العنوان المجتمع تنشر: أسرار التحالف الحكومي بين أربكان وتشيللر
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 81
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-يوليو-1996
بعد تشكيل الحكومة الائتلافية ارتفاع شعبية الرفاه إلى ٢٤% وتراجع شريكه الطريق القويم إلى ١٠%!
السؤال المطروح حاليا داخليا وخارجيا هو: هل تشكيل نجم الدين أربكان- زعيم حزب الرفاه الإسلامي- للحكومة رقم ٥٤ في تاريخ الجمهورية التركية مع تانسو تشيللر- زعيمة حزب الطريق القويم، ورئيسة الوزراء السابقة - الذي حاول مسعود يلماظ - رئيس الوزراء السابق، وشريكها في الحكومة ٥٣ - اغتيالها سياسيا بدعمه لحزب الرفاه المعارض آنذاك، والذي اتهمها بالفساد، مؤكدا ذلك بالوثائق والمستندات؟
كما أن هناك العديد من الأسئلة المطروحة لا تقل أهمية عن الأول مثل: هل يفقد الرفاه مصداقيته بعد أن أصبح في نظر البعض حزب سلطة؟ وهل يمكنه تحقيق وعوده الخلابة في ظل الظروف الحرجة التي تمر بها تركيا، خاصة وأن تشيللر مسؤولة عن جزء كبير من المسؤولية؟ وهل سيصمت الجيش على تولي الرفاه السلطة.
في البداية يجب أن نضع النقاط فوق الحروف توخياً للصدق والحقيقة، إذ إن ما قالته تشيللر ضد أربكان قبل أن يتحالفا يفوق ما قاله الأخير بكثير، ويجعل من الصعب فهم أسرار التحالف بين الاثنين، إذ قالت تشيللر ما يلي في حق أربكان وحزب الرفاه.
في يوم ١٤ نوفمبر ١٩٩٥م ليس هناك فرق بين عبد الله أوجلان - زعيم حزب العمال الكردي الانفصالي - وتعتبره الدولة إرهابيا وأربكان، وليس هناك فرق أيضا بين برنامج كاسترو وأربكان، وكانت قد أوضحت يوم ١٢ من الشهر نفسه أن نظام أربكان العادل مثل نظام كاسترو وماو ومرجمك، متهمة إياه بسرقة تبرعات البوسنة، وقائلة: إن بائع القطايف لا يصدق أربكان.
وفي ١٥ نوفمبر ١٩٩٥م قالت: أربكان ضد تركيا الحرة والديمقراطية.
وفي ١٦ نوفمبر ١٩٩٥م قالت: أربكان يقوم بانفصالية مثل أوجلان، ومن يعطي صوته له فهو مسلم ومن لا يعط فهو غير مسلم.
وفي ١٧ نوفمبر ١٩٩٥م هم في ناحية ونحن في ناحية، الذين يحمون العلمانية والعصرنة والأتاتوركية، والشعب يرجح كفة المستقبل وليس الماضي.
وفي ٤ / ١٢ / ١٩٩٥م: نحن الذين سنوقف هذا الشخص المدعو أربكان.
وفي ١٢/٥/ ١٩٩٥م: مستحيل التحالف مع أربكان.
وفي ١٥/ ١٢ / ١٩٩٥م: نحن ضد إجراء أية مفاوضات مع أربكان.
وفي ١٦/ ١٢ / ١٩٩٥م: أربكان يريد دفن الدولة وإعادتها للوراء.
وبالطبع كانت تلك التصريحات أثناء الحملة الانتخابية الماضية في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ديسمبر ١٩٩٥.
فماذا قال أريكان عن تشيللر آنذاك؟
في12/7/ ١٩٩٥م قال أربكان: تشيللر هانم تترك الإسلام جانبا وتتوحد مع الكافرين هؤلاء مجانين.
وفي12/8 /١٩٩٥م: تشيللر هانم عاشقة ومحبة للكفر.
وفي ١٢/ ١٢ / ١٩٩٥م تشيللر مسلمة بدون مشاعر، ولا تعرف حقائق تركيا مثل الكائنات التي تأتي من المريخ.
وفي ١٣/ ١٢ / ١٩٩٥م: تشيللر مثل عروس الملحد، وستلقى في مزبلة التاريخ إنها حبة بلا بركة، وتشبه فرعون.
وفي ١٥/ ١٢ / ١٩٩٥م: الوحدة الجمركية عمالة لأوروبا، أريد من تشيللر هانم أن تسمع صوتي: أنت مع الكفرة ستقيمين دولة واحدة، أما نحن سنقيم دولة إسلامية كبرى، لماذا تقذفين بالحقوق التركية تحت الأقدام الأوروبية.
وفي ١٢/١٦/ ١٩٩٥ م: تشيللر هانم عدو الدين.
وفي ١٧/ ١٢ / ١٩٩٥م: تشيللر هانم مستخرجة من حفريات الأرض.
اتهامات ما بعد الانتخابات
وإذا ما اعتبرنا السابق من مستلزمات الحملة الانتخابية، فماذا قال الاثنان بعد ذلك:
قالت تشيللر يوم ٢/١٥/ ١٩٩٦م: لن أمد يدي للرفاه حتى لا يصل إلى الحكم.
وفي ٢/١٩/ ١٩٩٦م: لن نجلس مع الرفاه لمناقشة ذلك الأمر.
وفي ٢/١٦/ ١٩٩٦م وجود الرفاه في السلطة سيلحق ضرراً بالدولة، ولذلك يجب منع وصوله إليها.
وأضافت في الكثير من التصريحات عندما كان مسعود يلماظ يجري اتفاقا للتحالف مع الرفاه يلماظ تعهد قبل الانتخابات بعدم التحالف مع الرفاه، ولذلك يجب أن ينفذ كلمته ووعده.
وفي ٤/٤ / ١٩٩٦م قالت: إن أربكان أكبر انتهازي.
وفي11/5/ ١٩٩٦م قالت: إن أربكان انتهازي، مفتري، يأخذ فائدة «مرابي، وإيراني الميول.
أما أربكان فقال يوم 1996/1/24م تشيللر هانم لن تكون رئيسة وزراء، ولن تأخذ دورا مؤثرا في الحكومة، وعليها أن تعي ذلك وتتراجع.
وبالتالي فإن تحالف أربكان وتشيللر وفقا للاتهامات السابقة يعني تحالف الرجعي الانفصالي الذي يريد إسقاط الدولة العلمانية بهدف إقامة دولة إسلامية مع الكافرة التي باعت بلادها للغرب.
إلا أن حزب الرفاه على أساس قاعدة الضرورات تبيح المحظورات تحالف مع تشيللر المكيافيلية، فعبد الله جول - وزير الدولة عن حزب الرفاه - أرجع في حديث إلى المجتمع أسباب تشكيل الحكومة مع حزب الطريق القويم إلى حصول الحزب على حقه في السلطة، على أساس أنه الحزب الأول، وتحقيق مكاسب للشعب عموما وللذين أيدوه خصوصا، ولا يمكن أن يحكم وحده بسبب عدم وجود الأغلبية المطلوبة، ويجب أن يتحالف مع الأحزاب الأخرى، والذي قال نعم هو حزب الطريق القويم.
وأضاف بأن وجود الحزب في السلطة يعني كودرة عناصره في دولاب الدولة والحصول على الخبرة اللازمة، وبالتالي تشكيل قاعدة أساسية للحزب عندما يصل إلى السلطة منفرداً ليحقق برنامج النظام العادل، وإلى أن يتم ذلك فالواقعية السياسية تجعل الرفاه يتعامل مع الواقع الحالي في محاولة لتغييره أو التأثير عليه.
بينما قال رجب الطيب أردوغان - رئيس بلدية أسطنبول ومن قيادات الرفاه، والذي أشيع عنه أنه ضد الائتلاف الحالي - في تصريحات لـ المجتمع.
إنه يرى خيراً في وجود حزبه في السلطة، إذ يمكنه دعم البلديات ماديا لحل مشكلات الجماهير، وكذلك عرقلة محاولات تجفيف المنابع الإسلامية، في تلميح إلى خطة وزارة التعليم لإغلاق مدارس الأئمة والخطباء التي ناضل حزب الرفاه في السبعينيات تحت اسم السلامة لفتحها، وكانت البنية الأساسية لنمو الصحوة الإسلامية والعودة إلى الذات، وأدت إلى تضخم حزب الرفاه بشكله الحالي.
بينما قال نجم الدين أربكان - رئيس الوزراء لـ المجتمع: إن الرفاه برئاسته للوزراء يريد تبديد المخاوف في الداخل والخارج أولا، وتقديم قدوة صالحة ستنعكس على باقي المسلمين في بلادهم، والتأكيد على أن المسلمين رجال دولة أكفاء أيضاً، وليسوا إرهابيين كما يحاولون تصويرهم، ولذلك فإن الوصول إلى السلطة يعتبر هدفا استراتيجيا في حد ذاته، علاوة على التقارب مع العالم الإسلامي مثلما حدث مع أوروبا على أيدي الحكومات السابقة، وهو توازن مطلوب، وسيكون لصالح تركيا والعالم الإسلامي في نفس الوقت، فوجود الرفاه في الحكومة سيجعل الغرب يتعامل مع تركيا بحذر وحساسية، فالرفاه يعني الندية وليس الضعف، فالرفاه ليس ضد العلاقات مع الغرب، ولكن بشرط ألا تكون على حساب المصالح القومية، أو على حساب إبعاد تركيا عن إطارها الإقليمي والإسلامي، فتركيا قوية بجيرانها وعالمها الإسلامي، ليس لمواجهة أوروبا ولكن من أجل التعامل معها باستقلالية في قرارها.
أما تانسو تشيللر فلخصت أسباب لجوئها إلى الرفاه، بأنه أصبح هو الطريق الوحيد لحل الأزمة السياسية في تركيا، بعدما فشلت كل الصيغ المطروحة لتشكيل حكومة مع الأحزاب الأخرى.
واستطلاع موري - استراتيجي الذي نشرت صحيفة «حريت» نتائجه يوم ٢ يوليو الجاري الثلاثاء الماضي، يجيب على السؤال الثاني، إذ إن حزب الرفاه لم تتأثر شعبيته بتحالفه مع الطريق عكس الأخير، مما يعني اقتناع قاعدة الرفاه بسياسة زعيمه أربكان.
فالاستطلاع تم عمله بعد الإعلان عن حكومة أربكان وكانت نتائجه كما يلي: حول ضرورة إجراء انتخابات جديدة الآن للخروج من الأزمة السياسية قالت نسبة 63% نعم، و ٢٥% لا، و12% ليس لديهم فكرة.
وحول إذا ما تم إجراء انتخابات جديدة حاليا من يفوز؟ فكانت النتيجة بحساب نسبة الذين لم يحددوا موقفهم وهي: ۱۳%، وتقسيمها على الأحزاب وفق النسب حصل حزب الرفاه على المركز الأول بنسبة ٢٤%، وهناك زيادة ٢ مقارنة بانتخابات ديسمبر الماضي البرلمانية، بينما حصل حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد على نسبة 18%، واحتل المركز الثاني، وبذلك حقق نسبة زيادة مهمة، بينما احتل الوطن الأم بزعامة يلماظ المركز الثالث بنسبة 17% فاقداً 5% مقارنة بالانتخابات السابقة، وحزب الحركة القومية الذي لم يستطع الحصول على ١٠ في الانتخابات البرلمانية السابقة في ديسمبر ١٩٩٥م ويتزعمه الب أصلان توركش حصل على ١٢.٥، أما الشعب الجمهوري بزعامة دنيز بيقال، والذي كان قد حصل على ۱۰% بشق الأنفس في الانتخابات السابقة احتل المركز الخامس بنسبة ١١.٥ وحصل الطريق القويم على المركز السادس بنسبة ١٠ أي تراجع بنسبة ١٠٠٪ مقارنة بالانتخابات السابقة، أما حزب العمل الديمقراطي كردي» حصل على 5 و ٢ حصلت عليها الأحزاب الأخرى.
وبالتالي فإن الرفاه لم يتأثر سلبا بالائتلاف الحكومي مع الطريق القويم الذي تأثر بشكل كبير، وهو الأمر الذي يفيد الرفاه على المدى البعيد بإضعاف حزب يميني كبير، خاصة وأن للإسلاميين بعداً مهماً في الوطن الأم.
كما أن سقوط مسعود يلماظ من رئاسته للوزراء زاد من حدة المعارضة الداخلية له، إذ يجمع الجناحان المحافظ والليبرالي معاً على ضرورة إسقاطه من رئاسة الحزب أيضا، فها هو أكرم باقد ميرلي من قيادات الحزب ينتقد يلماظ علناً ويقول: إنه رغم توليه رئاسة الوزراء سنة ونصف السنة عقب المرحوم تورجوت أوزال أسقط الحزب في انتخابات ۱۹۹۱م، التي فاز فيها الطريق القويم بزعامة سليمان دميريل - الرئيس الحالي، وبعد أن كان عدد نوابه ۲۹۰ هبط إلى 100، ورغم حصوله على ١٢٦ نائبا من الـ ٥٥٠ في الانتخابات الماضية، إلا أن عدد أصواته في هبوط مستمر، كما أنه سقط ثالثة بعد تسلمه رئاسة الحكومة بثلاثة أشهر.
ومن المتوقع أن تبرز المعارضة الصامتة ليلماظ في التصويت بالثقة جلسة مساء الإثنين 8 يوليو، بعدم حضور الذين يرفضون عدم التصويت ضد حكومة الرفاه – الطريق.
وهذا الإضعاف لحزب الوطن لصالح الرفاه كما أن تأسيس حزب تركيا الكبير، وبه حاليا نائب خرج من الطريق القويم سيكون عامل إضعاف لحزبي يمين الوسط الطريق، والوطن، إذ سيكون ملاذ المعارضين في الحزبين، فبدلاً من توحيد حزبي يمين الوسط سيتشرذمان إلى ثلاثة أحزاب.
موقف الجيش
كما أن تشكيل الحكومة وضع حدا لادعاءات رفض الجيش، فها هو إسماعيل حقي قره داي رئيس الأركان التركي يعلن في صوفيا يوم ٣٠ يونيو الماضي أن الجيش لا يتدخل في السياسة الداخلية، وأن تركيا دولة ديمقراطية، والحكومة يختارها الشعب.
بينما أعلن متحدث باسم الجيش في تصريحات لصحيفة «تركيا»، يوم ٣٠ يونيو ١٩٩٦م أن الجيش ليس قلقا من تولي أربكان رئاسة الوزراء، وبالتالي رئاسة مجلس الشوري العسكري يوم 13 أغسطس المقبل، لأن ذلك أمراً طبيعيا وفقا للقوانين، خاصة وأن جميع رؤساء الوزراء يحترمون الجيش، ولا يتدخلون في سياسته الداخلية، ولا يتدخلون في موضوع التعيينات أو الترقيات.
وأضاف بأنه بعد تصديق رئيس الجمهورية على الحكومة بعد حصولها على الثقة من مجلس الشعب، فإن الجيش لن يتخذ موقفا ضدها، لأنه ديمقراطي ويحترم إرادة الشعب.
وكذب في تصريحاته الادعاءات المتداولة حول رغبة الجنرال تومان كومان - قائد حرس الحدود والبندر - الاستقالة احتجاجاً على تشكيل الرفاه حكومة مع الطريق القويم، وقال: إن تلك الأنباء لا أساس لها.
وبذلك نجح الرفاه في تبديد المخاوف من تدخل الجيشـ والذي حاولت الصحف العلمانية تضخيمها من أجل إرهاب الأحزاب والشعب معا، رغم أن جميع الانقلابات العسكرية في تركيا وهي ثلاثة تمت في ١٩٦٠م، و ۱۹۷۱م، و ۱۹۸۰م، الأول كان ضد حكومة الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس، وذلك لأسباب ليست لها علاقة بالأذان العربي، خاصة وأن المقاييس الإسلامية لا تنطبق عليه فكريا، فهو صاحب حلف بغداد وأكبر المتعاونين مع الغرب آنذاك ضد المنطقة العربية والإسلامية، وإن كان المسلمون الأتراك قد استفادوا من فترة حكمه.
والثاني كان ضد سليمان دميريل عام ١٩٧١م وكان زعيما لحزب العدالة امتداداً للحزب الديمقراطي، والثالث كان ضده ثانية عام ١٩٨٠م أيضا، رغم أن أربكان كان قد شارك في السبعينيات 3 مرات في الحكم عبر حزب السلامة، الأكثر إسلامية من الرفاه الحالي من حيث الطرح والخطاب الإعلامي له، وكان مساعداً لرئيس الوزراء، وتولى حزبه حقائب هامة مثل الداخلية والعدالة، والتجارة والخارجية والزراعة.
وليس معنى ذلك أن الجيش يحب الإسلاميين ولكنه يحترم الديمقراطية، وبالتالي فإن أربكان أبطل مفعول سلاح الردع الوهمي الذي كانت الأقلام العلمانية تشهره.
تبديد المخاوف الغربية
وحتى على صعيد العالم الخارجي وحالة الهلع التي حطت على وسائل إعلامه بعد وصول الرفاه إلى السلطة، فإن موقف الإدارة الأمريكية وبالتعامل مع إدارة الرفاه أثبت عدم جدية المخاوف التي كانت مشهورة ضد حزب الرفاه، وأن تركيا ستواجه مقاطعة إذا ما وصل الرفاه إلى السلطة... فهذا مكسب آخر حققه الرفاه.
كيف ستتحقق الوعود؟
والسؤال الأكثر أهمية حاليا هو هل حصة الرفاه الحكومية ستمكنه من تحقيق وعوده للجماهير؟ وهل تحمل نفس أهمية حقائب الطريق القويم الذي حصل على الخارجية والدفاع والداخلية، والتعليم والصحة والاتصالات والصناعة والسياحة والغابات، علاوة على 9 وزارات دولة، بينما حصل الرفاه على 10 وزارات دولة و ۸ وزارات تنفيذية هي: العدالة، والمالية، والتعمير والزراعة، والعمل والطاقة والثقافة والبيئة.
من الناحية الشكلية فإن حصة الطريق أكثر بريقا وأهمية، ولكن من الناحية الواقعية خاصة من خلال ربطها بالهيئات والمؤسسات التي تقاسمها الحزبان، فإن حصة الرفاه أكثر أهمية، لأنها مرتبطة بخدمة الجماهير بشكل مباشر، أي وزارات وهيئات خدمية، ومن خلالها يستطيع التفاعل مع الشعب، والحصول على ثقته في الانتخابات المقبلة.
دور أربكان في الجيش أكبر من وزير الدفاع. فرئاسته للأركان ومستشارية الاستخبارات بين يديه
أول قرارات أربكان رفع الرواتب بنسبة ٤٠% وإلغاء الضرائب عن كل أصحاب الحد الأدنى من الأجور.. وإلغاء الفوائد المتراكمة على المزارعين ومقدارها ٤٠٠ تريليون ليرة
فالسياسة الخارجية والدفاعية جزء من استراتيجية الدولة، وليست سياسة يومية وبالتالي فإن إحداث تغيير في أسسها أمر صعب، فعلى سبيل المثال لا يستطيع حزب الرفاه - حتى ولو كان منفرداً بالسلطة - إلغاء اتفاقية «الناتو» ولكنه يستطيع وهو في السلطة عقد اتفاقيات مع الدول الإسلامية وإقامة تحالفات معها أو مع دول البلقان أو آسيا الوسطى.. وهو ما سيسعى إليه، كما أن وزير الدفاع منصب شكلي في تركيا، ويأتي بروتوكوليا بعد رئيس الأركان، وإذا كانت رئاسة الأركان تابعة لرئيس الوزراء نجم الدين أربكان الذي يصدق على تعيين رئيس الأركان فسلطته تكون أقوى من وزير الدفاع، كما أن رئاسة الاستخبارات أيضاً تابعة لرئاسة الوزراء، كما أن أربكان بصفته رئيسا للوزراء هو رئيس مجلس الشورى العسكري، وكذلك عضو بمجلس الأمن القومي، مما يعني أنه ليس بعيداً عن وزارة الدفاع التي تم إسناد حقيبتها إلى تورهان تايان لإبعاده عن وزارة التعليم، إذ إنه كان يريد تدمير بنية مدارس الأئمة والخطباء.
طمأنة الخارج
أما وزارة الخارجية، فإن تولي تشيللر لمسؤوليتها محاولة لطمأنة الغرب بعدم تغيير السياسة العامة لتركيا، إلا أن البروتوكول الحكومي نص أيضا على ضرورة توسيع العلاقات مع الدول الإسلامية ودول البلقان وآسيا الوسطى، وإبقاء المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي لا تتعارض مع الأمن القومي التركي فقط، في إشارة إلى احتمالات إلغاء الاتفاقية مع إسرائيل، والتي كان أربكان قد وعد بإلغائها.
كما أن تولي الرفاه إدارة الأتراك في الخارج سيساهم في ممارسة ضغوط من خلال توظيف ملايين الأتراك في الخارج على شكل لوبي سياسي، وبالتالي سيؤثر في عملية اتخاذ القرار فأربكان كرئيس للوزراء سيعمل على إحداث توازن في علاقات تركيا الخارجية، بحيث لا تكون على حساب العالم الإسلامي.
وبالنسبة لوزارة الداخلية فلاشك أنها مهمة جدا وخسرها الرفاه، ولكن خشية المؤامرات الداخلية ومحاولات إرباك حزب الرفاه، فإنه لم يتمسك بها، خاصة وأن هناك حالة بين الفلتان الأمني، والغليان الشعبي والمظاهرات الدائمة والعمليات الإرهابية تجعل وزير الداخلية يتحمل اضطرار رجال الأمن للجوء إلى العنف سواء بسبب أو بدون سبب.
أما وزارة التعليم فبدون شك خسرها الرفا،ه ولكن محمد صاغلام - وزير التعليم الجديد أفضل بكثير من الوزير السابق... وسيتم على الأقل إيقاف عملية اغتيال مدارس الأئمة والخطباء، ولكن مقابلها حصل الرفاه على وزارة الثقافة وإدارة الإذاعة والتلفاز الرسمية، والتي لها دور في تشكيل الرأي العام.
وزارات الرفاه
كما أن وزارة العدل التي يتولاها شوكت كازان للمرة الثالثة عظيمة الأهمية لارتباطها بالقوانين، خاصة وأن الرفاه لديه برنامج للإصلاح القضائي وتسريع العدالة للقضاء على المافيا، ولإصلاح أحوال السجون التي تعيش في اضطرابات منذ 3 شهور، وهو ما سينعكس بالإيجاب على الرفاه.
ووزارات مثل العمل والزراعة، والتعمير لا تقل أهمية عن الوزارات المظهرية والإعلامية، كما أن الطاقة والمالية، والبيئة، ذو تأثير جماهيري.
والتقييم النهائي للتقسيم الوزاري وهيئات الدولة يظهر أن الاقتصاد في يد حزب الطريق القويم، أما الكوادر والتكنوقراط ففي كفة الرفاه، مما يعني أنه صاحب رؤية استراتيجية، وأن السبب الرئيسي لدخوله الحكومة مع الطريق هو كودرة عناصر الحزب في دولاب الدولة تمهيداً للمرحلة المقبلة.
حصة الطريق القويم في الحكومة أكثر بريقا ولكن حقائب الرفاه أكثر خدمية واتصالا بالجماهير
أولى ثمار الرفاه
وخلال الأيام الأولى أعلن أربكان مجموعة من الوعود تحتاج تمويلاً يقدر بـ ١,٣ تريليون ليرة الدولار ۸۰ ألف ليرة، إذ اقترح أربكان رفع الحد الأدنى للراتب بنسبة ٤٠، وليس ٣٠ كما كان قد قرر يلماظ قبل عدة أيام من ترك الوزارة، مما يعني ضرورة توفير ۱۸۳ تريليون ليرة يستفيد منها ٥ ملايين و٨٦٩ ألف عامل، وسيكون الحد الأدنى للأجرة ١٠ ملايين.
كما تقرر إلغاء الضرائب على محدودي الدخل من أصحاب الحد الأدنى من الأجور، مما يعني ضرورة توفير ٢٢٥ تريليون ليرة كانت تجبى من هؤلاء، علاوة على إلغاء الضريبة الفورية ضريبة المبيعات، وكان مقدارها ٣٦٦ تريليون ليرة، كما تقرر رصد ۱۷۰ تريليون ليرة لرفع مستوى المعيشة، وبشر أربكان المزارعين بإلغاء الفوائد الفاحشة على القروض الزراعية . ومقدارها ٤٠٠ تريليون ليرة - والتي كانوا قد اقترضوها من بنك الزراعة الذي أصبح الرفاه مسؤولاً عنه مع بنك الأوقاف والتنمية.
وبالطبع فإن حكومة أربكان ستواجه تحديات أخرى مثل تسديد ديون داخلية تقدر بـ ٣٧٤ تريليون ليرة في يوليو من حجم الدين الداخلي الذي ورثه من حكومة يلماظ ومقداره ۲ تريليون ليرة.
دلالة المشاركة
وفي إطار التأكيد على توجهات حكومته حضر نجم الدين أريكان - رئيس الوزراء - بداية الشهر الجاري حفل توديع طلاب الشرق الأوسط وإفريقيا والبلقان الذين أنهوا دراستهم في تركيا، وأبدى في كلمته سعادته لوجودهم في تركيا، واعداً بزيادة عدد الطلاب الأجانب من العالم الإسلامي للدراسة في تركيا، كما أبدى الطلاب سعادتهم لوصول أربكان إلى السلطة عبر الصناديق الانتخابية، واعتبروا ذلك انتصاراً للمنهج الإسلامي المعتدل والفطرة السليمة.
الاستماع لرأي المعارضة
وفي إطار تقديم القدوة أقدم أربكان على خطوة هي الأولى من نوعها في تركيا إذ زار زعماء أحزاب المعارضة التركية - رغم هجومهم الدائم وغير العفيف ضده وعرض عليهم برنامج حكومته، وطلب وجهات نظرهم ليمكنه الاستفادة منها قبل عرض البرنامج على مجلس الشعب - تم عرضه الأربعاء الماضي - إلا أنهم انتقدوا أيضا الحكومة وأربكان خاصة، مما يشير إلى عدم احترامهم للديمقراطية والخضوع لها، فها هو أجاويد - زعيم اليسار الديمقراطي - يصرح بأن حكومة أربكان ستدفن في تركيا في الظلمات، وقال إنه لن يسلم تشيللر المسؤولية بعد سنتين، وسيخلق لها مشكلات كثيرة لعرقلتها.
أما دنيز بيقال فأعلن أن الحكومة مفيدة، لأنها ستكشف زيف مدعي العلمانية وخداعهم للجماهير التي صوتت للعلمانية والديمقراطية - في تلميح لتشيللر .. وقال: إن الحكومة لن تعيش طويلا.
كما لم تسلم الحكومة من انتقادات مسعود يلماظ - زعيم الوطن الأم - والذي اقترح عليه أربكان المشاركة في حكومته بجانب تشيللر.
مأزق التصويت بالثقة
وتواجه الحكومة مأزق التصويت بالثقة - مساء الإثنين ٨ يوليو ١٩٩٦م - وسط تفاؤل من الرفاه بالحصول على الثقة، خاصة وأن عدد مقاعد الرفاه ۱۵۸ نائبا سيحضر منهم ١٥٧، إذ سيتغيب إيدن مندريس لوجوده في الخارج للعلاج، علاوة على ۱۲۷ من الطريق القويم، فيكون العدد ٢٨٤، ويكفي ٢٧٦ لنيل الثقة، إلا أن هناك احتمال عدم تصويت ۱۰ نواب من الطريق أو تغيب ۲۰ عن التصويت ليكون عدد المؤيدين ٢٦٤ آنذاك، في مواجهة ١٣١ من الوطن، و ٧٥ من اليسار، و ٤٩ من الشعب الجمهوري و ٢ من المستقلين، ونائب تركيا الكبير، أي ٢٥٨ نائبا.
وعلى تلك الحالة تفوز الحكومة بالثقة لحصولها على أغلبية عدد الحاضرين للجلسة، وفي حالة دعم حزب الوحدة الكبير لأربكان وله ۷ نواب ستكون النتيجة ۲۷۱ نائبا.
وبالطبع فإن النواب الرافضين للائتلاف مع الرفاه من الطريق القويم إذا صوتوا بدلاء، فإن معنى ذلك إخراجهم من الحزب، بل يمكن إخراج الذين قد لا يحضرون الجلسة، وذلك وفقا للقواعد الحزبية، وإذا صوت ۱۰ منهم ضد الحكومة على أكثر تقدير سيكون عدد المعارضين ٢٦٨ مما يجعل تصويت حزب الوحدة الكبير إسلامي . قومي، ضروريا، وكان زعيمه محسن يازجلي أوغلي قد وعد الرفاه بالدعم، إلا أن هناك بعض التساؤلات المشروعة لدى نواب الحزب حول خفايا الائتلاف.. وهل سيتوقف الرفاه عن ملاحقة تشيللر في ميدان الفساد؟ وما مصير لجان التحقيق معها، ولذلك سيعلن الحزب موقفه بعد قراءة البيان ومناقشته - على حد تصريح يازجي أوغلي - يوم 1 يوليو الجاري.
النتائج
وعموما فإن أهم نتائج تشكيل أربكان لحكومته مع تشيللر رغم القصف اللفظي السابق بين الجانبين هو أنه لأول مرة يصل إسلامي لرئاسة وزراء تركيا، وهو مكسب بدون شك، ويخيل إليك أن نجم الدين أربكان عندما زار قبر أتاتورك لتقديم الولاء والطاعة قال له: ها قد عدنا اليوم يا مصطفى كمال أتاتورك مثلما قال الضابط البريطاني عند قبر صلاح الدين الأيوبي ها قد عدنا يا صلاح الدين فالسيدة الأولى نيرمين أربكان تظهر بجانبه بالحجاب رغم أنف العلمانيين، ووزراء الرفاه تصحبهم زوجاتهم بالحجاب رغم أنف البروتوكول، ورغم أنها مظاهر طبيعية في تركيا، إلا أن وصولها إلى مراتب الدولة العليا يجعل لها أهمية قصوى وتدعم المطالبين بحق المرأة في الحجاب والعمل به، ودخول المدارس والجامعات به.
التحديات
ولكن هناك تحديات ستواجه أربكان منها على سبيل المثال :
ماذا سيفعل أثناء زيارة مسؤولين إسرائيليين لتركيا؟ وما موقفه من قوة المطرقة التي اعتبرها قوات احتلال، وتهدد الأمن القومي التركي وينتهي عملها نهاية الشهر الجاري؟ وهل سيقول كما قال دميريل من قبل أمس أمس واليوم اليوم؟ عندما سأله الصحفيون حول عدم تنفيذ وعوده وتغيير مواقفه التي أعلنها قبل توليه السلطة بعد أن أصبح في الحكومة.
بالطبع هناك مواقف ووعود لأربكان ليست مرتبطة بالنظام العادل الذي من حقه فعلاً الدفاع عن نفسه بعدم تنفيذه، لأنه لم يأت إلى السلطة منفردا، ولذلك ينتظر القاصي والداني مواقف أربكان بعد توليه السلطة، وهل ستتغير تحت شعار الواقعية والمسؤولية الوزارية ونحن أبناء اليوم؟ أم سينفذ ما وعد به؟ ذلك هو المحك الحقيقي لمصداقية أربكان السياسية وليس تشكيل حكومة مع تانسو تشيللر التي اتهمها بالكفر وموالاة الغرب والعمالة له، والانتهازية والفساد.
رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان في سطور
ولد في سينوب في ٢٩ أكتوبر ١٩٢٦م. أنهى دراسته في جامعة أسطنبول التقنية كلية الميكانيكا عام ١٩٤٨م، وعمل بها معيداً في قسم الموتورات، ثم تم إرساله في منحة علمية عام ١٩٥١م بجامعة اخن التقنية، وعمل أيضا في مركز DVL الذي يقوم بأبحاث للجيش الألماني مع البروفيسور شيث، وبعد عام ونصف العام حصل على الدكتوراه.
قدم أريكان أبحاثا هامة في مجالات الاستهلاك من الوقود.
عاد إلى تركيا عام ١٩٥٣م وعمل أستاذا مساعدا وعمره ۲۷ عاما.
في الفترة من مايو ٥٤ - نوفمبر ١٩٥٥ أدى الخدمة العسكرية.
في عام ١٩٥٦ م أسس شركة جومش موتوره مع ۲۰۰ شريك تركي لإنتاج أول موتور محلي بأيد ومواد تركية.
عام ١٩٦٥ أصبح أربكان بروفيسورا، وتم اختياره عام ١٩٦٦ رئيسا لدائرة الصناعة في اتحاد الغرف التركية، ثم عين سكرتيراً عاما للاتحاد في عام ١٩٦٨م، وأصبح عضو مجلس إدارة، وفي عام ١٩٦٩ أصبح رئيسا لاتحاد الغرف التركية.
تزوج عام ١٩٦٧م بالسيدة نيرمين وأنجب منها ابنتين وولدا.
دخل عام ١٩٦٩م المجال السياسي وتم اختياره كتائب مستقل عن دائرة قونية.
في ٢٤ يناير ١٩٧٠م أسس حزب النظام الوطني إلا أنه أغلق في العام نفسه بعد 4 شهور.
عام ١٩٧٢ أسس حزب السلامة الوطني، واختير عضوا في البرلمان عن قونية.
في بداية ١٩٧٤م شارك في أول حكومة ائتلافية، وكان مساعداً لرئيس الوزراء بولنت أجاويد، ووزير دولة للشؤون الاقتصادية، ثم شارك في حكومة ائتلافية رباعية بعد فشل حكومة أجاويد، وكان نائبا لرئيس الوزراء أيضا في 5 يونيو ۱۹۷۷م شارك في ائتلاف ثلاثي.
في الفترة من ۱۹۷۸ - ۱۹۸۰م بقي أربكان وحزبه في المعارضة.
بعد انقلاب ۱۹۸۰م تم منع أربكان من ممارسة العمل السياسي، وتم إغلاق حزب السلامة أسوة بجميع الأحزاب الأخرى، إلا أنه عاد لممارسة العمل السياسي بعد استفتاء عام ۱۹۸۷م بعودة الساسة السابقين، وتم اختياره رئيسا لحزب الرفاه في أكتوبر ۱۹۸۷م، والذي كان قد تأسس في ١٦ يوليو تموز» ۱۹۸۳.