; المجلس الوطني الفلسطيني والاختيار الصعب | مجلة المجتمع

العنوان المجلس الوطني الفلسطيني والاختيار الصعب

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 75

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 01-مارس-1983

  • لماذا قال ياسر عرفات لأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني: قولوا (نعم).

  • مرت الحركة الثورية الفلسطينية بمحاولات رهيبة لتصفيتها عسكريًا وتدجينها سياسيًا.

في الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت في الجزائر، في الفترة ما بين ۱٤ و۲۲ فبراير ۱۹۸۳، كان أمام منظمة التحرير الفلسطينية أن تختار بين البقاء أو الفناء، ولقد اختارت أن تبقى، ذلك أن حب البقاء غريزة في الإنسان والجماعة، أما لماذا البقاء، أو الفناء ولا شيء بينهما؟

ذلك ما سنوضحه فيما يلي:

° أن منظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبر -حتى الآن- حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) عمودها الفقري- أخذت على عاتقها منذ نشأتها العمل من أجل تحرير فلسطين -كل فلسطين- من دنس الاغتصاب اليهودي، ولقد واجهت هذه الحركة الثورية الفلسطينية بسبب ذلك محاولات متعددة ورهيبة من أجل تصفيتها عسكريًا وتدجينها سياسيًا، ومن هذه المحاولات نذكر ما يلي:

۱- محاولات عبد الناصر: التي بدأت باعتقال كل من له علاقة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في قطاع غزة، أو مصر، وتسليط (أتباعه) من حركة القوميين العرب الذين أصبحوا فيما بعد (جبهة شعبية) لتشويه سمعة فتح، واتهامها بشتى التهم، ثم إنشاء (منظمة فلسطين العربية) لتكون منافسًا لفتح، ثم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتسحب البساط من تحت أرجل فتح أو لتبتلعها، وبالتالي يمكن السيطرة على حركة الشعب الفلسطيني عن طريق السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية التي تتبع الجامعة العربية؛ أي تتبع عبد الناصر في نهاية المطاف، ولما فشلت كل هذه المحاولات، وجاءت هزيمة (١٩٦٧) تغير التكتيك، ولم يتغير الهدف؛ فكان على عبد الناصر أن يبعد الشقيري عن قيادة المنظمة، وأن يطلب من عرفات أن يحل محله، وهنا كان على حركة فتح أن تختار بين البقاء (العلني)، أو الفناء (العلني)، ولقد اختارت البقاء؛ فاستلمت قيادة المنظمة على أمل تطويرها، وليس الذوبان فيها كما أريد لها، ويبدو أن الفوز -ولو جزئيًا- في هذا الصراع كان لحركة فتح، ولذلك ما إن قبل عبد الناصر مبادرة (روجرز) التي تعترف ضمنًا بإسرائيل، وتعتبر الفلسطينيين لاجئين حتى تفجر الصراع بينه وبين فتح، فأغلق إذاعة صوت العاصمة من القاهرة، وأطلق أجهزة إعلامه تنهش في حركة المقاومة الفلسطينية، وتقلل من شأنها، وكان (بطل) الناهشين محمد حسنين هيكل عكازة عبد الناصر القلمية آنذاك.

۲- مجزرة أيلول الأسود: عندئذ كان لا بد من القضاء على حركة المقاومة الفلسطينية، وقد تم تقليص المقاومة الفلسطينية عسكريًا وسياسيًا في أكبر تجمع للفلسطينيين بمشاركة بعض الأنظمة المشاركة في الجامعة العربية.

٣-مضايقات في سوريا: حاولت المقاومة الفلسطينية أن تعيد ترتيب أوضاعها في سوريا، ولكنها وجدت مصاعب جمة، كان أهمها محاولات فرض الوصاية، والسيطرة على القرار الفلسطيني، وإنشاء منظمة الصاعقة لتكون بديلًا عن فتح، ومنع الفلسطينيين من العبور لضرب الأهداف الإسرائيلية عبر هضبة الجولان، فكان لا بد من نقل مركز الثقل للعمل الفلسطيني إلى لبنان.

٤- مجازر لبنان: وفي لبنان كانت المؤامرة الكبرى التي استهدفت ليس فقط القضاء على الثورة الفلسطينية، بل على الشعب الفلسطيني، والشعب اللبناني المسلم، وكان أطراف المؤامرة الكبرى هذه المرة واضحي المعالم، ويعملون في وضح النهار بلا خجل أو حياء، وهم ينطقون العربية؛ فكانت مجزرة تل الزعتر، وما سبقها وما لحقها، وعندما لم يستطيعوا أن (يقضوا) على المقاومة الفلسطينية المتنامية كان لا بد من مشاركة (إسرائيل)، وهكذا كان، ودخلت إسرائيل المعركة ضد الفلسطينيين فواجهت ما لم تواجهه في جميع حروبها مع الجيوش العربية، فكان لا بد من مجزرة تسلب الشعب الفلسطيني روحه المعنوية التي قاتل بها، فكانت مجزرة المجازر في صبرا وشاتيلا.

° واليوم وقد أنهى المجلس الوطني الفلسطيني السادس عشر أعماله بمجموعة من القرارات، لخصها ياسر عرفات في كلمة واحدة هي (لعم) أي وسط بين (لا) و(نعم)، ففي الوقت الذي رفض فيه المجلس اعتبار مبادرة ريغان (أساسًا صالحًا للحل العادل لقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني) أيد المجلس مقترحات بريجينيف التي (تشير إلى بعض الحقوق للشعب الفلسطيني) علمًا بأن المشروع الروسي يعتبر إسرائيل حقيقة واقعة، ويطالب المنظمة التي ستصبح (دولة) بالاعتراف بإسرائيل، وفي الوقت الذي أكد على ضرورة تعزيز وتصعيد الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني اعتبر المجلس قرارات قمة فاس (الحد الأدنى للتحرك السياسي في الدول العربية، والذي ذكر أنه يجب أن يتكامل مع العمل العسكري من أجل تعديل ميزان القوى لصالح النضال والحقوق الفلسطينية والعربية) ومن المعروف أن البند السابع من قرارات قمة فاس ينص على (حق كل دول المنطقة في العيش بسلام)، وهذا اعتراف ضمني بإسرائيل.

° وحول الاتصالات مع ما يسمى بالقوى (التقدمية) في إسرائيل أكد المجلس على قراره الذي تضمنه إعلانه السياسي الذي أصدره عام (۱۹۷۷) أي الاتصال بهذه القوى، ودعا اللجنة التنفيذية إلى دراسة التحرك في هذا الإطار (بما يتلاءم مع مصلحة قضية فلسطين والنضال الفلسطيني).

ومن المعروف أن الأحزاب الشيوعية العربية عمومًا والحزب الشيوعي الفلسطيني خصوصًا على اتصال بالحزب الشيوعي الإسرائيلي من قبل أن تقوم (دولة إسرائيل)، وهو يعتبرهم (اليهود الشرفاء في إسرائيل)، وفي الوقت الذي أكد المجلس على اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إلا أنه أكد على العلاقات الخاصة مع (الشعبين) الفلسطيني والأردني، وأنه يرى أن تقوم العلاقة المستقبلية على أسس كونفدرالية بين دولتين مستقلتين، وفي هذا الصدد لم يفوض المجلس الأردن بالتفاوض مع إسرائيل نيابة عنه، كما لم يعترض على أن تقوم الأردن بهذا الدور، واعتبر العلاقات مع (سوريا) إستراتيجية، وأشار إلى ضرورة تحديد العلاقة مع مصر على أساس تخليها عن اتفاقيات كامب ديفيد.

على أن هناك رأيًا تبريريًا ينادي به بعض المراقبين لأوضاع المؤتمر وقراراته، نذكره هنا مع تحفظنا المعروف عليه، يقول أصحاب هذا الرأي: إن هذه القرارات كانت تستهدف (بقاء) منظمة التحرير الفلسطينية دون تشقق أو انقسام، وبذلك كسب ياسر عرفات الجولة؛ فخرج أقوى مما كان، ولم ينفرط عقد المنظمات التابعة لبعض الأنظمة العربية أو العالمية، وفي الوقت الذي جاهدت فيه قيادة المقاومة الفلسطينية للتمسك باستقلالية القرار الفلسطيني، إلا أنها لم تستطع أن تخرج بقرارات تتجاوز الواقع العربي المختلف على كل شيء، إلا استبعاد الخيار العسكري في المواجهة مع إسرائيل واختيار الحل (السلمي) الذي ينهي القضية الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل.

وهكذا اختارت منظمة التحرير الفلسطينية أن تبقى ضمن هذا الواقع العربي، على أمل أن تحصل على شيء من فلسطين لهذا الجيل البائس، وتترك للأجيال القادمة الحصول على البقية الباقية من فلسطين وبالوسيلة التي تختارها إن كان في إمكانها ذلك.

وفي تصور المنظمة أنها لو خرجت بقرارات غير هذه القرارات؛ أي لو أنها قررت المواجهة العسكرية الصريحة مع إسرائيل فإنها ستجد أكثر من يد تمتد إليها لتمنعها من ذلك، بل لتفتك بها، والتجارب على ذلك كثيرة ومريرة، ولو أنها قررت الاعتراف بإسرائيل مسبقًا ومن جانب واحد كما يريد لها البعض لقضت على نفسها بنفسها، ولما كان هناك مبرر بوجودها بعد الآن.

وهكذا فلو قالت المنظمة (لا) لمعظم الأنظمة العربية والقوى التي تسندها لكانت النتيجة مجزرة أخرى تنتظرها -وربما كانت في البقاع والشمال اللبناني- ولو قالت المنظمة (نعم) لمعظم الأنظمة العربية والقوى التي تسندها لانتهى كيانها السياسي بعد اضمحلال كيانها العسكري، وبالتالي تعود قضية فلسطين قضية لاجئين، يمكن توطينهم في أي مكان إلا في وطنهم فلسطين، ولهذا اختارت منظمة التحرير كلمة (لعم) على أمل (أن ترى نورًا من بعيد تطل منه مآذن القدس) كما يقول ياسر عرفات «انتهى الرأي التبريري».

وإننا نقول إن الإنسان المؤمن لا يفقد الأمل حتى في أحلك الظروف، ولكن المؤمن أيضًا كيس فطن، فهو يتخير الظروف المواتية، أو يعمل على تغييرها ليصل إلى هدفه المنشود، ولا يستسلم أبدًا، يقول الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (سورة النساء: ١٠٤).

المسلم المجاهد ينشد إحدى الحسنيين (النصر أو الشهادة)، وهو في الحالتين منتصر، إن المسلم المجاهد لا يهزم أبدًا، وأن الطريق الذي تسير فيه منظمة التحرير الفلسطينية مليء بالألغام، محفوف بالمخاطر المهلكة، وأن خطر الأصدقاء المدعين أشد فتكًا من خطر الأعداء الصرحاء، وخير لمنظمة التحرير كل الخير أن تمد يدها إلى الشباب المسلم في كل أرجاء المعمورة، وأن تعيد النظر في داخلها وفي تحالفاتها وفي طريقها حتى يمكن لها أن تحقق النصر بتحرير فلسطين واجتثاث الكيان اليهودي من جذوره، وكل هدف يقفز فوق تحرير فلسطين فهو باطل، وكل طريق يؤدي إلى الاعتراف بإسرائيل فهو غير مشروع، وإذا كان (البقاء) يتساوى مع (الفناء) فخير لمن يبتغي مرضاة الله بتحرير فلسطين أن يبدأ من نقطة الصفر بعيدًا عن عيون الأعداء (الأنصار) والأصدقاء (الألداء)؛ حتى يتمكن من السير في الطريق الصحيح إلى فلسطين الإسلامية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان