره، فبقوته تفخر، وبرجولته تعتز، في ذلك إضافة لها ودعم لمكانتها.

الدعوات الفاسدة

• ولكن يصر بعض المفكرين والكتاب على ضرورة مساواة المرأة بالرجل؟

لا أعرف كيف تستقيم الحياة في أسرة بها رجلان، هل تحب المرأة أن تتساوى مع الرجل في كل شيء؟ هل ترغب في أن نلد نحن الرجال وتقوم هي بدورنا؟

مثل هذه الدعوات فاسدة؛ لأنها بذلك تعترض على إرادة الخالق بأن يكون للمرأة دور واضح وصفة تميزها: هادئة، وديعة، أما الرجل فقوي صاحب نفوذ وهي ملكة في المنزل، بذلك تتحدد الأدوار وتتضح المهام، وإذا تبدلت الأمور اختلت الموازين وانقلبت الحياة رأسًا على عقب.

يقول عز وجل: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم آية: 21).

العنف ضد الرجل

• نريد أن نعرف على الجانب المقابل: العنف ضد الرجل، وما حجمه في مصر حاليًّا نتيجة الدعوات العلمانية لوقف العنف ضد المرأة؟

تشير البحوث والتقارير إلى أن مشكلة ضرب الزوجات لأزواجهن آخر الخطوط الحمر في المجتمع الشرقي، إذا أصر الجانبان على كتمان الأمر وعدم معالجته واستمرا في تجاهل تبعات المشكلة المستقبلية، والتعامل معها وكأنها ستحل نفسها بنفسها، وإذا استمر الضحية في تحمل هذا الوضع المزري المهين؛ بسبب الخوف من الفضيحة وانكشاف السر الرهيب والتعرض للسخرية والتهكم من كثير من الناس، فسيبقى العنف ضد الرجل سرًّا. هل تعلم جماعات الرفق بالمرأة أو جماعات محاربة التمييز وغيرها.. أن الرجل أكثر تعرضًا للعنف والهجوم والمعاناة من المرأة؟ إنه يتحمل المسؤولية والضغوط والجهد العضلي والفكري وغير ذلك.

ويرجع علماء النفس والاجتماع التراجع في دور الرجل إلى كثير من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى شعور الرجل بالإحباط والقهر، فهو أكثر إحساسًا ومعاناة تجاه الاستبداد السياسي والقهر.

 

أصالة الوحدة في حياة المسلمين

د. محمد علي الهاشمي

إن من يتأمل أحوال المسلمين، وما هم عليه اليوم من تفرق وتفكك، ليأخذه العجب، إذ يرى كل شيء في حياتهم مبنيًّا على الوحدة، ويدعو إلى الوحدة والتآلف والتلاحم؛ فآيات القرآن الكثيرة التي يتلوها المسلمون تحض على الوحدة، وتؤصل شعور الوحدة في النفوس، كما في قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة المؤمنون آية: 52).  

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ...﴾ (سورة آل عمران آية: ۱۰۳).

﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...﴾ (سورة آل عمران آية:۱۱۰).

والصلاة التي يؤديها المسلمون خمس مرات في اليوم، متجهين إلى قبلة واحدة، مؤدِّين فيها أعمالًا واحدة، ولا سيما صلاة الجمعة والعيدين، حيث يؤديها أكثر من مليار مسلم في أوقات واحدة ومواسم واحدة.

والصيام الذي يربط على أفواه المليار مسلم كل سنة شهرًا اسمه رمضان، والزكاة التي يخرجها المليار مسلم كل سنة، لتنفق على الفقراء والمعوزين، والحج الذي يجتمع فيه الملايين من أصقاع الأرض، على اختلاف سحنتهم ولغاتهم وأزيائهم وعاداتهم، يرددون: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك، داعين أن يلم الله شعث المسلمين، ويجمع شملهم، ويوحد صفهم، ويعلي كلمتهم.

إن هذا ليدل دلالة واضحة على أن أمة الإسلام التي تنطق بالشهادتين أمة واحدة، عقد لواء وحدتها رب السموات والأرض، وجعلها تدين بالعبودية له وحده دون سواه، دستورها القرآن، وشريعتها الإسلام، وقدوتها وقائدها محمد ﷺ: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء آية: 92).

وشريعة الإسلام منهج حياة كامل شامل لكل ما يتعلق بالفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، والبشرية قاطبة.

إن البشرية لم تعرف في تاريخها كله أمة توافرت لها أسباب الوحدة، وعواملها كما توافرت لأمة الإسلام، وهذه بلا ريب منحة ربانية خص بها الله أمة الإسلام، ولا يستطيع بشر أن يصل إليها ولو أنفق ما في الأرض: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾) (سورة الأنفال آية: 63).

ولن يبلغ المسلمون هذه الوحدة إلا بتصميم الشعوب المسلمة علي اتباع نهج الله القويم، ونبذ كل نهج سواه ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام آية: 153).

إن أكبر مصاب أصيبت به الأمة المسلمة في حياتها وتاريخها كله هو انفراط عقد وحدتها بسقوط الخلافة الإسلامية، والمسلمون اليوم لن ينهضوا من كبوتهم وتخلفهم وضعفهم إلا باتحادهم في شكل من أشكال الاتحاد، وعودتهم إلى الاتحاد هو الأصل الذي فطرت عليه هذه الأمة، وهو الوضع الصحيح الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مسلم نطق بالشهادتين، ولا بد للوصول إلى هذا الوضع الصحيح الذي كل ما في الإسلام يدعو إليه، لا بد من عمل مستمر، وجهاد صادق من الشعوب والحكومات، ويومئذ يتحقق الهدف العظيم، وتعود أمة الإسلام كما أراد الله لها أن تكون: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (سورة آل عمران آية:۱۱۰)

تأملات في هجرة النبي ﷺ (٥)

إيمان مغازي الشرقاوي

إن أي بناء في حياة البشر لا يقوم ولا يظهر له وجود ولا يعمر طويلًا ما لم يبنَ على أسس صحيحة وقواعد متينة ومواد صالحة، فما ظنك إذا كان هذا البناء هو الإنسان نفسه وروحه وعقله، وما الحال إن كان ذلك البناء هو أمة الإسلام نفسها متمثلًا في كل فرد من أفرادها، لا شك أن ذلك هو البناء الأكبر الذي يحتاج إلى الجهد الأعظم في بنائه لشرفه وأهميته بل وخطورته.

الهجرة من الفرقة إلى الوحدة

وعندما هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة بدأ على الفور في إنشاء الدولة الإسلامية وإرساء قواعدها على أسس متينة وقواعد صلبة، فكان بناء المسجد أول عمل قام به ﷺ حيث تجلت في بنائه روح الأخوة الرائدة وصور التعاون الحق، فشارك في البناء قائدهم ومرشدهم الأعلى رسول الله ﷺ، والمهاجرون والأنصار من حوله يعملون معه، وصار المسجد بمجرد بنائه أعظم صرح في ذلك الوقت لتخريج دفعات من المؤمنين الذين نجحوا ووفقوا في اجتياز اختبارات الرياضة الروحية، بما تحقق فيهم من روح الألفة والأخوة والحب والمواساة لإخوانهم، والرياضة البدنية بحسن القيام بالتكاليف الشرعية بكفاءة وتفوق لا مثيل له في عالم البشرية، وظهر دور ذلك واضحًا جليًّا حيث لم يقتصر على الجانب التعبدي فحسب بل صار شاملًا كل مناحي الحياة شمول الإسلام العظيم الذي يرمز له.

يقول الدكتور عماد الدين خليل في ذلك: «وسرعان ما غدا «المسجد» رمزًا لما يتسم به الإسلام من شمولية وتكامل، فقد أصبح مركزًا روحيًّا لممارسة الشعائر وأداء العبادات، ودائرة سياسية عسكرية لتوجيه علاقات الدولة في الداخل والخارج، ومدرسة علمية وتشريعية يجتمع في ساحاتها أصحاب الرسول ﷺ، وتدار في باحاتها الندوات، وتلقى على منبرها المتواضع التعاليم والكلمات، ومؤسسة اجتماعية يتعلم المسلمون فيها النظام والمساواة ويمارسون التوحد والإخاء والانضباط... لقد كان بناء المسجد هو الخلية الأولى للبناء الاجتماعي للأسرة والجماعة بوصفه صهر المؤمنين بالإسلام في وحدة فكرية واحدة من خلال حلقات العلم والقضاء والعبادة والبيع والشراء وإقامة المناسبات المختلفة.. فلم يكن المسجد معبدًا أو مقرًّا للصلاة وحدها بل كان شأنه شأن مختلف الإسلام نفسه متكاملًا في جوانب الدين والسياسة والاجتماع».

دور المسجد

أما عن دوره في ذلك فيكفي التقاء الإخوان للصلاة فيه، ولا ريب أن ذلك التلاقي يؤدي بدوره إلى الحب والأخوة في الله، وخير الصحبة التي تكون سببًا في رضاه سبحانه يوم القيامة، وفي الحديث قال النبي: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه..» «البخاري».

في المسجد يقف المسلم بجانب أخيه المسلم عند الصلاة فتلتصق قدمه بقدمه، ويحاذي منكبه منكبه، ويكون التزاحم والتراحم في مظهر أخوي عظيم لا تجده في مكان آخر، وليس المسجد حكرًا على أحد، وإنما يحظى بالصف الأول منه السابقون إلى الخيرات المحافظون على الصلوات، كذلك يجلس المسلمون معًا لاستماع الخطب والدروس وحضور الحلقات، يجمعهم هدف واحد وغاية واحدة، وإن تعددت وسائل الوصول إليها.

وفي المسجد كذلك يرتبط الناس بعضهم ببعض وتكون الصداقة والإخاء، فيتحابون في الله حين تتعلق قلوبهم بأحب البقاع إلى الله.

ولا ينكر فضل المسجد وأثره أحد وفي هذا يقول الدكتور البوطي: «إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين، ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد، فما لم يتلاق المسلمون يوميًّا، مرات متعددة في بيت من بيوت الله وقد تساقطت فيما بينهم فوارق المال والجاه والاعتبار، لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تؤلف بينهم، وإن من نظام الإسلام وآدابه أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة، يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه، ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بها على معرفة وعلم، فإن وحدتهم تؤول إلى شتات، وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء».

التآخي بين المسلمين

وكان ذلك هو الأساس الثاني الذي قامت عليه دعائم الدولة المسلمة في مهدها، فقد بدأه النبي ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أخوة مطلقة، تذوب معها فوارق الجنس واللون والنسب والعشيرة، أخوة تجعل الأخ الأنصاري يتقاسم فيها مع أخيه المهاجر ما يملك.. أخوة إسلامية.. الرابط فيها الدين الحق لتكون بذلك أقوى من أخوة القرابة والنسب.. أخوة توجب العون والنصح والبر والمواساة والتوارث بعد الوفاة، وظل أثر هذه الأخوة في الميراث إلى غزوة بدر، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة الأنفال آية: 75) فرجع كل إنسان في الميراث إلى نسبه وذوي رحمه، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة بالإسلام، وقد عبر الأنصار ذلك الاختبار الصعب فعن أنس رضي الله عنه قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنا، حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: «لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله عز وجل لهم»«أحمد».

وقد نزل القرآن الكريم يشهد لهم بذلك.. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر آية: 9).

أخوة والتزامات

آخى النبي ﷺ بين المسلم وأخيه المسلم، كما أصدر وثيقة نظم فيها العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم الجديد، وبين من حولهم ممن يسكن المدينة.

ومما جاء فيها :

«بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمة واحدة من دون الناس، وأن المؤمنين لا يتركون مغرمًا «مثقلًا بالدين» بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمنًا مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة «كبيرة» ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم...».

الجماعة الجماعة

إن الله تعالى يدعونا جميعًا للاعتصام بحبله والاتحاد والوحدة، ويحثنا على أن نكون جميعًا على قلب رجل واحد، وينهانا عن التفرق، فيقول: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ...﴾ (سورة آل عمران آية:۱۰۳)، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يتواصون بذلك، فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها؛ أما سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (سورة آل عمران آية:۱۰۳).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، ويكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». فأوجب تعالي علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة، اعتقادًا وعملًا؛ وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين والسلامة من الاختلاف.

دعوة إلى الحياة الطيبة السعيدة..

إن الحياة السعيدة حقًّا هي تلك الحياة التي ينعم أفرادها بلذة الوحدة وترابط الجماعة، وألفة الأخوة، ألا ترى أن سعادة المؤمنين في الجنة لا تكتمل إلا باجتماعهم مع من يحبون؟ لذا فإن الله عز وجل يجمعهم مع أحبابهم فيها، كما قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (سورة الطور آية:۲۱).

إننا نريد العودة إلى معاني تلك المحبة، وحقوق هذه الأخوة، نتمنى الوحدة والترابط، على كافة المستويات، بداية من محيط الأسرة الصغيرة والذي لم يسلم هو الآخر من أثر النزاع الذي صدع بنيانه، وحلول الفرقة بين أجزائه التي ذهبت بما تبقى فيه من حب ووئام، ووصولًا إلى وحدة الشعوب المسلمة والعودة بها إلى الشعور بالانتماء للأمة الواحدة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة المؤمنون آية: ٥٢) فإن الله عز وجل يخاطبنا في كتابه بلفظ الجمع؛ لنعرف أننا جزء واحد وجسد واحد وبنيان متكامل يشد بعضه بعضًا.

المراجع

1- دراسة في السيرة للدكتور عماد الدين خليل.

2- فقه السيرة النبوية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

3- تفسير القرطبي.

الرابط المختصر :