العنوان المحكمة الدستورية والدور المنشود
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
مشاهدات 66
نشر في العدد 733
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
بصدور قانون إنشاء المحكمة الدستورية عام ۱۹۷۳، استبشر الكثيرون بإقامة هذا الصرح الهام والذي أكمل نقصًا كبيرًا في صورة الدولة الحديثة، والتي كنا نجد ملامحها في نصوص الدستور وأحكامه، بينما الصورة التي نجدها على أرض الواقع لم تزل غير مكتملة الملامح، ويمكن القول إنه بصدور قانون إنشاء المحكمة الدستورية تبدت بعض هذه الملامح التي كانت مفقودة، وازداد وضوح الصورة وإن كان لم يكتمل.
● المحكمة الدستورية.. واقع الحال:
إذا ألقينا نظرة سريعة على ما قامت به المحكمة الدستورية منذ إنشائها إلى اليوم والطعون المقدمة لها، نجد أن هذه الطعون لا تجاوز أصابع اليدين، مما يعني أن الدور الذي تقوم به ليس بالمستوى الذي توخاه الدستور حينما نص على وجوب إنشائها، والأسباب وراء ذلك سنأتي على ذكرها بعد فراغنا من تعداد لبعض هذه الأعمال التي قامت بها وهي:
1- النظر في طلب مجلس الأمة المقدم بتاريخ 1/6/ 1981 حول عدم دستورية المادة «37» من اللائحة الداخلية، لتعارضها مع نص المادة «97» من الدستور والتي تتحدث حول كيفية احتساب الأصوات بإدخال أصوات الممتنعين عن التصويت مع الأغلبية في حالة عدم اكتمال النصاب، وجاء رأي المحكمة مقررًا لدستورية هذه المادة.
2- النظر في طلب الحكومة تفسير المواد «65، 109» من الدستور حول بقاء المشاريع المقترحة من الحكومة في المجلس السابق، وطرحها تلقائيًا على جدول أعمال المجلس الجديد وعدم مساواة المشاريع المقدمة من النواب بذلك، وجاء رأي المحكمة ليقرر حق الحكومة في بقاء مشاريعها على تعاقب المجالس النيابية دون مشاريع النواب، لتغاير طبيعة كل منهما.
كما قدم بعض أعضاء مجلس الأمة السابق مشروعًا بقانون حول تشكيل المحكمة الدستورية، بإدخال عناصر من مجلس الأمة ومن الحكومة فيه، وأقر المجلس السابق هذا المشروع وأرسله إلى الحكومة، غير أن الحكومة أبدت اعتراضها عليه وأعادته بمرسوم مسبب، وكان رأي الحكومة يدور حول أن هذه المحكمة ذات طبيعة قضائية تحتاج إلى مختصين، لكونها تبحث في أمور قانونية بحته، في حين كان رأي النواب يستند إلى المذكرة التفسيرية للدستور، والذي ذكره صراحة إدخال عناصر غير قضائية كنواب مجلس الأمة أو أعضاء الحكومة، ولأن تقرير دستورية أو عدم دستورية قانون يكون للاعتبارات والعوامل السياسية وزن كبير فيها، وفي تكوين الباعث وراء إقرار القانون، ولكون نواب المجلس والحكومة هما الجهة التي تقر القوانين، لذلك يجب مشاركتهما إلى جانب رجال القضاء العالي.
● نحو دور أكبر للمحكمة الدستورية:
لا شك بأن وجود المحكمة الدستورية هو ضمانة من ضمانات الحرية والتي تكفل سيادة القانون واحترام إرادته، وهي الحارس الأمين على أحكام الدستور من أن تمس سواء من قبل الحكومة أو مجلس الأمة أو من أي جهة أخرى، ولا شك بأن الدستور حينما نص على إنشائها، كان يقدر ويثمن ذلك الدور الكبير المناط بها، غير أن الشكل الذي رسمه قانون إنشاء هذه المحكمة لها، جاء دون مستوى الطموح الذي أراده الدستور.
ولعل أبلغ وصف يمكن أن نصف به الشكل الحالي للمحكمة هو ما أطلقه النائب السابق «جاسم الصقر» بقوله:
«إن المحكمة الدستورية كالبناء الجميل، ولكنه يكاد يكون خال من السكان».
وهذه حقيقة يمكن تقريرها واعتبارها أحد الأسباب الهامة التي تعيق المحكمة الدستورية من أداء دورها المطلوب، ونقتصر على أهم هذه الأسباب وهو:
1- صعوبة الوصول إلى المحكمة الدستورية: فقد قلص قانون إنشاء المحكمة الدستورية من طرق الوصول إلى المحكمة، وهذا يفسر لنا قلة أعمال المحكمة لقلة عدد الطعون المقدمة لها، ويمكن القول بأن هذا التقليص يأخذ عدة مناح تتمثل في:
أ- اقتصار حق الطعن أو الطلب من المحكمة على الحكومة ومجلس الأمة، كما أعطى للمحاكم الحق في طلب تقرير مدى دستورية قانون، إذا كان يترتب على ذلك الفصل في دعوى معروفة على القضاء، ولم يحدث ذلك إلا مرة واحدة، وهذا التحديد للجهات التي يحق لها الطعن أو طلب تقرير مدى الدستورية من عدمه، لا شك بأنه يقلص من دور المحكمة ويلغي جزءًا كبيرًا من اختصاصها كان يفترض أن تؤديه.
ب- تحديد حق طلب مجلس الأمة: بأن يتم من عشرة نواب على الأقل، وهذا يجعل الأمر أكثر صعوبة على مجلس الأمة في الوصول إلى المحكمة، وقد لا يتوفر هذا العدد في جميع الأحوال.
جـ- صعوبة وصول المواطن إلى المحكمة: وهذه هي المسألة الأهم، ذلك أن المحكمة الدستورية تشكل للمواطن ضمانة من ضمانات حريته، وتكفل له عدم المساس بحقوقه التي قررها الدستور من أن يتعدى عليها أي كان.
ووفق الشكل الحالي، لا يمكن للمواطن أن يصل إلى المحكمة ليطعن بدستورية أي قانون أو لائحة أضرت به أو مست حقًا من حقوقه المقررة بالدستور، إلا عن طريق نواب مجلس الأمة، هذا إذا تبنوا هذا الموضوع واستطاعوا الحصول على العدد المطلوب للتقدم بالطعن للمحكمة الدستورية.
وإذا أردنا أن تحقق المحكمة الدستورية الغاية من وجودها، وإذا أردنا أن تستكمل صورة الدولة الحديثة التي رسمها الدستور وتكتمل منائر الحرية والعدالة في بلدنا الحبيب، فيجب العمل على توسعة نطاق اختصاص المحكمة الدستورية، وإعطائها الدور الطبيعي المأمول لها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل