العنوان المخطط الإسرائيلي الجديد في الجنوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 712
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-أبريل-1985
- المقاومة الإسلامية حريصة على عدم التورط في معارك جانبية تفتعلها إسرائيل.
- إسرائيل تسعى إلى النصارى في الجنوب.. وطرد سكان القرى الجنوبية شمالًا.
كتب مراسل المجتمع من الجنوب اللبناني:
الجنوب اللبناني يقف الآن على عتبة المرحلة الثانية للانسحاب الإسرائيلي، فقد تمت المرحلة الأولى بنجاح من منطقتي صيد والزهراني في ١٦ شباط - فبراير الماضي، وخلال هذا الشهر ينبغي أن تنسحب إسرائيل من منطقة واسعة قد تشمل جبل الباروك ومنطقة جزين ومدينة صور وصولًا إلى البقاع الغربي، وأن تكتفي بالبقاء فترة أطول في منطقة الشريط الحدودي القديمة التي كان يسيطر عليها سعد حداد والتي أطلق عليها اسم «جمهورية لبنان الحر».
لكن... هل يمكن أن تلقي إسرائيل سلاحها هكذا، دفعة واحدة وأن تترك لبنان ينعم بالراحة والرخاء بعد أن احتلت جزءًا كبيرًا منه مدة ثلاثين شهرًا أو تزيد؟ لقد تم الانسحاب من منطقة صيدا دون مشاكل ولا مذابح طائفية كانت تهدد بها إسرائيل على اعتبار أن اللبنانيين غير قادرين على أن يتعايشوا بسلام. ودخل الجيش اللبناني في المنطقة، وكذلك القوى الوطنية والإسلامية واستمر الوضع هادئًا مدة شهر كامل، إلى أن تحرك عملاء إسرائيل من جديد ليعطلوا مسيرة السلام والتحرير.
انتفاضة القوات اللبنانية:
وفي وقت واحد تقريبًا تتحرك الأصابع الصهيونية في لبنان في الشمال يعلن الدكتور سمير جعجع «قائد قوات كتائب الشمال» عن خروجه على القيادة المركزية للقوات اللبنانية، و يستولى على المواقع والثكنات في أجزاء من بيروت الشرقية وعلى ساحل كسروان، كما يستولي على إذاعة «صوت لبنان» الناطقة باسم الكتائب، ويجري تشكيل مجلس قيادة لما يسمى «الانتفاضة» في القوات اللبنانية، يعلن أن هدفه الرئيسي هو استقلال القرار المسيحي، والعودة في توازن العلاقة ما بين سوريا وإسرائيل على اعتبار أن أمين الجميل «رئيس الجمهورية ووريث زعامة حزب الكتائب» ألغى اتفاق أيار مع إسرائيل وراهن على علاقته بسوريا، وهو يتحرك داخليًا وخارجيًا بتنسيق كامل مع دمشق، مما أفقد الموارنة استقلالية القرار. هذه الانتفاضة كانت تعني بكل وضوح انتهاء حالة التفاهم الوطني التي انبثقت عنها حكومة الوحدة الوطنية، وعودة محاور القتال، فضلًا عن احتمالات الصراع الداخلي بين تيار المكتب السياسي الكتائبي وسيادة الأمر الواقع الذي فرضه سمير جعجع من خلال سيطرته على القوات اللبنانية. وكانت هذه هي الطعنة الأولى التي وجهت إلى استقرار الوضع في لبنان.
أحداث مدينة صيدا:
في نفس الوقت تقريبًا تبدأ «القوات اللبنانية» الموجودة داخل منطقة الاحتلال الإسرائيلي تحرشها بمراكز الجيش اللبناني الموجودة شرق مدينة صيدا في الجنوب، بعد أن طالبت بتبديل الكتيبة ۹۸ الموجودة هناك بحجة أن عناصرها هم من المسلمين المتعصبين القادمين من طرابلس، وبدأت فعلًا توجه رصاصها وقذائفها إلى مراكز الجيش مما حمل العناصر إلى إخلاء مواقعهم في بعض الأحيان.
لأن سياسة قيادة الجيش ما تزال تتجه نحو عدم تمكين العناصر المسلمة في الجيش من أي تسليح ثقيل، وأن عناصر اللواء السادس واللواء الثاني عشر الموجودة في الجنوب لا تملك إلا بنادق قديمة، فلا مدفعية ولا دبابات حتى ولا سيارات عسكرية لنقل الجنود. إزاء هذا الواقع وجدت القوى الإسلامية في منطقة «القياعة» الواقعة شرق صيدا أن واجبها يحتم عليها مساندة عناصر الجيش حتى لا ينكشف السكان المدنيون ويقعون فريسة القتل والخطف والنهب والاعتداء على الأعراض، مما تمارسه عصابات القوات اللبنانية في المنطقة.
ومع أن ما قامت به القوى الإسلامية كان ضمن حدود الدفاع عن النفس وتطهير بعض الأبنية التي تتخذها عصابات الكتائب مراكز للقنص وإطلاق النار على السكان الآمنين.. فقد بدأ الإعلام الماروني حملة مسعورة ضد قوات الجماعة الإسلامية متهمًا إياها بالإرهاب والتطرف، ولا سيما عبر إذاعة «صوت لبنان» وجريدة العمل، وبقتل النصارى وخطفهم.
فخ إسرائيلي.. لماذا؟
حرصت القوى الإسلامية في لبنان على ألا تنساق مع ما تريده قوات الموارنة وما تخطط له إسرائيل. فالموارنة في الجنوب يدركون تمامًا كم أساءوا إلى المسلمين -لبنانيين وفلسطينيين- في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وأنهم إذا لم يحوزوا اعترافًا إسلاميا بهم في ظل الاحتلال الإسرائيلي لبعض مناطق الجنوب فإن ذلك سيكون مستحيلًا بعد المرحلة الثانية من الانسحاب الإسرائيلي. ولذا فقد أرادوا في الشمال أن يكونوا الناطقين باسم الموارنة على اعتبار أن رئيس الجمهورية أمين الجميل لم يعد يمثل طموحهم، وأرادوا في الجنوب تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع القوى الإسلامية في مدينة صيدا، ولما كان المسلمون - سواء في الشمال أو الجنوب يدركون بأن الزعامة الجديدة لما يسمى بالقوات اللبنانية هي مجرد جيب إسرائيلي في لبنان، فقد رفضوا ذلك بإصرار، مع حرصهم على ألا تحصل أية أحداث من شأنها إعطاء مبرر لتدخل إسرائيل بحجة حماية النصارى في الجنوب. ولذا فقد كان الموقف الإسلامي هو الاكتفاء بالدفاع عن النفس وعدم الاستجابة للشرك الإسرائيلي.
الهدف الثاني الذي تسعى لتحقيقه إسرائيل من خلال فتح المجابهة بين المسلمين والنصارى في الجنوب هو إيجاد بؤرة لصراع طائفي طويل يستدعي وجود محاور قتالية وجبهات مفتوحة تستهلك قدرات المسلمين وتستنزف طاقاتهم في معركة جانبية تشغلهم عن متابعة القوات الإسرائيلية المنسحبة.
الهدف الثالث الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه هو تبادل سكاني خبيث، يتم على الشكل التالي: تقوم مجازر طائفية حول صيدا، يذهب النصارى ضحيتها، فيضطرون للهجرة إلى المناطق الجنوبية في منطقة الشريط الحدودي الأكثر أمنا باعتبار أنها المنفذ الوحيد أمامهم.
وبالمقابل تقوم إسرائيل بالضغط على سكان القرى الإسلامية الشيعية من أجل حملهم على إخلاء مناطقهم والاتجاه شمالًا نحو صيدا.
هذا المخطط يخدم إسرائيل باتجاهين: الأول هو قيام منطقة عازلة تتلقى الضربات بالنيابة عن مستوطنات الجليل، والثاني هو نشوء حساسية مذهبية بين أهالي صيدا ذات الأغلبية الإسلامية السنية والمهجرين من الجنوب وأغلبيتهم من المسلمين الشيعة.. فترتاح إسرائيل وتشغل خصومها بعضهم ببعض.
هل يحقق المخطط الإسرائيلي أغراضه؟
إن إسرائيل تملك أوراقًا كثيرة لم تنزل بها إلى ساحة الصراع بعد. وتملك ألغامًا موقوتة كثيرة لم تفجرها بعد على الساحة اللبنانية. والمنجز الوحيد الذي استطاعت المقاومة الإسلامية تحقيقه هو حمل إسرائيل على الانسحاب دون شروط ولا تنازلات ولا مفاوضات. وأن تشل قدرة اليهود على التخطيط والتقرير والتآمر بفعل العمليات البطولية التي يقوم بها أبطال المقاومة، سواء منها المسماة «انتحارية» أو المواجهات الشعبية التي يقوم بها أهالي القرى الجنوبية من خلال تصديها للقوات الإسرائيلية الغازية. ورغم الوحشية الكبيرة التي باتت تتسم بها تصرفات الجيش الإسرائيلي تحت ما يسمى بسياسة القبضة الحديدية، ورغم تعاظم عدد الإصابات في صفوف المسلمين المقاومين الصامدين.. فإن التحدي يستمر وسيلاحق إسرائيل إلى أي شبر من الأرض تنسحب إليه.
لكن كل هذا لا يعني أن إسرائيل قد ألقت سلاحها، وأن عملاءها - المكشوفين والمستورين قد فقدوا قدرتهم على الحركة والتخريب. لذلك فإن الصف الإسلامي واع جدًا لما تحيكه إسرائيل وتخطط له. ولذلك فهو يحرص على ألا يستجيب لردات الفعل ولا للاستدراج اليهودي. وهذا هو مبرر الاكتفاء بموقف الدفاع عن النفس ورد الصاع صاعين على جبهة الجنوب مع عصابات الكتائب. وكل ما يهم المقاومة الإسلامية الآن في الجنوب هو ألا تمنح القوى المارونية العميلة فرصة الاستعانة بالقوات الإسرائيلية قبل أن تنفذ إسرائيل انسحابها الثاني. وبعد ذلك فسيكون للقضية وجه آخر وسيكون التعامل معها بأسلوب مختلف، مع حرصها على الاحتفاظ بمواقعها وحماية المسلمين في المنطقة من أي عدوان.