العنوان المد والجزر في سياسة منظمة التحرير الفلسطينية
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982
مشاهدات 70
نشر في العدد 574
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-يونيو-1982
- لماذا دخلت منظمة التحرير الفلسطينية وسط متاهة سياسية معقدة؟
- كيف يبدو أثر الخلافات العربية والتناقض في ولاءات المنظمة على سياسة منظمة التحرير؟
إذا كان الهدف الحالي المنظمة التحرير الفلسطينية - كما هو معلن في تصريحات زعمائها - هو إقامة الدولة الفلسطينية، فإن هنالك عوامل وأدوارًا في المنطقة تتجاذب هذا الهدف فتحيطه بهالة ضبابية تارة، وتكشف اللثام عن بعض وقائعه تارة أخرى، وقد انعكس هذا الواقع المحيط بالهدف المذكور على السياسة التي تنتهجها منظمة التحرير الفلسطينية، وأدخلها فيما يشبه المتاهة المتطورة، فجاءت - بالتالي - تصريحات القادة الفلسطينيين متباينة في أكثر الحالات.. يشوبها التداخل.. أو التناقض.. سواء أكان ذلك على المستوى العربي أم المستوى الدولي، ولعل المراقب المنصف لهذه الحالة السياسية القلقة يستطيع تعليل الموقف الفلسطيني هذا بأسبابه ومعطياته، فعلى المستوى العربي تدخل مسألة اختلاف الولاءات العربية - الخارجية من أوسع أبواب القضية الفلسطينية، لتحط بثقلها على سياسة المنظمة وقادتها ومبادئها وأهدافها، وعلى المستوى الدولي تتجاذب القضية الفلسطينية حالتا الوفاق - والصراع الدوليين وموضوع النفوذ الدولي السياسي والعسكري، وهكذا يمكن أن نلاحظ الطبيعة القلقة للموضوع الفلسطيني التي زادها قلقًا واضطرابا تصميم بعض الأطراف العربية على تحويل العمل الفلسطيني العسكري إلى شكل سياسي جعل ياسر عرفات منذ عام ١٩٧٦ يحمل غصن الزيتون إلى جانب البندقية في أروقة الأمم المتحدة.. على أن التصفيات العسكرية التي ما زال آخرها يدور في لبنان على أيدي الردع و"إسرائيل" وبعض الأطراف الأخرى.. والتي تستهدف تحجيم العمل الفلسطيني وإنهاءه لعبت دورًا أساسيًّا في دفع الفلسطينيين إلى الحالة السياسية الصعبة التي يعيشونها اليوم.
المنظمة والتيارات العربية:
لا نريد أن ندخل في موضوع الخلافات العربية التي تعتقد أن جزءًا من أسبابها يعود إلى وجود الولاء الخارجي لبعض الأطراف الحاكمة في الوطن العربي، بقدر ما نريد تناول الأثر الناجم عن تلك التناقضات على الموقف السياسي لمنظمة التحرير، فعربنا اليوم قسمان رئيسان.. الأول: ممثل بالدول التي تطلق على نفسها اسم الصمود والتصدي، والثاني ممثل بالدول التي يطلق عليها اسم الدول المحافظة.
ولهذين التيارين موقف من القضية الفلسطينية والعمل السياسي لمنظمة التحرير جعل سياسة قادة المنظمة بين من هؤلاء وجزر أولئك.
- فالفلسطينيون عقدوا مؤخرًا مع سورية- ما يسمى بالحلف الاستراتيجي، وهو حلف يعتقد معظم المراقبين أن الفلسطينيين دخلوه إرضاء لرغبة سورية... فالسوريون لا يريدون أبدأ خروج المنظمة من تحت مظلتهم، بل هم يمارسون شتى ضروب الضغوط وأنواعها على القادة الفلسطينيين لبقائهم تحت المظلة السورية، مما سبب عددًا من الخلافات برزت بوضوح منذ بضعة أشهر.
- والفلسطينيون مع ذلك حريصون على إبقاء علاقاتهم مع كل من الأردن والعراق - أعداء النظام السوري - على الرغم من محاولات سورية قطع أواصر الصلة بين المنظمة وكل من الأردن والعراق، وقد رفضت حركة فتح طلبًا سوريًا بوضع حد لعلاقاتها مع الأردن والعراق كشرط لإعلان بيان التحالف الاستراتيجي بين الطرفين.
- وقيادة المنظمة لا تستطيع أن تتخلى بحال من الأحوال عن ارتباطها بدول مجلس التعاون الخليجي التي توفر لها دعمًا سياسيًا وماليًا منذ فترة قديمة. وبالتالي فإن هذا الارتباط يملي على قادة المنظمة سياسة - متضاربة مع رغبات مجموعة الصمود والتصدي وسياستها الفلسطينية. من هذا نخلص إلى أن المنظمة تعيش حالة سياسية تتصف بما يلي:
۱ - ضعف القرار السياسي واضطرابه في كثير من الحالات.
٢ - مجاملة بعض الأطراف العربية على حساب سير القضية والعمل الفلسطيني. والانعطاف الكامل نحو العمل السياسي والدبلوماسي.
٣ - عدم وضوح في الرؤية التي يتطلبها الظرف الذي تعيشه الأمة الإسلامية حاليًا.
ولكي نكون منصفين لا بد هنا من الإشارة إلى أن دخول المنظمة الفلسطينية كما هو معلن في صف الصعود والتصدي، إنما هو دخول المحرج المضطر الذي يحاول أن يدرأ عن نفسه الضغوط التي يمكن أن تمارس عليه، كما حدث في مراحل سالفة.
المنظمة والمحاور الدولية:
وهنا الحالة تبدو أشد تعقيدًا لأسباب عديدة منها:
١ - كثرة الأطراف والمحاور الخارجية التي تريد دخول اللعبة الفلسطينية بدافع أهدافها ومصالحها الخاصة في المنطقة العربية بأسرها.
٢- خلافات الأطراف الخارجية حول مواطن النفوذ في المنطقة ورسم خارطة الولاءات بين الأنظمة.
٣- تأثير الكيان اليهودي المغتصب على المحاور الدولية في موقفها من القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وسياسة منظمة التحرير والسياسة العربية بشكل عام.
كل هذا جعل الحالة الفلسطينية على طاولة الكبار أشد تعقيدًا. لذا فإن الموقف الفلسطيني في هذا الإطار أشد اضطرابًا وقلقًا، وإذا كان هناك من يعتقد أن المنظمة الفلسطينية بناء على معطيات معينة روسية الاتجاه كما يلاحظ في جانب من تصريحات قادتها. فإن هنالك مواقف وتصريحات أخرى تشير إلى تفسيرات مغايرة، بل إن هنالك من يصرح بأن المنظمة الفلسطينية باتت راضية بعدد من نقاط الحل الأمريكي للموضوع الفلسطيني. ولعل ذلك ناتج عن شعور بعض القادة الفلسطينيين أن الحل السلمي سوف يجد طريقه إلى المنطقة عبر التناقضات العربية القائمة التي تمكن للنفوذ الدولي أن يفرض نفسه على إرادة مشلولة، ولعل أبرز ما يشير إلى القبول الفلسطيني بجانب من نقاط الحل الأمريكاني قبول المنظمة الفلسطينية مبدأ وقف إطلاق النار بينها وبين الكيان اليهودي، هذا المبدأ الذي أفادت منه "إسرائيل" أيما إفادة. تمكنت من جر الطرف الفلسطيني إلى القبول بمبدأ السلام ومن ثم انسحبت معللة أن وقف إطلاق النار خاص بالطرفين "الإسرائيلي" – واللبناني، هنا تتضح الأسباب الأمريكية في موقف منظمة التحرير التي دخلت مرحلة أخرى بعد «كامب ديفيد»، وإذا كانت الولايات المتحدة اليوم ترفض الاعتراف بالمنظمة رسميًا. إلا أنها أبقت على خيوط الاتصال معها سرًا أو بشكل غير مباشر، منذ أن بدأت بالتحضير للسياسة السلمية في المنطقة.
على أن المواقف الدولية الأخرى تظل خارج الهامش الأمريكي إذا ما قيست بأثر البيت الأبيض على المشكلة الفلسطينية. لكن الأمر الذي يخشى منه على المنطقة هو أن تغدو الضحية وسط لعبة الكبار واللعبة الأمريكية اليهودية التي تجعل - موقف البيت الأبيض موقفًا "إسرائيليًا" أو شبيهًا بالموقف "الإسرائيلي"، وإلا بماذا تفسر حرص الولايات المتحدة على أن تعترف منظمة التحرير بدولة "إسرائيل"، وهنا لا بد أن نكرر ما كنا ذكرناه وهو أن وجهة النظر الأمريكية تقوم أساسًا على أنه لا يمكن الاعتراف بالمنظمة ما لم تعترف المنظمة "بإسرائيل"، وقرارات مجلس الأمن رقم «٢٤٢»و «۳۳۸»، فإذا ما فعلت المنظمة ذلك، فسوف تعترف بها أمريكا وستبذل جهدها عند ذلك لإقامة ما يسمى بالدولة الفلسطينية المحتملة. وهكذا تقف منظمة التحرير وسط الآمال التي يعتقد بعض المراقبين أنها قد تعود على المنظمة نفسها بكثير من الحسرة والندم، ويبقى بعد هذا أن المنظمة تدفع الكثير من التكاليف من جراء الصدع أو الصدوع العميقة التي خلفتها الصراعات المحتدمة في الصف العربي والإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل