; المجتمع.. دعوة للمناقشة.. تراثنا العريق من بدأ تحققيه؟ | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع.. دعوة للمناقشة.. تراثنا العريق من بدأ تحققيه؟

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973

مشاهدات 79

نشر في العدد 148

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-مايو-1973

عملية استخراج التراث القديم وإحيائه ونشره تكلف كثيرًا من الجهد والتعب، وبحثًا عن أصول أخرى متناثرة لما تحت يده من نسخ يريد مقارنتها. ولكن هذه الأمور كلها تتضاءل بجانب الفائدة العظيمة التي يؤديها هذا التراث إذا ما قدم للناس في صورة مرضية. وكثيرًا ما يُسهل على الباحث والدارس من جهة، ويوفر عليه من وقت، هذا أمر حسن.. وقد لمس مثل هذا العمل كثير ممن اهتموا بمثل هذه الحالات من الدراسة الشاقة المضنية حول المخطوطات القديمة، ومن وقفوا أنفسهم على استخراج هذه الخزائن النفيسة.. ونفض غبار الزمن عنها لتعاود الحياة من جديد.. ولتبث روحًا جديدة في عصر هو في حاجة إلى أمثالها..

وقضية التحقيق مضى عليها زمن ليس بالقصير منذ أن امتدت الأيدي لتنفض ذلك الغبار.. وتسهر الليالي الطوال.. وتسافر المسافات البعيدة بحثًا عن ورقة ندت عن أختها ووجدت في متحف آخر... أو في مكتبة نائية في بلد ما.. هذه نعرفها جيدًا.. كما أننا نعرف أيضًا.. ذلك المجهود الذي يبذله المحقق لكي يقدم جهده للناس بعد ذلك التعب المضني.

ثمة أمر آخر هو الذي دفعني إلى أن أكتب هذا الذي أدونه.. ذلك أن مرجع هذه التحقيقات يرجعه أدباؤنا ومن حققوا الكتب عندنا إلى المستشرقين، ويرون أنهم أول من بدأ مثل هذا العمل.

وقد التقيت مع شاب توسمت فيه معالم الطلعة والنظر البعيد والاستقصاء العميق؛ وذلك استشفافًا من حديثه الذي حدثنيه وترك في نفسي آثارًا ما زالت تعاودني وأكررها بين الفينة والفينة.. وما زلت أذكر حديثه الملتهب حول هذه النزعة العلمية المتمكنة في نفسه كل هذا التمكن.. وجعلني أتشوق إلى حديثه أكثر فأكثر.. وهو يلح إلحاحًا عجيبًا حول سؤال رددته كثيرًا معه: هل صحيح أن المستشرقين هم أول من بدأ التحقيق وإطلاع تراثنا بصورة فيها قليل من الشروح وطبعه ونشره.. ثم نأتي نحن نفاخر بفلان من المستشرقين وأنه قدم هذا المجهود الضخم ولم يسبقه من علمائنا سابق؟! وبذلك يأخذون صفة الرواد الأوائل في يقظتنا العلمية.

علامات الاستفهام تطوف بمخيلتي، بل وأحس أن أساليب التعليم تتناوبه في حديثه الطويل، فما عنده من نظر –كما قلت– وتفهم جاد وخوض في غمار المخطوطات العربية القديمة يعطيني صورة عن هذا الحد الذي أسهب معي فيه.

وتساءلت معه أيضًا.. هل كان المسلمون أسبق من المستشرقين في مجال تحقيق تراثنا.. أم العكس؟ وزيادة في الأمر.. عرض علي صورًا لمخطوطة فريدة في المتحف البريطاني يدعم بها قوله.. وقد استطاع تصويرها وجلبها معه، كما قدم كلامًا بسيطًا يدل على حديثه الذي أثاره.. ويثبت الصورة التي تكونت في ذهنه حول هذه الأسئلة الطويلة وعلامات التعجب.

وقبل أن أقدم على إخراج هذا الموضوع.. فکرت طويلًا.. فإن الأمر يحتاج إلى دراسة بعيدة الغور.. شديدة التأمل.. ومن غير الملائم أن أعطي رأيًا في الموضوع من أول الأمر، وإن كنت حسبما اطلعت عليه أوافقه في كثير مما ذهب إليه.. لكن في الموضوع وجهات نظر كثيرة وأمور عدة تحيط به.. تستدعى وتستطلع..

لذلك رأيت أن أعرض الموضوع المبسط الذي كتبه مع صور من صفحات المخطوطة الوحيدة في المتحف البريطاني، وأترك الرأي بعد ذلك لمن أراد أن يدلي بدلوه.. فالموضوع يتبع بعضه بعضًا.. من أجل الإفادة والاستفادة.. ومن كان لديه تعليق حول هذا الكلام فإن الصفحة ترحب بما عنده رغبة وحبًا في الوصول إلى نتائج تعود على مثل هذا المجال بالفائدة، وأترك صاحب الرأي الأخ الفاضل «محمد علي الشايع» يتحدث إليكم:

التحقيق العلمي لكتب التراث العربي الإسلامي.. متى بدأ؟ وهل كان المستشرقون رواده الأوائل؟

يعتمد التحقيق العلمي على أسس واضحة، وإليك هذه الأسس مدرجة تحت هذه النقاط:

1.      تجميع النسخ المتيسرة للكتاب المراد تحقيقه.

2.      مقارنة نصوص هذه النسخ واختيار الأنسب من كل النسخ.

3.      إصلاح التحريفات النسخية والشواهد والأمثلة الإسلامية «في القرآن أو السنة» والأمثلة الأدبية.

4.      نسخ الأصل بعد التصويبات والملاحظات السابقة.

5.      وضع حواشٍ تحوي بعض الملاحظات وتخريج الآيات (الدلالة على السورة ورقم الآية في القرآن الكريم) والأحاديث والشواهد والأمثلة الشعرية.

6.      عمل فهارس متنوعة؛ لإفادة القراء والباحثين كفهارس: الموضوعات والأعلام والشواهد...إلخ.

هذه هي القاعدة المثلى لتحقيق كتب التراث العربي، وقل من يطبقها من المحققين العرب أو المستشرقين.

تاريخ التحقيق العلمي

يحدد أدباء العصر بدء التحقيق العلمي الصحيح ببدء نشوء العلماء المستشرقين وميلهم لتحقيق التراث العربي بأنواعه، ولو تأنى هؤلاء الأدباء، ونظروا في تراث آبائهم، لوجدوا ما لم يخطر لهم على بال، أو يطرأ على خيال.

وقد كنت قبل زمن مهتمًا بشعراء الجاهلية الصعاليك، وخاصة «تأبط شرًا الفهمي» و«السليك بن السلكة»، وقد أعوزني هذا الاهتمام أن أطلع على الكثير من نفائس مخطوطات التراث العربي، وكان كتاب «الحماسة ذات الحواشي» للإمام أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني، والذي أشار في أول ذاك الشرح إلى مدى اهتمامه بنص حماسة أبي تمام فقال: «وكنت شديد أتعاب الهمة منذ صباي إلى تتبع شروحه والتقاط غررها ودررها، وضم نشرها، وإيداعها مجلدة خفيفة المئونة، شريفة المعونة، وسهلة المرتقى، قريبة المغزى» (1).

ثم يدلل على جودة نسخته من الحماسة فيقول: «أخبرني بكتاب الحماسة الشيخ الإمام بديع الزمان أبو الفضل عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن الأخوة البغدادي -رحمة الله عليه-، قرأت عليه بأصبهان في رجب سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرني الخ» (2).

ولكن قد يتساءل بعض القراء عن علاقة هذا الأديب بموضوعنا الموصوف بالحداثة والمعاصرة؟ وسأزيدهم استغرابًا وحيرة عندما أؤكد لهم أنني لا أنتسب إلى المدرسة الجاحظية التي تجعل الاستطراد من أهم مميزاتها.

رويدكم...!! فتاريخ التحقيق العلمي يبدأ من هذا الأديب المحنك، ولكن لا تعتمد النظريات إلا ببراهين تسندها، فلنر مدى صحة تحقيق أبي الرضا العلمي بدراستنا لكتابه المسمى بـ«الحماسة ذات الحواشي»:

فالنقطة الأولى من نقاط التحقيق العلمي التي تقدم تبيانها هي من الأمور التي يوليها اهتمامًا كبيرًا كما يتبين لكل من يطلع على ذلك الكتاب، وخذ مثلًا قوله في شرحه (3):

«وقال رجل من بني عنبر واسمه قريط، نسخة: قرط، نسخة: قريط. وبعد هذه القطعة في نسخة الميكالي:

قال عنترة العبسي وأنوده أبو الندى الأعرابي الأسدي:

وما أنا بالممسح منكباه *** يعرض للسفاهة والصراع

ولكني إذا ما الخيل شدت *** أعنتها وبورز للصراع

أطاحن حين يسكن كل صوت *** وأضرب عند منقبض الذراع

أي: عند انقباض الأيدي عن الطعن والضرب. الممسح منكباه: من كثرة ما عانى الصراع»(4).

كما يتبين لنا في شرح قصيدة عنترة السابقة مثال واضح على جودة الحواشي؛ إذ يتضح لنا الشرح الجيد وتخريج القصيدة. وفي المثالين السابقين دليل على مقارنة نصوص النسخ التي تيسر للحسني الحصول عليها، كما يوجد هناك فهرس للموضوعات.

من هذا وغيره من الأمثلة التي تحتاج إلى كتاب يحللها يتبين لنا أن الحسني كان أول من حقق كتب التراث العربي تحقيقًا علميًا صحيحًا.

(1) أصل الحماسة مخطوطة المتحف البريطاني الوحيدة (ص 8 ب).

(2) أصل الحماسة (ص 9 ب).

(3) أصل الحماسة (ص 9 ب).

(4) أصل الحماسة (ص 30 ب).

الرابط المختصر :