العنوان المخدرات والعنف والجريمة في المجتمع الأمريكي مهدت لـ«أحداث لوس أنجلوس»
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 1002
نشر في الصفحة 32
الأحد 24-مايو-1992
قبل أن
تندلع أحداث العنف الأخيرة في لوس أنجلوس، أجرى أحد الصحفيين الفرنسيين هذا
التحقيق الذي تنذر كل فقرة فيه ببركان يوشك على الانفجار.
- العلاج
الخطأ، وسوء التعامل مع الجريمة والمجرمين.
- تأثر
المحكمة بعوامل خارجية حين إصدار أحكامها مما أدى إلى ظهور أحكام غير منصفة.
- استسلام
رجال الأمن وإعلان عجزهم أمام الجريمة.
- تحريض
محافظي الولايات للأهالي على استخدام عضلاتهم مع أفراد العصابات الأمر الذي نتج
عنه بروز شكل كريه من أشكال الفوضى وغياب سلطة القانون.
- فقدان
ثقة الأهالي بأجهزة الحكم وأجهزة الأمن...كل هذه عوامل زادت من سعة الهوة بين
السلطات وبين طبقات الشعب المضطهدة والتي يمثل السود الأغلبية العظمى منها.
- ثم
جاء قانون «الدفاع الذاتي» الذي كان السبب في حدوث حالات انتقام قاسية وظالمة.. بلغت
حد الضرب حتى الموت لأحد الأفراد السود حين حاول سرقة عشرين دولارًا من سيدة بيضاء
وطبعًا برأت المحكمة القاتل بحكم قانون «الدفاع الذاتي».
مثل هذه
الحادثة تتكرر يوميًّا، والحادثة التي قصمت ظهر البعير لم تكن بعيدة الشبه.
ولكن هل
تساءل أحد: لماذا يقدم رجل على سرقة عشرين دولارًا؟
ولماذا
يكون الذي يحتاج هذه العشرين دولارًا أسود؟
ولماذا
يكون العقاب هو القتل؟
ولماذا
يكون القاتل من البيض؟
لعل
أسباب المشكلة الحقيقية تكمن في إجابات هذه الأسئلة والتي يجيب عنها السود الآن
ولكن بأسلوبهم الخاص!
المترجمة
«استيقظنا
في أحد الأيام لنجد أربعة أشخاص قتلى بينهم طفل في الثالثة من عمره، تحت بند
«تصفية حساب» وجاءت الشرطة أخذت البيانات ثم اختفت، مسؤولو الولاية نفضوا أيديهم
عجزًا».
«رصاصتان
اخترقتا جدار منزلي على بعد عشرة سنتيمترات من الكرسي المقابل لشاشة التلفزيون دور
الشرطة لم يتغير».
«أطفالنا
يخافون الخروج إلى الشارع، وهم حبيسو المنزل، فالشارع مليء بأفراد العصابات ومروجي
المخدرات».
تلك
كانت بعض الشكاوى الصادرة من أهالي دور شيستر باي ولاية ماساشوسيتس. هؤلاء السكان
الذين قرروا بأنفسهم تكوين لجنة دفاع عن الحي الذي كان يعج بالمجرمين والمنحرفين،
ومدمني المخدرات، ومروجات الرذيلة، ليفاجئوا بحريق وصلت ألسنة لهبه إلى معظم منازل
الحي، إضافة إلى حرق عضو من اللجنة حيًّا، مما تسبب في حل اللجنة وفرار معظم
أعضائها.
بعد
أسبوع من الحريق، أصدرت الإدارة المحلية قائمة بأسماء بعض السكان غير المرغوب في
إقامتهم في الحي للاشتباه بهم.
وكان
الردَّ: انفجار هائل هز عدة مبانٍ وأدى إلى حدوث أضرار بليغة في المباني والمساكن
والمقتنيات.. ولم تنس العصابة أن تترك لوحة كتب عليها «سنعود»، مما تسبب في أن
الكثير من الأهالي راحوا ينامون في سياراتهم تحسبًا لأية جريمة أخرى يكونون أحد
ضحاياها.
في دالاس
حاول
الأهالي اتخاذ اجراءات أقل عنفا ضد مروجي المخدرات ، فأحاطوا أحياءهم بلافتات كتب
عليها «منطقة خالية من المخدرات»، أنتم مراقبون، وقاموا بتنظيم اجتماعات أسرية في
الحدائق العامة لتوعية السكان ونصحوهم بحمل آلة تصوير معهم ومحاولة تخويف المجرمين
بإشعارهم أنهم يلتقطون لهم صورًا.. مما يجعلهم يفرون هربًا وخوفًا من أن تنشر
وسائل الإعلام صورهم.
|
* في أمريكا.. عائلة
من بين كل أربع عائلات تعيش في مناطق تخضع للمراقبة |
وتشير
الإحصائيات الحالية إلى أن عائلة من بين أربع عائلات– أي حوالي خمسين مليون
أمريكي– يقيمون في أحياء خاضعة للمراقبة من قبل منظمة تابعة للحي.
قانون الدفاع الذاتي
إذا
كانت عبارة «الدفاع الذاتي» تثير رجال القانون في العالم أجمع، فهي في أمريكا من
أدنى الحقوق التي يملكها المواطن الأميركي! فالجريمة في أميركا هي السبب الأول
للوفاة، خاصة في أحياء السود، ويفيد الدكتور النفساني «دافيد ميتسو»:
إن تفجر
الجريمة بهذا الشكل ولد مقاومة شعبية منظمة، وهذه الظاهرة الجماهيرية هي مؤشر
للعودة إلى قيم أساسية كانت موجودة في الستينات: العائلة ، التربية، الالتزام
الديني والأخلاقي، أمريكا تكشف أن إعادة البنية الأخلاقية تشترط وجود وعي ذاتي
يسبق حركة الجماعات، وحركة الدفاع الذاتي هي أصدق مثال على ذلك... إلا أن الجريمة
إن كانت قد انخفضت نوعًا ما في الأحياء المراقبة، فإنها في ازدياد في الأحياء غير
المراقبة، حيث بلغت نسبة الأهالي الخائفين من الجريمة ٥٤% أما جهات الأمن التي
أعلنت عجزها بصراحة أمام الجريمة فهي تبدي سرورها لمبادرات الأهالي الذاتية
وتشجعها وقد تدعمها إن احتاج الأمر.
نيويورك
تتبع
«نيويورك» نفس الأسلوب الدفاعي فقد دعا محافظ الولاية دافيد دينكينز عقب انتخابه
في نوفمبر ۱۹۸۹، دعا الأفراد إلى خوض المعركة الدفاعية
بأنفسهم. وكانت هذه الدعوة بمثابة إعلان غير مباشر عن عجزه، هذا العجز الذي يبرره
أن الجريمة إذا بلغت حدًّا معينًا في بلد مثل أميركا، تصبح لغة العضلات ضرورة على
كل فرد.
سان فرنسيسكو
بالتحديد
بلدة «إيست بالو آلتو» هذه البلدة الصناعية شهدت إغلاق مصانعها الواحد تلو الآخر،
وسجلت الإحصائيات وجود شخص من بين خمسة أشخاص بدون عمل وشخص من بين عشرة في السجن،
وبلغت نسبة المجرمين عشرة أضعاف المتوسط العام للجريمة في الدولة، إضافة إلى أن
ميزانية الولاية أرهقت بالديون، حيث تستهلك الشرطة نصف ميزانيتها.
وحين
قامت إحدى السيدات بمحاولة أخذ بيانات عن أفراد العصابة أطلقوا عليها الرصاص
وزرعوا جدار منزلها بالطلقات النارية، وفجروا سيارتها وزجاج منزلها.. وكل ما
استطاعت الشرطة تقديمه هو أجهزة هاتف متنقلة للاتصال في حالة الطوارئ!
وتعبر
تلك السيدة عن حالة الخوف التي تعيشها بقولها: «لا بد من الحصول على حقنا في العيش
بأمان حتى لو احتاج الأمر إلى مواجهات تستمر مدى الحياة، فإن لم نستطع تحقيق الأمن
لنا على الأقل نكون قد حققناه لأبنائنا» ومع ارتفاع عدد رجال الدفاع الذاتي إلى
أكثر من عشرة أضعاف زادت نسبة الضحايا لتسجل عام ١٩٩٠ ما يعادل ٧ ضحايا يوميًّا،
وهذا كان السبب الأول الذي دفع أهالي نيويورك لمغادرتها.
الجريمة ساعدت على إعادة العلاقات الاجتماعية
صحيح أن
حمى العنف تدفع الأهالي للتحرك إلا أنها في نفس الوقت تؤدي بهم الى الهلاك، هذا ما
ذكره أحد المسؤولين. فلمجرد أن إحدى السيدات طردت أحد المجرمين من أمام منزلها
فاجأها بطعن زوجها حتى الموت.. ويواصل السيد «كلارك»: «صحيح أننا نملك جهاز محكمة
قاسيًا على المجرمين ومؤيدًا للأهالي إلا أن السجون التي امتلأت لم تعد تستوعب
أعدادًا أكبر، مما يجعل القضاة يتساهلون في الحكم أحيانًا...من جهة أخرى نحاول بث
الحياة من جديد بين أهالي الحي الواحد من خلال تنظيم جمعيات ومنظمات ومهرجانات عمل
للشباب وهذا أسلوب مقاومة سيخلق على المدى البعيد حلًّا بديلًا لتجارة المخدرات
والمهم أن يستعيد الناس الشعور بالأمن، ونعتقد بأن مجرد توثيق صلة الجار بجاره
تعتبر خطوة عملاقة في طريق العودة لروح «الحي الواحد».
وحسب ما
جاء في دراسة واسعة استغرقت ستًّا وعشرين سنة في كاليفورنيا اتضح أن الإجرام هو
السبب الأول في تطور علاقة الجوار التي ستتسبب بدورها في تحقيق مكاسب فورية منها: «جو
من الثقة...حيوية جماعية جديدة.. أخلاق أفضل...نظافة الشوارع وترتيب الحدائق.. استثمارات
تجارية مشتركة...» إلخ. وذهبت جماعة من الأطباء إلى حد تسجيل نتائج إيجابية في
مجال الصحة.
شيكاغو
يعرض
أحد رجال الكنيسة كدمات وطعنات وسلة من رسائل التهديد الموجهة إليه من قبل إحدى
العصابات المروجة للمخدرات لمجرد أنه يحارب تلك التجارة الحرة في ولاية إيلنوا،
كما أنهم قتلوا أحد تلاميذه البالغ ثماني عشرة سنة ولايزال مهددًا بالقتل، ولا
يستطيع التحرك بدون حرس خاص، إلا أن هذا لم يمنعه من تحريض الأهالي حيث تعمل أكثر
من ٢٥٠ جماعة في مشروع التنقية العام.. وتذكر جاكي فلدمان زعيمة إحدى منظمات
الدفاع الذاتي «حين نبدأ مشروع التنقية نشعر بخوف شديد يحطمنا إلا أننا إن لم
نتحرك سوف نجد أنفسنا سجناء منازلنا».
العلاج خطأ
يعتقد
رئيس إحدى المنظمات الدفاعية «ستيف فالديفيا» أن السلطات لا تبذل جهودًا إصلاحية
فهو لا يكف عن انتقادها بقوله «أصرت ولاية كاليفورنيا والحكومة الأميركية على رفع
شعار الانتقام بكل عناد وتبجح فخلقت بذلك فراغًا إصلاحيًا ووقائيًا، وأغلقت
الأبواب أمام أية فرصة لتراجع المجرمين والنتيجة أننا جميعًا ندفع الثمن ويضيف
أننا حين وعدنا المجرمين بمسح ماضيهم وأمنّا لهم عملًا بأجر مناسب.
انضم
عدد كبير منهم للمنظمة وتحولوا من مجرمين إلى محاربين للجريمة، ولكن ما أن توقفنا
عن ذلك بسبب نقص الإمكانيات حتى عاد العنف أشد مما كان عليه».
في نيويورك مليونا سلاح غير مرخص
تظهر
احتجاجات شديدة حول نظام التجارة الحرة بالسلاح، إلا أنها احتجاجات شكلية بدون
نتيجة، فقد بلغت أعداد الأسلحة غير المرخصة مليونين مقابل ۱٤۸,۰۰۰ سلاح مرخص فقط، وحين قرر محافظ الولاية وضع حد
لهذا الوضع بإصدار قانون منح رخص لمن يملك سلاحًا بدون ترخيص لم يتقدم سوى ٣٥
شخصًا!
أزمة في الأوساط القانونية
نتج عن
نظام الدفاع الذاتي نوع من الفوضى نتيجة لحرية التصرف في الدفاع عن النفس، وهذا
بعد أن أعلنت السلطات فشلها في مواجهة الجريمة، وبعد أن ضاقت العدالة بشكاوى
المواطنين ولم يعد لديها الاستعداد لحراسة أخلاقيات الدولة. من النتائج السلبية
التي فرضها هذا النظام في الدفاع الذاتي هو الانتقام الشديد والقاسي من المجرم في
معظم الأحيان فقد سُجلت الكثير من الحالات المشابهة لحالة ضرب فيها السارق حتى
الموت من قبل أحد الافراد لأنه سرق ۲۰
دولارًا من إحدى السيدات.. وحالة أخرى أطلق فيها المدافع النار على المجرم فلم
يصبه وأصيب أحد المارة.
ولكن حتى في هذه الحالات تحكم العدالة لصالح المواطن إلا أن الأمر لم يبق معلقًا بين خوفين: خوف من ثورة الأهالي التي لا تستطيع الجهات الأمنية أن تقف ضدها بعد أن أعلنت ضعفها أمامها.. وخوف من المجرمين الذين لا يتورع أحدهم عن إطلاق رصاصة أو طعنة في صدر كل من يغضبهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل