; المجتمع تفتح حوارًا حول وسائل تغيير المنكر | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع تفتح حوارًا حول وسائل تغيير المنكر

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 869

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 07-يونيو-1988

أبو الفتح البيانوني:

الأساليب ثلاثة والتغيير باليد ليس منهجًا ثابتًا.

الدكتور البيانوني: الداعية الذي يعرف الطريق إلى قلوب الحكام ومنهج التأثير فيهم هو المؤهل للتغيير.

تغيير المنكر عن طريق بث الفزع في القلوب، قد ينفع لمدة وجيزة، وقد يقابل هذا بعنف مضاد.

على الدعاة أن يأتوا البيوت من أبوابها ويتذكروا أنهم دعاة لا قضاة.


في العدد الماضي فتحت المجتمع حوارًا حول قضية "أساليب تغيير المنكر" حيث دعت عددًا من كبار المشتغلين في حقل الدعوة الإسلامية للحوار حول هذه القضية، وكان لقاؤنا الأول مع السيد عبد الله علي المطوع رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي، وفي هذا العدد ننشر إجابات الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني الأستاذ المشارك بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية في المدينة المنورة وذلك كما يلي:

المجتمع: هناك جماعات إسلامية في مصر وغيرها تدعو بل تمارس عملية تغيير المنكر باليد، ما هو رأيكم بهذا المنهج؟

البيانوني: إن تغيير المنكر باليد في الأصل أسلوب دعوي شرعي من أساليب الدعوة والتغيير، أوضحه الشارع ودعا إليه، فليس لأحد أن يمنعه أو يرفضه، فقد جاء في الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان" (مسلم:49).

وجاء في الحديث الشريف الآخر: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن..." (مسلم:50)

أما أن يتخذ هذا الأسلوب الدعوي منهجًا ثابتًا، أو يحصر الدعاة أنفسهم فيه، فهو من باب التزام ما لا يلزم، وكثيرًا ما يوقع الدعاة في الحرج. ومن هنا تتجلى حكمة الشارع في تعداد الأساليب الثلاثة معًا، ليكون للدعاة المؤمنين متسع، كما تتجلى حكمته في تقييده بالاستطاعة لكل أسلوب من هذه الأساليب، ولعل خطأ البعض في فهم الاستطاعة جعلهم يخطئون في تطبيق هذه الأساليب. فليست الاستطاعة هنا - في رأيي - مجرد إمكان الفعل وحصوله، وإنما في تحقيق الفعل غايته ووظيفته وهي "التغيير" كما صرح بذلك النص، وليست الاستطاعة في مجرد التذكير بالمنكر، والدعوة لتركه، أو في مجرد إزالته مؤقتًا إزالة عارضة، وإنما الاستطاعة في إمكان تغييره والقضاء عليه. ومن هنا جاء التعبير في الحديث الشريف "فليغيره" بدلًا من قوله: فليُزله أو يُذكر به وهكذا.

فالتغيير، ولا سيما باليد، عملية دعوية متكاملة، تتطلب بيانًا وإقناعًا، كما تتطلب مشاركة عملية وعونًا لصاحب المنكر على تركه، فهي تستلزم المرور بدرجات الاحتساب كلها، ولا يصح أن تقتصر على العمل الحسي المجرد، وقد بدأ الحديث الشريف هنا بذكرها، لا لأنها أول خطوة من خطوات الداعية، بل لأنها أقوى الأساليب والسبل المؤدية إلى الغرض، ولأنها الغاية والغرض من معالجة المنكر. والله أعلم.

المجتمع: يعطي هؤلاء الأولوية في العمل الدعوي، لمحاربة الفساد الأخلاقي، ويتجلى عملهم بمحاولات منع الحفلات الغنائية ومحاربة أماكن اللهو بوسائل عديدة فهل هذا العمل في مكان الأولوية بالنسبة لظروف الدعوة في الوقت الحالي؟

البيانوني: ترتيب الأولويات في العمل الدعوي، مسألة اجتهادية دقيقة، لا يُحسنها إلا ذوو العلم والفهم من الدعاة، ولو تُرك هذا الترتيب الهام لكل داعية أو شاب متحمس لخرجت الدعوة عن مسارها، وأدت إلى عكس نتائجها. وإن ترتيب الأولويات من أولى مظاهر التخطيط في العمل الإسلامي الذي يقوم على ضوابط عديدة من أولاها:

1.     أن يكون التخطيط من أهله.

2.     أن يكون جماعيًا.

3.     أن يكون متصلًا بعيدًا عن ردود الأفعال.

4.     أن يكون متوازنًا، يوازن بين الواجبات والإمكانات.

5.     أن يكون شرعيًا منضبطًا بالأحكام الشرعية.

أما أن يُترك التخطيط لكل من أحب أن يشارك في الدعوة، أو توفرت لديه رغبة في الخير، فقد يُخرب بعض الدعاة فيه على بعض، ويهدم البعض فيه ما يبنيه الآخرون.

أما تغيير مثل هذه المنكرات عن طريق بث الرعب والفزع في النفوس، فقد ينفع لزمن مؤقت، أو لحالة عارضة، وقد يقابل هذا العنف بالعنف، فيُمنع الخير وأهله عن فعل الخير بمثل هذه الأساليب - كما جرى وحدث في بعض البلدان.

ومن هنا: كان منهج القرآن الكريم في دعوة "فرعون" منهجًا فريدًا في التركيز على قلبه، وهو المتأله في الأرض، والخارج عن العبودية المطلقة لله، فكان من قول الله عز وجل لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه:44). فإذا كان هذا هو المنهج مع فرعون، فكيف بالمنهج مع غيره من الحكام مسلمين وغير مسلمين!

المجتمع: إذا كان منهج جماعات التغيير باليد لا يناسب الظروف الحالية، فما المنهج البديل في رأيكم؟

البيانوني: أولًا: لا يصح أن يكون أسلوب التغيير باليد وحده منهجًا ثابتًا لجماعة من الجماعات، وإنما هو أسلوب من أساليب الدعوة الثلاثة المذكورة في الحديث، فمن الخطأ أن تتخذ جماعة من الجماعات أحد هذه الأساليب شعارًا لها، وتلتزم به وتعرض عن غيره وإلا تكون قد جانبت منهج الله الذي رسمه لعباده.

وثانيًا: البديل عن ذلك: هو اختيار الأسلوب الأنجح لكل موقف من المواقف مهما قوي أو ضعف، ومن هنا تظهر حكمة الشارع في الحكم بالإيمان على كل من اختار أسلوبًا من هذه الأساليب حسب قدرته واستطاعته، فقال: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن..." ونفى الإيمان عمن سلك غير هذه السبل وأهملها جميعًا.

ولا يعني هذا: أن يختار كل لنفسه ما يحلو، وما يسهل عليه، وإنما يكون الاختيار حسب الإمكان والاستطاعة المصرح بها في النص الآخر: "فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه..."

فهذه الأساليب الثلاثة الفطرية الشرعية كفيلة بتحقيق رفع الإثم عن الدعاة - على الأقل - إن لم تكن كفيلة بتحقيق المعالجة في كل حال. ولا بديل عن ذلك - فيما أرى.

المجتمع: الحركة الإسلامية عالميًا، تضررت من حماس بعض الجماعات التي يطلق عليها الإعلام الغربي والرسمي في بعض البلدان العربية صفة "التطرف"، فما دور الحركة في تبيان هذا الخلط، وما أسبابه؟ ومدى أهمية أن يعرف المحايدون والأعداء هذه الحقيقة؟

البيانوني: أولًا: لا أرى مصلحة في وصف جماعة من الجماعات بالتطرف وغيره، وأود أن نبتعد عن تبادل الاتهامات والتنابز بالألقاب، ونكتفي بالحكم على المواقف بالصحة أو الخطأ.

فالتطرف لا يصلح طابعًا عامًا لأية جماعة، وإنما هو موقف واتجاه يقفه الفرد أو الجماعة في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات لسبب من الأسباب، وقد لا يخلو منه فرد أو جماعة.

ثانيًا: لا شك أن كثيرًا ما تركت أمثال تلك المواقف الخاطئة للأفراد أو الجماعات آثارًا سلبية على العمل الإسلامي بشكل عام، لأن كثيرًا من المسلمين مع الأسف لا يزالون ينطلقون في دعوتهم ومواقفهم من الاجتهادات الفردية، ويستجيبون في مواقفهم لنداء القلوب والعواطف، أكثر منهم لنداء العقول والعلم، ولم يعتبروا حتى الآن بما جرت إليه تلك المواقف من محن ومصائب على المسلمين بوجه عام وعلى الدعوة بوجه خاص.

ثالثًا: واجب الدعوة والعاملين تجاه هذه المشكلة الواقعة كبير وواسع، يمكن إجماله فيما يأتي:

1.     توعية العاملين والدعاة بواجباتهم، عن طريق التناصح والتواصي بالحق والصبر.

2.     توضيح الخطأ والصواب لهم وللناس عامة؛ ليكون المسلمون على بصيرة من أمرهم، فيحددون مواقفهم من مثل هذه الأخطاء.

3.     تبني المنهج السليم في الدعوة نظريًا وعمليًا ليكون قدوة عملية للآخرين.

4.     تطوير أساليب الدعوة ووسائلها بما يحقق للدعوة الأصالة والمعاصرة في وقت واحد، ويقطع الطريق على الآخرين بالدعوة إلى التطرف باسم الأصالة أو إلى التفريط باسم المعاصرة.

5.     الوضوح في المواقف والآراء، بحيث يعرف الجميع المبادئ والمواقف، ويميزون بين أصحابها، ولا يؤخذ فرد بخطأ آخر، ولا جماعة بوزر أخرى.

وعندئذ يعرف الناس الحقائق، ويطمئن المحايدون لما يجري من حولهم، فيفرقون بين المصيب والمخطئ، والحكيم والمتعجل، والمعتدل والمتطرف.

أما الأعداء فلن تنفعهم الحقائق شيئًا ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:81) ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:120)

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 120

97

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

بريد القراء (120)

نشر في العدد 246

126

الثلاثاء 22-أبريل-1975

بريد المجتمع (246)