العنوان المجمع الصناعي العسكري الأمريكي يعيد تنظيم نفسه
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 55
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
أجرت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» يوم الخامس من شهر أكتوبر الجاري في المحيط الهادي تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ ضد صاروخ باليستي معاد موجه بسرعة ١٦ ألف ميل في الساعة، وكان طول الصاروخ الدفاعي الأمريكي ٥٥ بوصة «1.37متر»، وهذه التجربة هي الأولى في برنامج «نظام الدفاع الاستراتيجي» المعروفة باسم حرب النجوم، والتي تبناها الرئيس الأمريكي كلينتون بعد مضي ١٦ عامًا على إعلان الرئيس الأسبق رونالد ريجان نظام حرب النجوم، تم فيها إنفاق أكثر من 55 مليار دولار بدعوى حماية الولايات المتحدة من صواريخ يطلقها الاتحاد السوفييتي «السابق»، وعلى الرغم من نهاية الحرب الباردة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن حرب النجوم لم تنته، وبدلًا من ذلك تواصل الولايات المتحدة تمويل حرب النجوم بدعوى حمايتها من هجمات من دول تناصبها العداء، وتصفها بأنها «دول متمردة» مثل العراق وكوريا الشمالية.
ويوضح الكاتب الأمريكي ويليام هارتينج من «معهد السياسة الدولية» بواشنطن في تقرير مطول حول «عودة المجمع العسكري الصناعي، وكيف يشكل صناع الأسلحة السياسات الخارجية والعسكرية الأمريكية»، كيف أقنعت الشركات الأمريكية لصناعة الأسلحة مرة أخرى الكونجرس الأمريكي بمواصلة تخصيص اعتمادات مالية «جيدة» في متابعة أهداف «سيئة».
وخلافًا لكل التوقعات الأولية، فإن المجمع العسكري الصناعي لم يختف مع نهاية الحرب الباردة، بل أعاد ببساطة تنظيم نفسه، وكنتيجة للاندفاع نحو اندماج الصناعات العسكرية- وهو ما شجعته وساهمت في دعمه حكومة كلينتون- فإن شركات صناعة الأسلحة الأمريكية الثلاث الكبرى: لوكهيد مارتن وبوينج وريثيون، تتلقى الآن فيما بينها أكثر من ٣٠ مليار دولار سنويًا لعقود مع وزارة الدفاع الأمريكية، وهذا يمثل أكثر من دولار من كل أربعة دولارات تخصصها البنتاجون لكل شيء بدءًا من البنادق حتى الصواريخ.
وفي قضية تلو أخرى- بدءًا من توسيع حلف شمال الأطلسي، ونشر نظام الصواريخ الدفاعية لحرب النجوم، وإلغاء القيود على مبيعات الأسلحة لأنظمة الحكم القمعية- شنت صناعة الأسلحة الأمريكية- ولا تزال- حملة ضغط تستهدف زيادة النفقات العسكرية وصادرات الأسلحة، وهذه المبادرات تقف وراءها سياسات حكومية، تعود على الأنصار والمحاسيب بأموال كبيرة.
لقد حذر الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور من وجود نفوذ غير مناسب للمجمع العسكري الصناعي، ولا يزال هذا التحذير قائمًا اليوم كما كان في عام ١٩٦١م، وعلى الرغم من حل حلف وارسو، وتحطم الاتحاد السوفييتي، فإن الميزانية العسكرية الأمريكية هي اليوم أكبر مما كانت عليه عندما وجه أيزنهاور خطابه في عام ١٩٦١م، فالميزانية العسكرية الأمريكية التي لا تزيد على ٢٧٦ مليار دولار سنويًا تظل أقرب إلى المعدل الذي كان سائدًا في الحرب الباردة خلال قمة المنافسة الأمريكية السوفييتية، وهذا أمر مذهل إذا أخذ بعين الاعتبار أن روسيا خفضت ميزانياتها لشراء الأسلحة بمقدار 77% منذ عام ١٩٩١م.
ويتلقى منتجو السلاح الأمريكيون دعمًا حكوميًا ثابتًا من أجل الأبحاث والتطوير والإنتاج، يفوق بكثير الدعم الذي توفره الحكومة الأمريكية لأي قطاع صناعي آخر، فإذا كانت الحكومة الأمريكية راغبة في تحقيق توازن بين صناعة السلاح والقطاعات الصناعية الأخرى، فإنه يتوجب عليها عندئذ خفض مساعدات الأسلحة لا زيادتها، ومن بين الحيل والأفكار الخادعة التي تلجأ إليها شركات صناعة الأسلحة للحصول على الخدمات الحكومية ما يتعلق بـ «الرسوم المستردة»، وهي أجور يتحملها مشترو الأسلحة الأمريكية كمساهمة لتعويض الخزينة عن جزء من تكلفة التطوير والأبحاث غير المتكررة، التي تصرفها الحكومة الأمريكية على أنظمة عسكرية رئيسة مثل المقاتلة «إف- ١٦»، والدبابة . «إم -١».. والجدل حول الرسوم المستردة يعكس مثالًا على الكيفية التي من خلالها نجحت صناعة الأسلحة في كسب عطف الحكومة الأمريكية لمصلحتها ومصلحة زبائنها، وقد نجحت شركات صناعة الأسلحة بإلغاء الرسوم المستردة المفروضة على مبيعات الأسلحة عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية التابع للبنتاجون، وبما أن تلك الرسوم صيغت على شكل قانون، فقد تطلب إلغاؤها وقتًا طويلًا، ونظرًا لأن نسبة الـ 75% المتبقية من مبيعات الأسلحة الأمريكية تتم عبر قنوات برنامج المبيعات العسكرية الخارجية؛ فإن إلغاء الرسوم المستردة يعتبر إنجازًا كبيرًا.
ويلعب البنتاجون دور الوسيط «السمسار» في صفقات ذلك البرنامج، حيث يقوم بمناقشة شروط الصفقة مع الزبون الأجنبي، وتحصيل الأموال منه، وتوزيعه على متعهدي الأسلحة، وكذلك توفير أنظمة التزويد والنقل وقطع الغيار .
وأبرز قصص الضغط المذهلة في السنوات الأخيرة تتعلق بعمل قامت به وزارة الدفاع والمتعهدون مثل لوكيهيد مارتن وبوينج ومراكز الأبحاث اليمينية مثل مؤسسة هيريتيج ومركز «سياسة الأمن» الذي أسسه فرانك جافني، المسؤول السابق في وزارة الدفاع في عهد ريجان، لإبقاء برنامج ريجان الخاصر بحرب النجوم حيًا رغم التغييرات الجذرية التي حدثت في البيئة الأمنية العالمية، والتي جعلت مهمة هذه الحرب مسألة قديمة، وعلى الرغم أيضًا من سلسلة متواصلة من الفشل الفني.
لقد مضت خمسة عشر عامًا وأنفق ٥٥ مليار دولار منذ أن ألقى ريجان خطابه عن حرب النجوم في شهر مارس ۱۹۸۳م، كما أن الاتحاد السوفييتي الذي كان يفترض أن أسلحته النووية هي الهدف الرئيس لنظام الصواريخ الدفاعية لم يعد قائمًا.
محاربو حرب النجوم «الشجعان» ابتكروا مهمة جديدة للصواريخ الدفاعية هي حماية الولايات المتحدة من الدول التي تناصبها واشنطن العداء مثل: العراق وكوريا الشمالية، التي ليس لديها حتى صواريخ يمكنها الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وفي كل مرة يفشل فيها جزء رئيس من مكونات حرب النجوم، مثل نظام الدفاع في ميدان المناطق المرتفعة في التجارب التي أجرتها على مثل هذا النظام شركة لوكهيد مارتن خلال العقد الحالي؛ فإن أنصار حرب النجوم في الكونجرس يصرخون لتخصيص مزيد من الأموال، والمركز العصبي للوبي حرب النجوم هو مركز جافني، وهو مركز معلومات ومنظمة تتبنى حرب النجوم، أصدرت تقريبًا نحو ۲۰۰ نشرة صحفية في عام واحد تحت الاسم الأكثر مصداقية وهو «نشرات بشأن قرارات الأمن القومي» تمتدح الصواريخ الدفاعية الخاصة بحرب النجوم، وتطالب بزيادات في الميزانية العسكرية، ومنذ إنشاء مجموعة جافني في عام ۱۹۸۸م تلقت مليوني دولار كتبرعات معظمها من شركات مثل لوكهيد مارتن وبوينج، وهما المتعهدان الرئيسان لبرنامج حرب النجوم.
وفي خريف ۱۹۹۸م قام لوبي حرب النجوم بجهد مركز لكسب عضو آخر في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى جانب قانون «حماية أمريكا» الذي يتبناه السيناتور الجمهوري ثاد كوكران، ويدعو إلى نشر نظام صواريخ للدفاع القومي، ومن أجل هذا الهدف وزع مركز «إمباور أمريكا»، إعلانات إذاعية مضللة في ولاية نيفادا في محاولة لإقناع سكانها بأن تردد عضويها في مجلس الشيوخ الأمريكي وهما هاري ريد وريتشارد برايان للتصويت على نظام الصواريخ الدفاعية يعني أنهما ضد «الدفاع عن عوائلنا» من هجوم نووي، غير أن جهود لوبي حرب النجوم غير العادية كانت دون جدوى- وقد أعيد انتخاب الديمقراطي هاري ريد عن نيفادا، والديمقراطية باربرا بوكسر عن كاليفورنيا، وهما معارضان بارزان لحرب النجوم، لكن لوبي حرب النجوم لم يستسلم، وبمجيء شهر مارس الماضي، تم إقناع الكونجرس بمجلسيه بإقرار قانون صيغ على نمط قانون كوكران، ويعلن أن سياسة الحكومة الأمريكية تقوم على أساس نشر صواريخ دفاعية بأسرع وقت ممكن؛ لأنه من «الممكن من الناحية التكنولوجية».
وعلى الرغم من أن الذين يدافعون عن ضبط الأسلحة مثل السيناتور الديمقراطي كارل ليفين حاول تخفيف وقع الضربة بتبني تعديلات تدعو إلى مواصلة العمل من أجل تخفيض الأسلحة النووية. إلا أن إقرار قانون حرب النجوم يعتبر انتصارًا دعائيًا كبيرًا للمدافعين عن الصواريخ الدفاعية، وقد تم تقدير قيمة تكاليف ذلك ما بين ۱۸ إلى ۲۸ مليار دولار للسنوات العشر المقبلة.