العنوان المرء بأصغريه
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 75
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 60
السبت 27-مايو-2006
هندسة التأثير
لقد حذر الإسلام من الاستخدام السيئ للسان، ودعا إلى حفظه من فاحش القول وسيئ الكلام، وشجع على أن يتم استعماله فيما ينفع الناس ويحقق لهم مصالحهم الدنيوية والأخروية، وهذا ما يحتاجه المؤثرون والأرقام الصعبة والناجحون والعمالقة الأفذاذ.
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
وصدق القائل إذ يقول:
تكلم وسدد ما استطعت فإنما
كلامك حي والسكوت جماد
فإن لم تجد قولا سديدا تقوله
فصمتك عن غير السداد سداد
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم».
وعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه» (رواه مالك في الموطأ والترمذي, وقال: حديث حسن صحيح).
وحينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز وفدت الوفود من كل بلد لبيان حاجاتها وللتهنئة، فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام هاشمي للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: لينطلق من هو أسن منك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبدًا لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك.
فقال عمر: صدقت، قل ما بدا لك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين، نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد أتيناك لمن الله الذي من علينا بك، ولم يقدمنا إليك رغبة أو رهبة أما الرغبة فقد أتيناك من بلادنا، وأما الرغبة فقد أمنا جورك بعدلك.
فقال عمر: عظني يا غلام، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناسًا من الناس غرهم حلم الله عنهم وطول أملهم وكثرة ثناء الناس عليهم, فزلت بهم الأقدام فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك وطول أملك وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل قدمك، فتلحق بالقوم, فلا جعلك الله منهم، وألحقك بصالحي هذه الأمة، ثم سكت.
فقال عمر: كم عمر الغلام، فقيل له: ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عنه فإذا هو من ولد سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما فأثنى عليه خيرًا، ودعا له، وتمثل قائلًا:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا
وليس أخو علم كمن هو جاهلُ
فإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافلُ
ويروى أن رجلاً قال لزوجته: أنتن يا نساء خادعات ماكرات، هذه صاحبة يوسف فعلت به كذا وكذا ، فقالت الزوجة: من الذي رماه في الجب.. نحن أم أنتم؟
وروي أن امرأة جاءت أحد القضاة فقال لها: جاء معك شهودك؟ فسكتت المرأة، وأعاد القاضي كلامه، فلم ترد المرأة، فقال الكاتب يسألك القاضي: جاء شهودك معك؟ فقالت: نعم، هلا قلت أيها القاضي مثل ما قال كاتبك يا قليل الذوق؟!
لذا احذر أن يتمارى بك اللسان فترد به المهالك، وكان الأولى بك أن تستثمره لصناعة التأثير النافع لك ولأهل بيتك ولمجتمعك، بل ولأمتك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل