; المجتمـع التربوي: 1290 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمـع التربوي: 1290

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1290

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 03-مارس-1998

وقفة تربوية

فضيحة الدنيا

أصعب ما على المرء في هذه الحياة أن يفضح أمام الناس بأمر من الأمور المخالفة للشرع أو القانون وكان يخفيه عن أنظار الناس.

نشرت الصحف مؤخرًا تفاصيل الذي وقع في أحد الأقطار العربية، حيث قام ثلاثة من الرجال بإلقاء أنفسهم من الدور الثاني من إحدى العمارات بعد سماعهم لصوت صافرة النجدة التي ظنوها أنها متوجهة إليهم، بسبب ما يقومون به من إدارة لإحدى شقق الدعارة، مما أدى إلى إصابة أحدهم بفقدان للوعي وكسور للآخرين في عدة أجزاء من أجسامهم...

إن من سنة الله تعالى مع خلقه، أنه يعطي لعبده بعض الفرص للتوبة، فينجيه من حادث محقق، ومن فضيحة أكيدة، ومن ورطة كاد أن يقع فيها، ليرجع إليه، ويتفكر فيما هو فيه من الخطأ، حتى إذا رأه سادرًا في غيه، مصرًا على معصيته، مجاهرًا ومفاخرًا بما ستره الله، فإنه يأخذه أخذ عزيز مقتدر، وأول ما يفعل به هو الفضيحة في الدنيا، فيسمع الجميع بمعصيته، فإن استفاد من هذه وتاب إلى الله، فإنه يتوب عليه ويستره فيما يتبقى من حياته، أما إذا أصر بعد ذلك، فإنه ينتقم منه، ويكون موته عبرة للآخرين. فكم من الخلق قد أخذهم الله وهم يحتسون الخمر في إحدى الحانات أو أخذوا جرعة زائدة من المخدرات فماتوا والإبرة بجانبهم.. وكم.. وكم.. وكم.. إنها مناظر تحدث في هذه الحياة لتكون عبرة للأحياء، وليعلموا أن الله حي لا يموت ويمهل ولا يهمل، ورحيم غفور، ولكن شديد العقاب لمن أصر على المعصية ولم يرعو.

 أبو خلاد

كنز الحب في الله

حياة المرء المسلم منا حياة سريعة يمر فيها الكثير من الأفراح والأتراح، علو وانخفاض غنى وفقر صحة ومرض، وكثير منا لا يعرف أن في الدنيا نعم لا يعدلها حلاوة، ومنها الحب في الله تلك العلاقة التي سمت فيها روحًا عبدين من عباد الله تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه فالمحرومون من هذه النعمة كثير، إما لطغيان المادة والانهماك بالأعمال، أو لانخفاض في منسوب الإيمان، ونسينا أن الدنيا فانية، وأن ليس كل العلاقات مبناها المصلحة، وساعدني أساعدك، الدنيا في جو يعلوه المحبة أجمل من هذا كله قد تجمع المال والأهل والعمل، لكن الأخوة في الله والتحاب فيه كنز يحتاج منك أن تفتش عنه.

 يقول نبي الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» متفق عليه. 

إذن للإيمان حلاوة وأي حلاوة تدركها وتستشعر طعمها إذا أحببت الله ورسوله أكثر من أي شيء في حياتك، وأن تحب المرء لله، فحري بنا أن نبحث عن هذه الرياض في الدنيا، وكان مما يكرره عمر رضي الله عنه أن أحب ما في الدنيا عنده أخوة له يتناقلون أطيب الحديث كما يتناقل أطيب الثمر.

ومما يحسن الاستشهاد به بعض الأقوال التي نقلت عن أشخاص أدركوا معنى الحب وقيمته في الحياة ومن ذلك إليك..

امنح العالم أفضل ما عندك، والأفضل يعود أن الخطأ الكبير الذي نرتكبه أن نسعى لأن نكون محبوبين، بدلًا من أن نحب سوانا».

 ويحثنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم على إخبار من نحبه في الله مصارحة لما في ذلك من تعميق المعاني الأخوة في الله ومن تفاهم بين المتحابين فيقول صلي الله عليه وسلم: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (رواه أبو داود والترمذي).

 فإذا كان أخوك عونًا لك وغبطة، فصارحه بذلك، لأن الإنسان يمر في حياته بمكدرات، مشاكل تحتاج من أخيه أن يذكره بالعلاقة الروحانية بين متحابين في الله هناك قلوب يائسة في كل مكان بحاجة إلى التقدير والعطف واغفر للمسيئين لك واعف عنهم لأنهم غالبًا لا يعلمون ما يفعلون، ويكفيك أن تعلم بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، فهو بارتكابه للشر يجر الشر لنفسه.

يقول أحد الحكماء: «صديق عند الضيق هو ما أود أن أكون، لأنني وقت الشده سألجأ إليك وعند الحاجة ستجدني صادقًا معك ومخلصًا».

 حياتنا هذه فانية، والموت يأتي مفاجأة، فإذا خطرت على بالك فكرة لعمل شيء حسن مع أخ لك في الله في بلادك، أو في بلاد المسلمين فلا تؤجلها فما فائدة الأعمال الصالحة إذا أخرناها دائمًا!! وتذكر لكل البشر نقاط ضعف، وكلنا ذو خطأ، ومن يبحث عن صديق بلا نواقص فلن يجد، نحن نحب بغض النظر عن أخطائنا وينبغي لنا أن نحب أصدقانا بنفس الطريقة. 

ويكفي المرء المسلم معرفة حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه الترمذي).

يا الله.. منابر من نور للمتحابين في جلاله سبحانه، ولم يعمل بأعمال الأنبياء ولم يحصل أجر الشهداء، لكنه بالحب في الله يغبطونك وتكون إن شاء الله معهم.

 الحب منارة.. ولولا الحب في الله لكنا أمواتًا ونحن أحياء، فما قيمة الدنيا عندما تعيش وحيدًا. فما بالك يا أخي المسلم إذا صدقت دعوتك وصدقت محبتك للآخرين في الله كم من الناس يهتدي، وكم من الناس يدخل في الإسلام وينجو من النيران إنه بالحب والحب وحده.

 فكن أخا الإسلام حامل مسك للآخرين وتذكر بأن المرء مع من أحب وأن الرسول صلي الله عليه وسلم أوصانا بقوله: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (رواه أبو داود). 

وختامًا فإن الحب في الله نعمـة إلـهـيـة لا توصف، ويكفي بنا أن نتذكر الأجر والثواب ونستشعر قوله سبحانه في الحديث القدسي فيما يرويه نبينا صلي الله عليه وسلم: « إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه ......»

عبد الله الصالح

نحو تطوير الذات (٢) 

تواصلًا للأسس المعينة على تطوير الذات نتحدث عن:

الأساس الخامس: امتلاك الطبيعة الريادية: طبيعة تدفعه إلى الأمام، طبيعة تجعل منه إنسانًا يكره التأخر، يعنف نفسه عندما تسبقه الطيور في الاستيقاظ صباحًا، ويحاسب نفسه بتأخرها درجات قليلة عن أترابها يقول أحمد محمد الراشد: المنافسات إنما يكسبها المبادر الفوري الإجابة، الحاضر البديهة، الذي ينفر مع أول التباشير ولوائح الإرهاصات إذا الفجر طلع، وأما من توقظه الشمس فلات حين استدراك وسيجد الطريق مزدحمًا، ثم يقول: لن تؤهل الأمنيات أصحابها على الوجه الذي يريدون وإنما المؤهل من أهل بعقل وذكاء وبنفس سوية تعادلت أطرافها وكانت له مع المخضرمين محادثة ومع العابدين اقتباس وفي الكتب غوصة، وعلى اللأواء صبرًا، وما ثم في رهط المؤمنين غير ثقة ولكن الله يرفع الذي له نصيب من العلم درجات»..

كلمات رائعة تبين اختلاف عقلية الريادي عن غيره من الناس وكذلك تفكيره، يتعب ويجاهد عندما يرتاح الناس، يستغل جميع الفرص السراء منها والضراء ليطور نفسه ويتقدم بها إلى الأمام.

قال ابن السمعاني عن محمد بن عبد الباقي الحنبلي رحمه الله: سمعته يقول: «حفظت القرآن ولي سبع سنين، ما من علم في الله إلا وقد نظرت فيه حصلت منه كله أو بعضه، ثم يقول أسرتني الروم وبقيت في الأسر سنة ونصف السنة وكان خمسة أشهر الغل في عنقي والسلاسل على يدي ورجلي، ووقت أن حبست كان هناك معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية فتعلمت في الحبس الخط الرومي».

ريادية مبكرة في حفظ القرآن الكريم أهلته ليكون رائدًا طوال حياته في زمن الحرية وزمن الأسر، فأين أنت أيها الداعية من الريادة؟!

 دعوة بغير رواد كالضأن بغير راع يقودها إلى المرتع الخصب والمكان الأمن إلى الراحة والاستقرار، والدعوة بأمس الحاجة اليوم -في ضوء ارتفاع أعلام المذاهب والأفكار المنحرفة عن المنهج الراشد- إلى رواد في الفكر وآخرين في الثقافة وآخرين في الفن وآخرين في الاقتصاد وآخرين في النواحي الاجتماعية والاخلاقية.

فهل أنت مستعد لاعتلاء منصب الريادة؟!

 الأساس السادس: أن يكشف الإنسان نفسه: يتلمس عيوبه، ويبحث عن مواطن النقص ويهيئ نفسه لتطوير المواطن المجمدة العاطية قال البنا رحمه الله: «ميدانكم الأول أنفسكم فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن أخفقتم في جهادها كنتم عما سواها أعجز فجربوا الكفاح معها أولًا...» إننا ننجح في توجيه غيرنا إذا أحسنا توجيه أنفسنا، قال عبدالله ابن وهب رحمه الله - إمام مصر : «إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه، فهناك علاقة شرط وعطاء، فكلما التزم الفرد بما يدعو إليه وانصبغ بما يحث عليه ويرشد إليه كان الكلام أبلغ أثرًا وأعمق تأثيرًا للغير، يقول سمنون عند سئل عند الفراسة: من تفرس في نفسه فعرفها صحت له الفراسة في غيره وأحكمها إنها البداية...

ويقدر اكتشاف النفس ومعرفة التقصير والنقص تكون قوة الاندفاع إلى تطوير الذات والارتقاء بها، قال الله تعالي حاثًا على ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: ۱۸)

وقال الحسن رضي الله عنه: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه» «يحاسب نفسه دومًا طلب للكمال وإن لم يصل إليه».

وقيل: من كثر اعتباره قل عثاره. وقل سقطه وزلاته وذلك لوضوح الخلل، ولاستدراج ما غفل من سلبيات غير مقصودة علقت به أبانها عنه التفتيش والتأمل في النفس.

 وأخيرًا قد يصطدم الفرد منا بقائمة طويلة من النواقص والقصور قد تحجمه عن البحث أكثر وتدفع به نحو الانعزال والتقوقع أكثر ولكن الحقيقة أن هذه القائمة البداية الصحيحة والأسلم للتطور والارتقاء على بناء صلب معروفة خباياه ومكوناته، فلماذا الجزع والهلع من اكتشاف الذات وتقويمها؟ ألسنا أولى من الغير في محاسبة أنفسنا وتعديل اعوجاجها؟ إن سادس خطوات التطوير الذاتي تبدأ بمعالجة النفس فهي الأرض الصلبة لما بعدها، وهي الأساس لبناء سيشيد بتكاليف جسيمة ومسؤوليات عديدة يصعب احتمالها وكما قيل: ليس العيب بأن نسقط بل العيب بأن لا نقف من جديد .

عدنان القاضي

رحيل عالم عامل

سكت الصوت الذي طالما صدع بكلمة الحق وتوارى النجم الذي كم اهتدى بضوئه الحيارى والتائهون في بيداء الحياة المادية الصاخبة التي غلفت القلوب والأفئدة بحجب كثيفة كانت بمثابة طبقات عازلة تحول دون طاعة الله والامتثال لأوامره، ففي العشر الأواخر من رمضان رحل عن عالمنا الشيخ إسماعيل صادق العدوي ليلقى ربه في أيام مباركة، لم يكن الفقيد مجرد خطيب اعتلى منبر الجامع الأزهر ووهبه الله من علم غزير أو مجرد داعية عرفه الناس من خلال الأحاديث التي كان يقدمها عبر شاشات التلفزيون، إنه كان عالمًا عاملًا مجاهدًا، ولقد عرفت الجماهير المسلمة قيمة الشيخ إسماعيل صادق العدوي، فألتفت حوله لتنهل من علمه الغزير ولتتربى على يده وتزكي نفسها بتوجيهاته والذي سمع حديث الشيخ يدرك أن كلماته كانت تنساب بين قلوب المستمعين عذبة ندية، وفي الفترة التي اعتلى فيها منبر الجامع الأزهر خطيبًا كان يفد إليه الناس من مختلف النواحي والأرجاء لأن شعب مصر بفطرته النقية يميز الغث من السمين والجيد من الرديء، فينصرف ويعرض عن كل عالم لا يرى فيه الصدق والإخلاص مهما أوتي من فصاحة اللسان ويُقبلُ على كل عالم يرى فيه الصدق مع الله والإخلاص لدينه.

والشيخ إسماعيل - رحمه الله - كان زاهدًا فيما كان يحرص الكثير من العلماء عليه من المناصب وقد أورثه زهده هذا جرأة وإقدامًا فكان يجاهر بكلمة الحق ويبذل النصح للعامة والخاصة، كانت مواقفه نابعة من دينه وعقيدته فقط لا يلقي بالًا لأي اعتبارات أخرى لأن الرجل تحرر من أسر العبودية لغير الله.

ومن عجب أن يحال بينه وبين الخطابة في الجامع الأزهر قبيل وفاته بأعوام، لكن محبيه وعارفي فضله كانوا أوفياء له، فقد احتشدت الآلاف في ساحة الأزهر لتشييع جنازته والأعين دامعة والقلوب حزينة، وسارت خلف جثمانه حتى مثواه لتعلن أن الشيخ إسماعيل له في القلوب المكانة الرفيعة وأنه بحق إمام أزهري استمد إمامته من اعتزازه بدينه والتفاف الناس حوله ولم يحصل عليها بقرار أو قانون.

وعسى أن تكون في حياة الشيخ إسماعيل ومواقفه الشجاعة وفي جنازته المهيبة عبرة لأولي الأبصار ونهج يسير عليه أبناء الأزهر حتى ينالوا من التكريم ما ناله الشيخ إسماعيل.

 رحم الله الشيخ إسماعيل صادق العدوي وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

المستشار مصطفى الشقيري

الرابط المختصر :