العنوان المدينة المنورة.. مزارات وتاريخ (۳).. مقابر شهداء أحد
الكاتب محمد عبدالله فرح
تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2011
مشاهدات 193
نشر في العدد 1946
نشر في الصفحة 54
السبت 02-أبريل-2011
- تقع مقبرة شهداء «أحد» شمال المسجد النبوي على بعد أربع كيلومترات وتضم بين جنباتها سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ.
- كان رسول الله ﷺ يتعهدهم بالزيارة بين الحين والآخر. وقد صلى عليهم بعد ثمانية أعوام.
- في المعركة فشلت عبقرية «خالد» أمام عبقرية رسول الله ﷺ.
- قصص النماذج الرائعة من أبطال الغزوة ممن دافعوا عن رسول الله ﷺ ببسالة منقطعة النظير.
في العدد الماضي، بدأنا زياراتنا للمعالم الأثرية بالمدينة المنورة بزيارة جبل «أحد»، وتناولنا أحداث غزوة أحد».. واليوم نستكمل الحديث عن هذه الغزوة، ونقوم بزيارة مقابر شهدائها، ونتحدث عن نماذج من أبطالها.
فقد وصل الخبر إلى المسلمين بأن الرسول ﷺ حي يرزق فأسرعوا إليه؛ لئلا يصل إليه شيء يكرهونه، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات، وستة من الأنصار قد قتلوا، والسابع قد أثبتته الجروح وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا أقاموا حوله سياجًا من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو، ورد هجماته.
التفاف الصحابة
وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق، ومن بعده أبو عبيدة بن الجراح؛ فوجدا حلقتين من حلق المغفر في وجنته ﷺ، فذهب أبو بكر الصديق لنزعهما عن النبي ﷺ، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، فأخذ بفيه فجعل ينضضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ، ثم استل السهم بفيه، فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لأخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال: فأخذه فجعل ينضضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى.. وخلال هذه اللحظات الحرجة، اجتمع حول النبي ﷺ عصابة من أبطال المسلمين، منهم: علي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبو طلحة.. حتى تجمع حوله حوالي ثلاثين رجلًا من الصحابة وعاد إلى المسلمين صوابهم، وارتفعت معنوياتهم، لتعود المعركة أشد ضراوة من قبل، وزاد ضغط المشركين على المسلمين، حتى سقط رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته، وأخذه علي بن أبي طالب بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا.
وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر الرباعية الشريفة - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه - عتبة هذا إلا أنه لم يظفر به، بل ظفر به حاطب.
وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله ﷺ في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين واشتد المشركون في هجومهم؛ لعرقلة الانسحاب، إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام.
وشق لبقية الجيش طريقا إلى هذا المقام المأمون، فتلاحق به في الجبل وفشلت عبقرية «خالد» أمام عبقرية رسول الله ﷺ.
مقتل أبي بن خلف
وأقبل أبي بن خلف على فرس له هاتفًا بأعلى صوته: «أين محمد؟ لا نجوت إن نجا»، فهب إليه قوم ليقتلوه، لكن النبي ﷺ منعهم من ذلك وقال: «دعوه»، ولما اقترب منه طعنه رسول الله ﷺ في ترقوته، فاحتقن الدم فيه، وجعل يصيح ويقول: قتلني والله محمد، فقال له المشركون ما بك من بأس، فقال: «والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين»، فلم يلبث قليلا حتى مات.
وفي أثناء انسحاب رسول الله ﷺ إلى الجبل، عرضت له صخرة منه، فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع؛ لأنه كان قد بَدَنَ وظاهر بين الدرعين، وقد أصابه جرح شديد.. فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، وقال: «أوْجَبَ طلحة»، أي: الجنة.
ولما استقر رسول الله ﷺ في مقره من الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ دَرَقَته ماء من المهراس قيل: هو صخرة منقورة تسع كثيرًا. وقيل: اسم ماء بأحد، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه». وقال سهل: والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ، ومن كان يسكب الماء، وبما دووِي.. كانت فاطمة ابنته تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، فألصقتها فاستمسك الدم.
وجاء محمد بن مسلمة بماء عذب سائغ، فشرب منه النبي ﷺ ودعا له بخير، وصلى الظهر قاعدًا من أثر الجراح، وصلى المسلمون خلفه قعودًا.
التمثيل بالشهداء
رجع المشركون إلى مقرهم، وأخذوا يتهيؤون للرجوع إلى مكة، واشتغل من اشتغل منهم - وكذا اشتغلت نساؤهم - بقتلى المسلمين يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون.. وبقرت هند بنت عتبة بطن «حمزة»، وأخذت كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تستسيغها فلفظتها، واتخذت من الآذان والأنوف خَدَمًا (خلاخيل) وقلائد.
شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة
ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم.. فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما معهم يسوؤك ثم قال: اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ: «ألا تجيبوه؟»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل، ثم قال: لنا العزى، ولا عزى لكم. قال ﷺ: «ألا تجيبوه؟»، قالوا: ما نقول؟ قال ﷺ: «قولوا الله، مولانا، ولا مولى لكم»، ثم قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
الرسول ﷺ يثني على ربه ويدعوه
روى الإمام أحمد: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ: «استووا حتى أثني على ربي عز وجل»، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال ﷺ: «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب... إله الحق».
مقبرة شهداء «أُحد»
تقع مقبرة شهداء «أحد» في شمال المسجد النبوي، وعلى بعد أربع كيلومترات منه، وتضم بين جنباتها سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ استشهدوا في معركة «أحد»، وفي مقدمتهم عمه حمزة بن عبد المطلب (سيد الشهداء)، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش وحنظلة بن أبي عامر (غسيل الملائكة)، وعبد الله بن جبير، وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام (رضي الله عنهم أجمعين).
وكان رسول الله ﷺ يتعهدهم بالزيارة بين الحين والآخر، فعن طلحة بن عبيد الله رضي الله قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ يريد قبور الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حرة واقم فإذا قبور، فقلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: «قبور أصحابنا». فلما جئنا قبور الشهداء قال ﷺ: «هذه قبور إخواننا (رواه أحمد وأبو داود).. وروى البخاري عن عقبة بن عامر الله قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع.
النماذج الإيمانية الرائعة
1- على رأس هذه النماذج القائد القدوة الرسول ﷺ، الذي شجت جبهته، وكسرت، رباعيته وكلمت شفتاه ودخلت حلقتا المغفر في وجهه، وسال دمه الشريف.. لكي يصل إلينا هذا الدين غضًّا كما أنزل عليه ﷺ.
٢ - سيدنا الزبير بن العوام قائد ميسرة الجيش الذي خرج في بداية المعركة لمبارزة طلحة بن أبي طلحة؛ فانقض عليه كالليث وقطع رقبته، وعندها كبر النبي ﷺ:
«الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. إن لكل نبي حواري وحواريي الزبير بن العوام».
3- الشهيد الذي تمنى على الله أن يطأ بعرجته الجنة، فقبل الله أمنيته، وهو سيدنا عمرو بن الجموح، رغم أن الله قد جعل له بعرجته الشديدة هذه رخصة في عدم الخروج للقتال، ولكنه رغب في الجنة ونال ما تمنى.
٤- سيدنا عبد الله بن جحش الذي قال يوم «أحد»: اللهم إني أقسم عليك أن ألاقي غدًا رجلًا من المشركين يقاتلني وأقاتله فأقتله، وآخر فأقتله، ثم يقابلني رجل ثالث شديد البأس شديد القوى يقاتلني وأقاتله فيقتلني، ويبقر بطني ويجدع أنفي ويقطع أذني.. فآتيك هكذا فتسألني: فيم ذلك؟ فأقول: فيك يارب، فوجد سيدنا عبد الله بن جحش كما تمنى.. الهدف هو الجنة.
5- رجل صدق الله فصدقه الله؛ سيدنا أنس بن النضر الذي مر بالطائفة التي رجعت إلى المدينة بعد أن صدقت إشاعة موت رسول الله ﷺ، كان من الذين لم يحضروا «بدرًا»، وقد عاهد الله إذا حضر معركة من المعارك سوف يُري الله منه خيرا. فقال لهم ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ فقال: وما تصنعون بالحياة من بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه.. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: إلى أين يا أبا عمر؟ فقال: واه لريح الجنة يا سعد سعد، إني أجده دون «أحد».. فقاتل القوم حتى قتل ولم يتعرف أحد عليه إلا أخته بعلامة في بنائه وبه بضع وثمانون طعنة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، قال تعالى:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).
٦- سيدنا مصعب بن عمير (أول سفير في الإسلام)؛ كان يحمل لواء المسلمين في المعركة، قاتل بضراوة حتى. لا يقع اللواء ويأتي الإسلام من قبله، فضربه المشركون على يده اليمني حتى قطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضربوه عليها حتى قطعت فبرك على اللواء بصدره وعنقه حتى قتل روفة بضربة رمح في نحره
7- سيدنا حنظلة بن عامر (غسيل الملائكة)؛ الذي وجده الصحابة بعد المعركة يقطر منه الماء، فأخبر رسول الله أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال ﷺ: «سلوا أهله ما شأنه؟»، فسألوا امرأته، فأخبرتهم أنه كان يوم عرسه، فلما نادى منادي الجهاد وكان يجامعها فنزع نفسه منها ولبى منادي الجهاد دون أن يغتسل.
8- سيدنا طلحة بن عبيد الله؛ والذي قاتل ببسالة دفاعًا عن رسول الله ﷺ قاتل قتال أحد عشر رجلًا حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال له النبي ﷺ: «لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك»، وجُرح يومئذ تسعة وثلاثين جرحًا وشلت السبابة والتي تليها وفي رواية أخرى: شلت يمينه كلها عندما وضعها أمام سهم كان في اتجاه رسول الله ﷺ فجاء السهم في كفه فشلت من أجل الدفاع عن رسول الله ﷺ، وروى الترمذي وابن ماجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه يومئذ: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض؛ فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».
٩- سيدنا سعد بن أبي وقاص؛ دافع عن الرسول ﷺ باستبسال وشجاعة، نقل له رسول الله ﷺ من كنانته، وقال: «ارم سعد فداك أبي وأمي؛ مما يدل على مدى استبساله وكفاءته، فالنبي لم يجمع لأحد أبويه في الدعاء غير سهل».
١٠- سيدنا حمزة بن عبد المطلب (أسد الله ورسوله)؛ الذي وصفه قاتله «وحشي»: «والله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق به شيء مثل الجمل الأورق» حتى رماه «وحشي» بحربة فقتله فنال الشهادة.
١١- سيدنا أبو دجانة (سماك بن خرشه)؛ الذي ترس نفسه دون الرسول ﷺ ليقع النبل على ظهره وهو منحن على رسول الله ﷺ حتى كثر النبل عليه وهو لا يتحرك كي يفدي الرسول ﷺ، حتى أصبح مثل القنفد.
۱۲- أم عمارة (نسيبة بنت كعب) ودور النساء في المعركة التي دافعت عن رسول الله ﷺ ضد «بن قمئة» أحد فرسان المشركين، الذي كان يريد قتل الرسول ﷺ فاعترضته أم عمارة فضربها بالسيف على عاتقها فتركت الضربة جرحا عميقا بمقدار قبضة اليد، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصيبت باثني عشر جرحًا، بل وجدت ابنها قد أصابه سهم في كتفه فنزعته وقالت له: قم فدافع عن رسول الله ﷺ.
١٣ - عمرو بن أقيش (الأصيرم): وكان يأبى الإسلام، فلما كان يوم «أحد»، قذف الله الإسلام في قلبه، فأسلم وأخذ سيفه، فقاتل حتى أثخن بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره، فوجده قومه وبه رمق يسير، فقالوا: والله إن هذا الأصيرم، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أنجدة لقومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ومات من وقته، فذكروه لرسول الله ﷺ، فشهد له بالجنة ولم يسجد لله سجدة قط.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل