; المخزون الروحي.و المخزون البترولي | مجلة المجتمع

العنوان المخزون الروحي.و المخزون البترولي

الكاتب عبد الجليل النذير

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973

مشاهدات 13

نشر في العدد 149

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-مايو-1973

في أيامنا هذه ظهرت في الصحافة دعوة واضحة للاستفادة من الطاقة المودعة عند العرب من الزيت، وذهبت التقديرات إلى أن العرب يمكنهم شراء شركات النفط في العالم حتى يشعر الأوروبي بقيمة العربي كلما ذهب إلى المحطة ليتزود بجالون.. إنه تقرير اتفق عليه العرب وعدوهم؛ ذلك أنه في إمكاننا استخدام هذا السلاح.. إذن ما السر في عدم استخدام هذا السلاح؟ ولماذا تكتب مجلة «تايم» الأمريكية أن العرب ما زالوا يشترون بعائد الزيت سقط المتاع؟

السبب هو ذهول العرب عن كنزهم الأول وثروتهم العظيمة التي بها تستوظف طاقة الإنسان وطاقة الكون حوله.. إن الإنسان اليوم وعن طريق التجريب أدرك أن الأشياء تتركب من أجزاء، وإذا لم تكتمل الأجزاء لا يمكن ظهور شيء ما في صورته الحقيقية، مثلًا «النواة» فيها خصائص لتصبح نخلة باسقة، نغرسها في التربة ونرويها بالماء، ولكننا لا نراها تنمو، ونصاب بالدهشة قبل أن نكتشف أن طاقة الشمس لا تصل إليها؛ لأننا بذرناها في الظل بينما النمو لا يتم والغذاء لا يصنع إلا بالنور مع الخضر والكربون والماء، وكذلك العرب -وعدوهم- يحسبون كل وسائل العصر وينسون عنصرًا هامًا وأساسيًا.. هو ذلك النور الضروري لنمو كل غرسة وانتصارها على ما يغطيها من تراب منشقة بعد أن تدب فيها الحياة وتهتز لها رابية.

إن أعداءنا لا يشيرون لهذا النور الذي أودع عندنا اليوم؛ لأنهم جاهدوا كثيرًا لإطفائه. واجهوه حينًا بالحرب وجهًا لوجه فعجزوا عن إطفائه، فلجأوا لامتصاصه بسواد المكيدة والمكر حتى وظفوا طاقته وجندوا حملته في خدمتهم لإطفاء نورهم وتخريب بيوتهم.

إن النور هو الأساس لكل نهضة وهو ما يعرفه البعض بـ«الروح المعنوية».. إن النهضات في العالم انطلقت من فكرة كانت حافزًا للبذل في سبيلها؛ لأن الفكرة هي الشيء الوحيد الذي يشترك فيه الناس فيتحدون، لا المصالح المشتركة ولا العدو المشترك، بدليل فشل كل مؤتمر يعقده العرب رغم عدوهم المشترك ومصالحهم المشتركة؛ ذلك أن قلوبهم شتى.

أما الروح الوحيد عند العرب الذي أثبت فعاليته كلما جدد استعماله فهو ذلك الكتاب، واليوم العرب يحتفلون بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا يوجه لهم اتهامًا وشكوى لرب العالمين قائلًا: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30).

وليت هجرانهم جميل؛ فإنهم تخلفوا عنه ووصفوه بالرجعية والتأخر حتى وضعوه في كفة والإبداع المادي في الكفة الأخرى.. ولا يدرون أنهم بهذه المعادلة يجنون على بني الإنسان، وينسون أن العلم علمان: غيب وشهادة، ولا غنى للإنسان عن أحدهما.

إن العرب في نهضتهم الأولى لم يكن في أيديهم شيء من الدنيا، كانوا يستجدون الطعام من الأمم حولهم، ويشكلون الدويلات الموالية للمحورين: الغساسنة للرومان والحيرة للفارسيين! ولم يكونوا يعلمون من صناعات الحضارة إلا بيتًا من الشَّعْر وآخر من الشِّعْر.. حتى إن الفيل لما أحضروه للمدينة جعلت نساء المدينة يطفن حوله متعجبات ويقلن: ما أعجب صنع الفرس! ووجد الجند الفاتحون الكافور فظنوه ملحًا، وطفروا بالدنانير فلم يتجاوزوا الألف عددًا.. فما السر إذن في علوهم وخضوع العالم لهم في نصف قرن؟

بعض المبهورين بشعارات اليوم يرجعون السبب إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ناصر الفقراء وحرر العبيد؛ لذلك أحدث ثورة اجتماعية لصالح الطبقة الفقيرة.. وهم بهذا التصور يقصرون هدف دعوة الإسلام في بعض الشعارات التي اكتنفت هذا العصر. إلا أن الراية التي رفعها الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر من هذا بكثير، وإن خدمت هذه الأهداف. فالسر الحقيقي في علو العرب هو علو الراية التي حملوها وصدقوا في حملها، فرفعهم الله بها، هي الراية التي كان يطوف بها الرسول صلى الله عليه وسلم على خيام العرب في الموسم، يعرضها على كل قبيلة وشعب قائلًا: «قولوا لا إله إلا الله تدين لكم بها العرب وتؤدِ لكم بها العجم الجزية». ولئن رفض أهل مكة حمل هذه الراية تخوفًا من الدول المحيطة بهم قائلين: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (القصص: 57)، متناسين أمن الحرم وأمن رحلتي الشتاء والصيف، لئن جحدوا وأبوا، فإن شِعبًا من الأنصار تبوّأ الدار والإيمان، فانتصر أول ما انتصر على المكيين، ثم على جزيرة العرب قاطبة.. وبموت الرسول صلى الله عليه وسلم فصل جيش أسامة وانطلق معلنًا غزو العالم، الذي لم يستطع صد هذه الراية لأنها من نور.

السر إذن في هذه الراية التي لا تشرف على كرتنا الصغيرة فحسب، بل على المجرات والسدم، فيصغر عندها كل كبير.

وهكذا استصغر حاملوها مظاهر الترف فلم تذهب بألبابهم، كيف وهم يعلنون: «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها». ثم لم تلبث بعد أن دانت مظاهر العمران وظهر طابع الكلمة (لا إله إلا الله) على كل نشاط إنساني ماديًا كان أو روحيًا.

ثم لما سقطت الراية واشتغل العرب بالمتاع أعطاها الله لقوم آخرين فرفعوها فكانت لهم السيادة وتداولتها الأمم، إلى أن هجرها الناس ففتح الله الدنيا على أوروبا بلاءً للناس وللعرب خاصةً؛ إذ إنهم أول من ذاق ويلات أوروبا.

لكن ولحسن ظننا بربنا لا نراه إلا أراد بنا خيرًا لما سلط علينا أمتين عجوزين ممن كتبت عليهم المذلة ومن عباد البقر ليذلونا، فنفزع إلى سبب عزتنا ونرفع راية لا إله إلا الله، وهكذا سنة الله في الكون يدفع الناس بعضهم ببعض حتى لا تدمر بيوته في الأرض؛ فإنه لا يعجبه في الأرض غيرها.

ويقول المؤرخون: إن الله قد دافع بنفسه عن بيته «الكعبة» ضد الصليبيين في عام الفيل؛ ذلك أنه لا يريد أن يعطي مشركي العرب الأولين شرف الدفاع عن بيته، ولئن كنا لا ننتظر اليوم الطير الأبابيل فإنا ننتظر سنة الله في دفع الناس بعضهم ببعض بأن يمكن لأوليائه فيهزموا أعداءه.. والشرط في التمكين هو إفراده بالعبودية من عرب اليوم: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55).

ولئن اتفق الناس من العرب وأعدائهم على أن سبب عزتنا في مخزون الطاقة عندنا فإننا نعلنها للجميع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 57-58).

ونعلنها للعرب خاصة: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 10).

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: 10).

أما حتمية التاريخ فقد ثبت عبر السنين ألا نصر للعرب إلا تحت هذه الراية.. واستقرئوا التاريخ منذ أول مجدد لأمر الدين إلى حرب المستعمر في العصر الحديث تجدوا القرآن هو وقود الثورات التي أشعلها صلاح الدين والمختار وابن باديس والمهدي في السودان...إلخ، أما إعجابنا بما في أيدينا وطمعنا فيما في أيدي عدونا فقد ثبت فشله منذ أحد وحنين إلى حرب حزيران الحديثة.

فالطاقة المودعة في الفكر والعقل لها السيادة على ما استودع تحت الأقدام.. ولئن ظللنا نسير على رؤوسنا فسنظل نضخ الزيت للعدو فيحرقونه ليلوثوا بيئتهم فيقتلوا أنفسهم خنقًا بأيديهم، ثم يصنعون سلاحًا لا يجدون له هدفًا إلا صدور من صدروه..

وفي نفس الوقت كم يخسر العالم بفقدانه للنور المودع عندنا؛ لأن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى نور يمشي به في ظلمات الآلة ومنتجاتها التي أصبحت سيدة الإنسان.. فلنرفع رايتنا حتى نسود بها فيقبلوا أو يهادنوا هدانا؛ فإنه لا رأي لمن لا يطاع ولا وزن.

وإلى الذين يحاولون رفع الراية اليوم ثم لا يحالفهم التوفيق والنصر نخبركم بالداء ونقول كلمة واحدة هي وصفة الدواء.. بحق نقول لكم «أفردوها» حتى لا تشفعوها إلا براية محمد صلى الله عليه وسلم، عند ذلك يسري مفعولها.. أما صف كثير من الرايات إلى جانبها حتى تصبح أهدافنا وشعاراتنا مثل أعلام هيئة الأمم، عند ذلك يختلط الأمر وتسقط جميع الرايات بما فيها راية «لا إله إلا الله»؛ لأنها لا تعمل إلا منفردة، فالكبرياء له وحده إذ يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، يعني أنه لا يتنازل عن الأمر للذي شاركه فيه فهو غني عزيز.. ثم إن الحق واحد والنور واحد بينما تتطابق الظلمات بعضها فوق بعض، وتدبروا هذه الآية في إفراد الراية: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ (ق: 5).

لم يتوحد أمرهم على الحق فأصبح مريجًا مختلفًا متعدد الألوان. وإن لم نصَفِّ حسابنا فسيصفيه الله بالضرب والدفع حتى يخلص الحفر من نبات الأرض: روثها وزبدها وزينتها: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًاۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءًۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17).

وها نحن اليوم بين المطرقة والسندان، وقد كاد فكا «الكماشة» أن يطبقا، فقد أحاط العدو من البحر الأحمر والخليج وجوار الأبيض، وتداعت الأمم لالتهامنا وحملتنا بخفتنا.. وباحمرار الحدق سنستبشر؛ لأنه لن يبقى مع الضرب إلا الأثقل وزنًا، الأبعد جذرًا والأعلى فرعًا.. تلك الشجرة الراسخة الباسقة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها عندما يستخلف المستضعفين فيرفعوها ويصبحوا ظاهرين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل