; المرأة المسلمة الداعيــة- الحلقة التاسعة والأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان المرأة المسلمة الداعيــة- الحلقة التاسعة والأخيرة

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

مشاهدات 144

نشر في العدد 325

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

الالتزام في السُلوك

لا بد بعد هذا من الإشارة لأهمية السلوك، الذي يعطي الآخرين نموذجًا واقعيًا لالتزامنا بالإسلام وفهمنا له. 

والمرأة المسلمة - اليوم- تعاني من أزمة صعبة في تعاليمها المجتمع، إذ إنها تجد صورًا من التبرج الصارخ، والخروج المنحرف عن سواء الفطرة البشرية، حتى غد الانحراف قانونًا يحكم الشارع، وعادة تتحكم بالبيوت والمظاهر والمجتمع. 

وفي هذه الأجواء بدت المسلمة غريبة بين نساء العصر، وعانت في سبيل ذلك قلقًا وحربًا؛ لأنها رفضت الاستسلام لموجة التبرج القاتل ورضيت أن تتهم بالرجعية وتوسم بالتخلف.

ومن واجب المرأة المسلمة أن تلتزم بالسلوك الإسلامي الصحيح الذي يعبر عن عقيدتها وإسلامها - دون أن يفجعها ذلك البون الشاسع بين مظهرها الإسلامي ومظهر المجتمع من حولها، ودون أن يلفتها عن هدفها في تحقيق معنى إسلامها أي أمر طارئ أو دعوى ظالمة أو اتهام باطل أو مظاهر منحرفة.

وعلى المسلمين أن يحموا النساء المسلمات من خطر الانهيار بتكوين البنى الصحية لهم، وتوفير الجو الملائم لكي يمارسن حياتهن الإسلامية الصحيحة ضمن مجتمع نظیف مهما كانت هذه الصعوبات. 

ومن المظاهر التي تؤثر في السلوك (موضات) اللباس المختلفة التي يمتليء بها الشارع، وتسلط عليها الأضواء، في الشارع والصورة، والفن والأدب ووسائل الإعلام والأسواق المختلفة. 

وكل يوم تدفع بيوت الأزياء صنفًا جديدًا، أكثر تبرجًا وإبراز لمحاسن المرأة، وأكثر إغراء للرجال. 

وليس خافيًا أن وراء بيوت الأزياء ووسائل الزينة والإغراء والدعاية يهود وسماسرة للجنس، وزبانية للشر من حلفاء الشيطان فإذا انهارت المسلمة أمام هذه الفتنة المسايرة عصرها، أو دفعًا للتهم الباطلة عنها فإنها تدخل في حلف الشيطان وطريق التمرد على الله عز وجل ومجاهرته بالمعصية والوصول إلى النار.

إن هذه الأزياء تعبر عن فلسفة تحصر حياة الناس في حدود الحياة الإنسانية، وفي حيز الأرض وفي زمن العمر القصير، ثم تنكر البعث والحساب لذلك تركض لاهثة لاحتواء كنوز الأرض، والشبع من الملذات، واقتراف المآثم قبل فوات الفرصة وانقضاء العمر.

وتنطلق هذه النظريات والنظرات الحديثة من نظرة جنسية للمرأة، ولكنها أظهرتها بمظاهر مختلفة ودعوات مغرية مثل حقوق المرأة وحرية المرأة.. وجعلتها ألعوبة ووسيلة معًا، تسعى من أجل تعرية المرأة وإثارة الغريزة واجتناء الشهوة المحرمة، ووسيلة للزينة وإغراء الجيل، وتضخيم الإحساس بالجنس والوصول إلى الأغراض السياسية والمكاسب الشخصية والمادية.

وانظروا إلى المرأة كسلعة يتلاعب بها يهود العالم وحلفاء الشيطان، كيف جعلوها وسيلة للدعاية وكسب المال والجاه فقرنوا اسمها مع أتفه الأشياء وأكبرها- وصنعوا منها وسيلة للدعاية لأحقر المقتنيات وأعظمها، لذلك فإنه مهما يكن نوع اللباس الحديث -قصيرًا أو طويلًا- فإن التقيد به واختياره لحداثته وعصريته فقط، ولأنه - موضة- حديثة- تشكل نوعًا من الانحراف والانهزام أمام المدنية الجاهلية. 

والمرأة المسلمة تختار لباسها المناسب طبقًا لمعتقدها دون التقيد بأزياء العصر وغايتها من ذلك التستر والحشمة والكمال ومرضاة الله قبل كل شيء؛ لأن زينتها محرمة إلا على من أحل الله له ذلك من زوج وولد. 

وكل ادعاء بأن اختيار العصرية والموضة؛ لا يتعارض مع الإسلام ما دامت المرأة تلبس اللباس السابغ وتتقيد بالحجاب وتبتعد عن التبرج ادعاء مخادع. 

 إن هذا صحيح في الظاهر لكنه يحمل جراثيم الموت والانهيار؛ لأنه يعبر عن الاستسلام للجاهلية المعاصرة، والانقياد لتفكير أرباب الأزياء، مع العلم بأن هذه الأزياء لم تصنع إلا بعد دراسة وتجربة وغاية. 

وهي تعبر عن تفكير وموقف وذوق وخلق يلتزمه يهود العالم، ومروجو الخبائث بينما نرى أن المسلم تفكيره وذوقه وخلقه وموقفه الذي يتميز عن موقف الآخرين والمدنية الحديثة حين تختار هذه المظاهر تعلم مدى تأثيرها على النفوس وتدرك أنها من هذا الطريق تدخل إلى قلوبهن وأفكارهن فتشكل -بالتدريج- رأيًا لهن في الحياة وتحرفهن عن الطريق السوي وتدربهن على السلوك المنحرف الذي يبدأ بخطوة مستهترة، وينتهي بكارثة مدمرة. 

وهي بهذا تدرك أنها تستطيع إدخال فلسفتها ومفاهيمها إلى النفوس والبيوت دون اللجوء إلى المناقشات الشاقة والنظريات المعقدة. 

وإذا قبلت المرأة المسلمة الاستجابة إلى أذواق هذه المدنية، تكون قد بدأت خطورتها في الابتعاد عن الإسلام ومفهومه المتميز. 

وهي ليست بحاجة لاختيار أذواق هذا العصر؛ لأن لديها مجالًا فسيحًا لانتقاء ما يتناسب ويتفق مع اعتقادها والمحافظة على قدر كبير من الجمال والذوق دون أن يكون الدافع لهذا اتباع الأزياء الحديثة وتقليد الخارجات عن طاعة الله، وهذه المسألة تتعلق بذات المرأة وسلوكها، وتدخل في معتقداتها وبواعث أعمالها وما يرافق ذلك من نية لا يعرفها غير الله سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. 

فإذا تخلصت المرأة من ضغط الجاهلية، وتحررت من قيود العصر وإزائه ومظاهره المغرية، تكون قد جنبت نفسها الوقوع في بداية المنزلق، وحبائل الشيطان وحصنت نفسها كي لا يصيبها الجرثوم الفتاك، وتكون قد نأت بعقيدتها وإيمانها عما يشوبه من انحراف.

والمرأة لها من المواقف والمجالات والظروف التي أباح لها الإسلام أن تأخذ منها أقصى ما تتصور من المتاع والزينة الحلال، استجابة لدواعي فطرتها، وحري بالمسلمات أن يعين هذه المفاهيم، ويتقيدن بالمفهوم الإسلامي الصحيح: تفكيرًا وسلوكًا- وأن يبتعدن عن الانغماس في مظاهر الترف والزينة العصرية- مهما كانت الإغراءات والصعاب. 

ويمكننا أن نقيس شتى الأمور المتعلقة بسلوك المرأة على هذا السلوك؛ حتى لا تغرها تقاليد العصر وعاداته -فتألفها- وتبيح نوعًا من الاختلاط وشيئًا من الزينة - وبعضًا من المظاهر الجاهلية. 

وليكن انطلاق المرأة المسلمة من مفهوم واضح يشمل فكرها وشعورها وسلوكها: باطنها وظاهرها، ابتغاء لمرضاة الله عز وجل وتقيدًا بشريعته وإسلامنا لا ينقصه الرأي والحجة، ولا تعوزه المفاهيم والآراء، ولا يفتقر إلى الذوق والجمال. وإنما يحتاج إلى الحملة الواعين المخلصين الذين يترجمونه عملًا وسلوكًا، فيكون عقيدتهم متحركة حيةً ناطقة، تبرز في العمل والسلوك، والخلق، والتفكير والصبر والمجاهدة مهما تكن حشود الباطل.

وفيها يصيب الباطل كلال قاتل، وسأم ضجر، ويأس مميت، حينما يرى النبات الطيب يعلو رغم الخبائث من حوله - فيتفجر جوفه غيظًا، وتتفجر الفطر المنكودة ضيقًا بأوهام الجاهلية، وتستسلم لليد المواسية الرحيمة يد الإسلام المتميز العظيم. 

والمرأة المسلمة، التي تتطلع لأن تكون داعية ومنارًا في هذا المجتمع مطالبة بترجمة العقيدة إلى سلوك، والمفاهيم إلى أعمال كي تبرز متميزة لا تتصرف بردود الأفعال، ولا تخشى أو تبتغى غير مرضاة الله عز وجل.

هذه خواطر عن المرأة المسلمة الداعية حاولت فيها وضع بعض الأطر، واقتراح الخطوات لعلي بذلك أكون قد ساهمت في بناء البيت المسلم، وتوضيح السبيل لذلك. أسأل الله الهدى والرشد والحمد لله رب العالمين. 

محمد حسن بريغش

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

172

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة

نشر في العدد 330

116

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

من شذرات القلم (عدد 330)

نشر في العدد 397

86

الثلاثاء 30-مايو-1978

أعداء المسلم (الجزء الثاني)