العنوان المرء عدو ما جهل
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1985
مشاهدات 61
نشر في العدد 746
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 17-ديسمبر-1985
رسائل الإخاء
الجهل خصلة تبغضها النفس ويزدريها العقل وتأباها الفطرة السليمة، ولا يقبل أحد الاتصاف بها عن رضى وقناعة، لأن الله تعالى فطر النفوس على التعرف إلى الحق، والنزوع إلى الكمال دون النقص وإن تفاوتت النفوس في الطلب.
والجهل قد يكون لنقص العلم، وقد يكون لفقدان العلم النافع، والجهل والظلم هما ضلالي الإنسان، وأخطرهما وأضرهما على الإنسان الجهل، فمن جهل ظلم وطغى وتعدى حدود الله، بظلمه لنفسه أو لغيره، والظالم بالضرورة جاهل بما افترض الله عليه من الإنصاف والعدل.
والناس طوائف فمنهم العالم ومنهم المتعلم المسترشد وغير هذا وذاك غوغاء أتباع كل ناعق، لا يميزون بين الحق والباطل والراجح والمرجوح، لأنهم جمعوا بين العجز عن البحث والنظر للوصول إلى الحق، وبين اعتقاد خلافه تقليدًا أو هوى، أو بمجرد الظن أن يحصل الإنسان على العلم بمجرد مطالعة وريقات أو استماع كلمات حتى يقع المرء وهو لا يشعر في حالة من فقدان التمييز وفساد الفطرة وعمى القلب، فلا يستطيع رؤية الحق مع جلائه ووضوحه، والانسياق وراء التمويه بمجرد الشعارات والشبهات.
وهذا التدليس حرم كثيرًا من الشباب الاطلاع على الكثير من كتب الدعوة النافعة بحجزها عمن يريد الاطلاع عليها باتهامها بالقصور أو البدع وغير ذلك من التمويهات وزخرف القول، واقرأ معي هذه القصة المعبرة التي يرويها الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ مفتي الديار السعودية سابقًا في فتاويه 1\75 .
وأنا أقص الآن قصة عبد الرحمن البكري من أهل نجد، كان أولًا من طلاب العلم على العم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل شيخ وغيره، ثم بدا له أن يفتح مدرسة في عمان يعلم فيها التوحيد من كسبه الخاص، فإذا فرغ ما في يده أخذ بضاعة من أحد وسافر إلى الهند وربما أخذ نصف سنة في الهند.
قال الشيخ البكري:
كنت بجوار مسجد في الهند، وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعنوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإذا خرج من المسجد مر بي، وقال: أنا أجيد العربية لكن أحب أن أسمعها من أهلها، ويشرب عندي ماء باردًا، فأهمني ما يفعل في درسه قال: فاحتلت بأن دعوته، وأخذت «كتاب التوحيد» الذي هو حق الله على العبيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونزعت ديباجته «الغلاف» ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه، فلما حضر قلت: أتأذن لي أن آتي ببطيخة فذهبت، فلما رجعت.. إذا هو يقرأ ويهز رأسه «عجبًا» فقال: لمن هذا الكتاب؟! هذه التراجم «عناوين الفصول» شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري!! فقلت لا أدري! ثم قلت: ألا نذهب للشيخ الغزوي لنسأله -وكان صاحب مكتبة- فدخلنا عليه فقلت للشيخ الغزوي كان عندي أوراق سألني الشيخ من هي له؟ فلم أعرف!! ففهم الغزوي المراد، فنادى من يأتي بكتاب «مجموعة التوحيد» فأتى بها فقابل بينهما فقال: هذا لمحمد ابن عبد الوهاب، فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر!! فسكتنا وسكت قليلًا، ثم هدأ غضبه فاسترجع، ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه، ثم صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه، وتفرق تلاميذ له في الهند، وإذا فرغوا من القراءة دعوا جميعًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
انتهى.
أرأيت كيف يعمي التعصب والجهل عن خير كثير مبثوث في كتب الدعاة المجددين، وكيف أن المرء عدو ما جهل، فهل نعتبر ونستفيد ممن نظنهم مبتدعين؟!
***