العنوان المجتمع ترصد انتفاضة ومجزرة الجوع عند حاجز إيرز في غزة
الكاتب عماد عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994
مشاهدات 79
نشر في العدد 1109
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 26-يوليو-1994
· أخطر صدام بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ
خروج الإسرائيليين من غزة
بدأ الميدان الذي يضطر عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين لاجتيازه إلى
الضفة الأخرى لكسب قوتهم صبيحة كل يوم مختلفًا هذه المرة، لم يعد الميدان جسرًا
إلى العمل، وإنما بدا كساحة حرب حقيقية بين عمال فلسطينيين يبدو عليهم القلق،
وجنود «إسرائيليين» تسيطر عليهم ملامح الذعر والاضطراب، فيما وقف رجال شرطة
فلسطينيون قدموا من الخارج غرباء عن الصورة التي حفظ تفاصيلها الطرفان المتقاتلان
وتعايشا معها لأكثر من ستة أعوام.
تتضارب الروايات حول حجم خسائر الفلسطينيين والإسرائيليين في المواجهات
الأعنف من نوعها منذ بدء تطبيق اتفاق الحكم الذاتي، إلا أن الحقيقة الثابتة وراء
الصورة هي أن «الجوع» هذه المرة كان المحرك الأساسي لما جرى في «حاجز إيرز»
الإسرائيلي، نقطة العبور الرئيسية من قطاع غزة -الخاضع بمعظمه لسلطة الحكم الذاتي
الفلسطيني- إلى أسواق العمل «الإسرائيلية».
وقالت مصادر فلسطينية: إن عدد شهداء مجزرة «حاجز إيرز» يتراوح ما بين 5 -
11 شهيدًا، فيما يقدر عدد الجرحى بـ 200 جريح، وأعلن أن من بين الشهداء ياسر محمد
سلطان «24 عامًا» من سكان رفح، ورياض محمد ياسين «26 عامًا» من سكان خان يونس.
وصرح سفيان أبو زيادة أحد قادة حركة فتح في قطاع غزة أن إصابة غالبية
الجرحى كانت في القسم العلوي من الجسم. وأكد أبو زيادة نقلًا عن شاهد عيان جريح أن
مستوطنًا «إسرائيليًا»، يستقل سيارة «جي إم سي» زرقاء اللون، كان يقف في الجانب
الإسرائيلي من «حاجز إيرز» نزل من سيارته، بينما كان الجنود «الإسرائيليون»
يشتبكون مع العمال الفلسطينيين، وفتح النار من سلاحه باتجاه العمال، وأصاب ما لا
يقل عن عشرة منهم بين جريح وقتيل، ورفض أبو زيادة نفي أو تأكيد ما إذا كان قسم من
الشهداء والجرحى سقطوا برصاص الشرطة الفلسطينية.
وذكرت المصادر العسكرية الإسرائيلية أن 17 إسرائيليًا بينهم 14 من جنود حرس
الحدود، أصيبوا بجروح طفيفة خلال المواجهات، وأن العمال أحرقوا محطة وقود وعشرات
الحافلات الإسرائيلية وبعض المنشآت الصناعية «الإسرائيلية»، في منطقة «إيرز»، فيما
قال مراسل للإذاعة العبرية إنه شاهد أفرادًا من الشرطة الفلسطينية يطلقون النار مع
الجنود الإسرائيليين باتجاه العمال العرب، ويصيبون العشرات منهم بجروح.
ما حدث مؤشر خطير واختبار لاتفاق السلام المزعوم
تقول «إسرائيل»: إن ما جرى قرب الحاجز العسكري مجرد «أعمال شغب»، فيما
يعتقد الفلسطينيون أن أحداث اليوم علقت الجرس «لثورة الجوع» التي خلفت «انتفاضة
الحجارة»، والتي كان قطاع غزة نقطة انطلاقتها الأولى.
ويقول محمد سالم، وهو شرطي فلسطيني -كان يرابط قرب بلدة «بيت حانون» مع
قوات الشرطة التي قطعت الطريق على الشبان والأهالي القادمين من أنحاء القطاع
للمشاركة في المواجهات: إن ما فجر المشكلة هو «وجود أعداد كبيرة من العاطلين عن
العمل»، مشيرًا إلى أن عدد التصاريح التي تمنحها إسرائيل للعمال الفلسطينيين لا
يتجاوز عشر عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة، وأضاف سالم: «هذه هي البداية فالكل
هنا يبحث عن لقمة العيش».
يقول العميد غازي الجبالي مدير الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة: إن «الأحداث
المؤسفة التي اندلعت في إيرز انتهت» وإنه «لا يوجد أي مخالفات»، ويعتقد الجبالي أن
بعض الجهات والمنظمات تدعو إلى إضرابات ومظاهرات تشارك في تأجيج وضع يحتاج علاجه
إلى التروي والحكمة.
غير أن الدكتورة حنان عشراوي المسؤولة عن الهيئة الوطنية العليا لحقوق
الإنسان تعتقد أن ما جرى هو «مؤشر خطير له دلالات مستقبلية»، وهو ما يوافقها عليه
أغلب المراقبين.
طالما حذر المسؤولون في السلطة الفلسطينية من مغبة تأخير أموال المساعدات
الدولية المقررة لمجلس سلطة الحكم الذاتي، إلا أن الدول المانحة ظلت تماطل في
تحويل أموال المساعدات التي قررتها للفلسطينيين لأسباب تقول إنها «فنية».
ويقول المحامي علي غزلان -نائب رئيس لجنة المحامين العرب في الضفة الغربية
والمقرب من منظمة التحرير الفلسطينية: إن ما جرى اليوم يعتبر «رسالة للقيادة
الفلسطينية والإسرائيلية والدول المانحة والدول العربية مفادها أن السلام ليس مجرد
اتفاق، وإنما هو حقوق شعب في الحياة الكريمة في الأرض والتطور، وفي كسب رغيف الخبز
بكرامة»، ويتهم غزلان المؤيد لاتفاق الحكم الذاتي «إسرائيل» والدول المانحة
بممارسة «عملية ضغط مركز لتركيع الشعب الفلسطيني اقتصاديًا» -حسب قوله.
ويقول عبد اللطيف غيث -أحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين داخل الأراضي
المحتلة: إن «ما حدث هو انتفاضة جوع، وهو يرفض أي محاولات لتحميل العمال مسؤولية
الانفجار في إيرز فهم مضطرون للتوجه يوميًا إلى الحاجز الدخول «إسرائيل»، وهم لا
يتحملون أي مسؤولية عما حدث». مشيرًا إلى أن الإسرائيليين بادروا لفتح النار على
العمال العزل، كما أن «الجانب الإسرائيلي يتحمل المسؤولية، فهو الذي جعل من العمال
ضحية طوال الـ 27 عاما من احتلاله للأراضي العربية».
ولا يستثني غيث الذي تعارض جبهته اتفاق الحكم الذاتي السلطة الفلسطينية من
مسؤولية الأحداث «لأنها وقعت اتفاقات مع إسرائيل رهنت خلالها مصير الشعب الفلسطيني
أمنيًا واقتصاديًا «لإسرائيل»، ولم توفر مصادر رزق بديلة لهؤلاء العمال».
تستطيع السلطة الفلسطينية استثمار أحداث اليوم لإقناع الدول المانحة
وإسرائيل بضرورة تحسين المستوى المعيشي للفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، وتوفير
مصادر رزق للعمال والعاطلين عن العمل، غير أن قوى المعارضة ترى فيما جرى مؤشرًا
هامًا على المستقبل ما لم يحسن أنصار الاتفاق التعامل مع الحاضر، فانفجار الجوع،
قد يكون أوسع وأعنف مما شهدته الأراضي المحتلة طوال تاريخها مع الاحتلال
«الإسرائيلي».
ويقول فلسطينيون مؤيدون لاتفاقات السلام: إن السلطة قد تقنعهم بجدوى تأجيل
التفاوض حول القدس والمستوطنات، لكنها بالتأكيد غير قادرة على إقناعهم بمواصلة
الصبر على جوعهم وفقرهم بانتظار مفاوضات المرحلة النهائية.
أما «الإسرائيليون»، فيقولون: إن مغادرتهم لـ«عش الدبابير» الاسم المعبر عن قطاع غزة لم تحل دون أن يطاردهم الفلسطينيون الحانقون إلى حدود العش الذي بدأ مرحلة جديدة من الغليان يبدو أنه من الصعب تجاهلها أو القفز فوقها دون حلول حاسمة.