; المدارس الفكرية بين العقل والنقل | مجلة المجتمع

العنوان المدارس الفكرية بين العقل والنقل

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986

مشاهدات 52

نشر في العدد 780

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 26-أغسطس-1986

  • المبدأ العقلاني عند المسلمين تغلغل إبان الدولة العباسية على يد المعتزلة.
  • استخدام الإنسان للعقل في غير موضعه يؤدي لصراعات وخلافات مدمرة.

نشرت الوطن بتاريخ 19/8/1986، كلمة بتوقيع «بو عزوز» أشارت إلى أهمية العقل في القرآن والسنة النبوية، بينما قد غاب العقل- أو تم تغييبه- في أمور الأمة العامة والخاصة، وهذا من أسباب تأخرها؛ حيث تعتمد على النقل أو النصوص الحرفية، وتستبعد العقل، ولذلك فنحن في حاجة لإعادة النظر في مناهج التربية الإسلامية في مدارسنا؛ بحيث يدرس الطلاب جميع المدارس الفكرية بما فيها فكر المعتزلة، بعيدًا عن التوجهات التي تؤمن بنظرية «من يمنطق فقد تزندق»، وإذ نتفق مع كاتب المقال على استبعاد أمتنا للعقل في أمورها العامة، وهي مسؤولية المثقفين والساسة، فإننا نختلف معه في أن الأمة تعتمد على النصوص الحرفية من القرآن والسنة، وتستبعد العقل، وفي النظرة إلى مناهج التربية الإسلامية في المدارس فهي لا تطبق نظرية «من تمنطق فقد تزندق»؛ وليس في هذه المناهج من عيب سوى النظر في مدى ملاءمة المنهج للسنة الدراسية، أي لعمر التلميذ وإدراكه وهذا ما يجب البحث فيه.

أما موضع العقل فالإسلام يفرق بين ما يخضع للتجارب من الأمور؛ فيطلق فيه العنان للعقل وللتجارب الإنسانية، وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، أما ما لا يخضع للتجارب المادية الإنسانية كالمحرمات والعبادات فدور العقل فيه هو فهم النصوص الواردة في القرآن والسنة.

والإسلام قد وضع العقل في مكانه الصحيح؛ لأن العقل يستمد حكمه من خلال الحواس الخمسة، فلا يعرف الأبيض من الأسود إلا عن طريق حاسة البصر؛ وبالتالي، فالمجال الذي ينفرد فيه العقل بالحكم على الأشياء هو ما خضع لنطاق هذه الحواس، والأمور غير المادية التي لا تخضع بذاتها لنطاق هذه الحواس، فسبيل العقل فيها هو الآثار المادية التي تدل عليها، فتعرف النجوم والكواكب التي لا ترى بالمناظير المكبرة عن طريق الضوء الصادر عن هذه الكواكب، ولهذا أرشدنا الله إلى هذه الوسيلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164).

إن استخدام الإنسان عقله في غير موضعه، نشأ عنه صراعات وخلافات دفعت البشرية ثمنها، وما زالت تجني آثار الصراع بين أصحاب المذاهب السياسية والاجتماعية على مر السنين، ونتيجة لذلك ظهر ما يسمى بالمذهب الفردي والمذهب الجماعي، وأصحاب هذه المذاهب قد تجاوزوا حدود الفكر الذي بنيت عليه فلسفتهم، فابتدعت كل طائفة تفسيرًا لأحداث التاريخ الإنساني يؤيد فلسفتها، كالفلسفة الأوروبية والفلسفة المادية.

كما وضعت كل فرقة مناهج للنفس البشرية، مع أن هذه النفس لا تخضع للتجارب المادية، وبالتالي فالمناهج التي تبنتها كل فرقة ليست علمًا بالمعنى الصحيح، فلم تبن على نتائج محددة لتجارب علمية، ومن ثم اختلفت هذه المناهج اختلافًا شاسعًا، حيث بنيت على الظن والتسليم بصحة المذهب الاجتماعي التي انبثقت عنه.

لقد ظهر ذلك في الفلسفة التاريخية الأوروبية، وفي منهاجها ومؤثراتها، كأثر لحرمان الإنسان من حرية التفكير، ولحرق المئات من العلماء والمفكرين، بدعوى أن هذا العلم في نظر الفكر الديني الأوروبي السائد في القرون الوسطى هو سحر وهرطقة، ومن المحزن المبكي أن المجتمعات العربية والإسلامية قد سادها فكر قومي تابع للغرب ومذاهبه، حتى انضموا إليه في إسقاط الخلافة الإسلامية ومحاربتها، لأن بريطانيا- في زعمهم- ستقيم لهم خلافة إسلامية عربية قرشية هاشمية، مما كان له بالغ الأثر في المنطقة العربية.

كما تجاسر أفراد للعمل على إخضاع الإسلام وقيمه للفكر الماركسي، فزعموا أن النبي- صلى الله عليه وسلم- هو مؤسس اليسار ومشرع مبادئه، وأن أصحابه كانوا موزعين بين اليمين واليسار، حسبما فصله هذا الكتاب، ورد عليه بما يبطله ويكشف أهداف دعاته.

ولقد كان لهذه الفلسفات بشطريها أثر في فكر بعض المسلمين الذين يعلمون ظاهرًا من علوم الدنيا، وهم عن الإسلام هم غافلون؛ فظهر الصراع بين أهل العقل وأهل النص، وظهر ما يسمى باليمين الإسلامي واليسار الإسلامي، وحاول كل طرف أن يؤيد مذهبه وفكره بتفسير خاطئ للقرآن والسنة النبوية، وتحريف صريح لمواقف صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجهادهم كما تشير إليه فصول هذا الكتاب.

موقف البشر من العقل:

انقسم الناس إلى ثلاث طوائف في موقفهم من العقل، فطائفة مفرطة إذ تجعل العقل هو الأساس والمصدر للأحكام الشرعية، وطائفة تجمد عقولها، فلا تأخذ بالعلة من الأحكام والنصوص الشرعية، فتقول: إن قول الله عن الوالدين: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ (الإسراء: 23) لا يحرم ضربهما، وإن تحريم النبي التبول في الماء لا يحرم التغوط فيه.

وقوم معتدلون في استخدام العقل، يعملونه في مكان عمله، ويعطلونه في حيز تعطيله.

اشتهر الفلاسفة والمناطقة سواء الذين كانوا قبل الإسلام من فلاسفة الإغريق واليونان، أو كانوا بعد الإسلام من الذين يعبر عنهم المؤرخون بفلاسفة الإسلام كمثل ابن سينا والفارابي، ومن مثل من كانوا قبل الإسلام كأرسطو و أفلاطون وغيرهم ممن ذكر لهم علماء التاريخ في الملل والنحل وبناء علم المنطق، كما أصل أصوله الفيلسوف أرسطو على العقل المجرد، فكل الإثباتات على الدلائل العقلية؛ فلذلك ظهرت عند هؤلاء عقائد محدثة لم يعرف لها التاريخ مثيلًا، إلى جانب أنها تخالف ما قرره الرسل عن ربهم، فصار عندهم القول بقدم العالم الذي ينبني عليه عدمية الانعدام والفناء للكون بما فيه من مخلوقات، مع أن العقل يقر حدوث العالم كما بين ذلك الإمام عبد القادر البغدادي في أصول الدين ص 24، إلى غير ذلك من المعتقدات الزائفة.

تغلغل المبدأ العقلاني عند المسلمين- إبان الدولة العباسية- على يد بعض من علماء الكلام من المعتزلة بتأييد وتشجيع من بعض خلفاء بني العباس، فنقلت كتب فلاسفة الإغريق واليونان إلى العربية، ودرسها بعض ممن له مدارك عقلانية، فحاول التقريب بينها وبين عقيدة الإسلام، وأنى لهما التقارب والتلاقي! فتمخض عن هذا التقريب كثير من القضايا، والتي هي نتاج مبدأ عام أصل أصوله المعتزلة، وهو مبدأ التحسين والتقبيح العقلي، والذي يلتقي مع قول البراهمة، كما نقل الجويني في الإرشاد ص 263، والذي كان من نتائج فروعه القول: بقبح ذبح البهائم للأكل عند البراهمة، مع أن هذا أمر أجازته كل الأديان، ويجيزه العقل السليم، ونتج عن هذه القاعدة عند المعتزلة كثير من الانحرافات العقائدية، التي انفردوا بها عن كثير من الطوائف المختلفة، ثم إن مبدأ التحكيم العقلاني عند المعتزلة مبدأ راسخ وقوي، لذلك نجد إمامهم الأول والأخير في القرن الثالث والرابع عبد الجبار الهمذاني، يقرر في كتابه الضخم شرح الأصول الخمسة أن الأدلة أربعة: العقل والقرآن والسنة والإجماع، وقدم العقل على الأصول الأولى المعتبرة في تلقي الأحكام.

وقد كان من نتاج تحكيم العقول إلغاء الكثير من الأصول العامة للشريعة، إلى جانب كثير من الأمور الفرعية التي تتعلق بالأحكام العملية، فصار قبول النص على ميزان العقل، فما رجح العقل قبوله قبل، وما جحده العقل رد ونفي، وقد ترتب على ذلك نسف لكثير من الغيبيات التي جاء بها الشرع التي لا توافق عقولهم القاصرة، والذي سود له كثير من أرباب هذا المذهب كثيرًا من الصفحات مثل الهمذاني الآنف الذكر في كتابه المشار إليه، فقد دون عشرات الصفحات في إثبات ذلك الذي ينبني عليه طمس للفطرة التي يفطر عليها الإنسان، وهي: الاتجاه إلى الله إذا لم تجتاحه العوارض والمؤثرات الخارجية، وطمس هذه الفطرة هو تعطيل لأول سبيل من السبيلين اللذين جعلهما الله سبيلًا في هداية البشر إلى طريقه.

في مقابل ذلك نجد فريقًا آخر عطل العقل ولم يستفد منه في إثبات ما هو من قبيل المدركات الضرورية التي جعل الله العلم بها ضروريًا، فنجد كثيرًا من الفرق الباطنية التي تقدس أئمتها، وتعلي منزلتهم وأقوالهم وأفعالهم كأنها منزلة من عند الله، إلى جانب المقلدة على العصور، الذين يقلدون إمامهم في المذهب تقليدًا أعمى.

«وللمزيد في ذلك يرجع إلى كتاب الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار، الفصل الأول».

الرابط المختصر :