العنوان غالبية الأمريكيين مازالوا يتعجبون من وجود المسلمين في أمريكا! ينظرون إليهم على أنهم خطر مدمر وليسوا أمريكيين مثلهم
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 81
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 29-فبراير-2000
المستقبل يحمل الأفضل للمسلمين لما يتمتعون به من مهارات وإمكانات ورسالتهم إلى المجتمع يجب أن تكون، نحن هنا لنعيش ونشارك لا لنهدد أو ندمر
التفرقة العنصرية تتضاءل ـ ضد المسلمين في ظل حكم الديمقراطيين وسياسة الرعاية الاجتماعية للجمهوريين تجاه مجتمع السود ستحقق زيادة في عدد المسلمين
في العدد الماضي تناول الدكتور علي المزروعي في حواره مع «المجتمع» المفارقات والتناقضات التي تواجه المسلمين، والمقارنة بين أوضاع المسلمين واليهود في المجتمع الأمريكي، وانعكاسات التحولات السياسية والأيديولوجية التي شهدها العالم بعد الحرب الباردة على الأقليات المسلمة في الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، وأهم القضايا التي تشغل اهتمامات الجالية الإسلامية هناك.
وفي هذا العدد تواصل «المجتمع» حوارها مع د.المزروعي حول مزيد من القضايا.
ما حدود الدور الذي يمكن أن يقوم به المسلمون كأقلية في الولايات المتحدة لمناصرة القضايا الإسلامية في العالم؟
الواقع أن دور المسلمين الأمريكيين ذو أهمية بالغة في مستقبل الإسلام في العالم، لأنهم يعيشون في أقوى دولة، ورغم أن عدد المسلمين مازال صغيرًا إلا أن المستقبل يحمل الأفضل لهم والعالم الإسلامي لما يتمتعون به من مهارات وإمكانات في أمريكا، وإذا استطاع المسلمون التأثير في المجتمع الأمريكي فإنهم سيكونون قادرين على التأثير في الأمة الإسلامية كلها، إن لدى الولايات المتحدة القدرة على أن تفعل كل شيء في العالم، فإذا استطاع المسلمون الأمريكيون التأثير في عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية فإنهم سيحققون بالتالي صالح الأمة الإسلامية.
هل صحيح أن أمريكا في طريقها لأن تصبح دولة مسيحية يهودية – مسلمة؟
الواقع أن هذا الأمل يبدو بعيدًا نسبيًّا رغم وجود بوادر مشجعة في هذا الاتجاه في ظل إدارة كلينتون، فلأول مرة تعترف الحكومة الأمريكية بالمسجد كمؤسسة دينية مثله مثل الكنيسة والمعبد ومن جانبه أرسل البيت الأبيض تهنئة للمسلمين خلال شهر رمضان واستضاف حفلًا بمناسبة عيد الفطر، ومثل هذه التطورات غير المسبوقة لها دلالات جيدة، بالإضافة إلى ذلك فقد أصبح للمسلمين أئمة داخل الجيش وكل هذه التطورات جيدة ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهود من جانب المسلمين حتى يصبح المجتمع الأمريكي مجتمعًا مسلمًا بالإضافة إلى كونه مجتمعًا مسيحيًّا يهوديًّا.
ما القوة السياسية الإسلامية الفعلية في الولايات المتحدة؟
تأثير المسلمين في الولايات المتحدة لايزال ضعيفًا، كما أن الخوف من جماعة «أمة الإسلام» لا يزال يحاصر صانعي القرار في أمريكا، وقد نبه نجاح مسيرة المليون رجل التي نظمتها الجماعة صانعي القرار بالارتباط الشديد بين الإسلام وبين العرقية داخل أمريكا، لذلك فإن القضية تتعلق ببعض القلق والارتياب الذي ساد المؤسسة السياسية الأمريكية حول خطورة الربط والتحالف بين الإسلام وبين العرقية.
هل يمكن اعتبار المجتمع المسلم في الولايات المتحدة نموذجًا مصغرًا للأمة الإسلامية؟
الولايات المتحدة ككل تعد نموذجًا مصغرًا للعالم كله، وكما تعرف فإن المسلمين الأمريكيين غير متجانسين عرقيًّا ويمثلون جميع الأعراق في العالم الإسلامي بشكل لا يتكرر في أي دولة إسلامية فليس هناك مكان في العالم يعيش فيه معا المسلمون النيجيريون والأندونيسيون والمصريون والفلبينيون، بالإضافة إلى الأمريكيين السود، كما هو الحال في الولايات المتحدة.
ويمكن تقسيم مسلمي الولايات المتحدة إلى مسلمين أصليين ومسلمين مهاجرين، ويشكل المسلمون الأصليون ٤٢٪ من مسلمي أمريكا، ولا أعني بالمسلمين الأصليين اتباع جماعة «أمة الإسلام» فقط لأن هذه الجماعة تشكل جزءًا من المسلمين السود، ولعل من أهم القضايا التي يجب أن يوليها المسلمون الأمريكيون مزيدًا من الاهتمام هي كيف يتم التقريب بين المسلمين الأصليين والمسلمين المهاجرين، وكيف يتحقق التقارب والتعاون بينهما للقضاء على هذه الثنائية التي تعوق الوصول إلى موقف إسلامي موحد في القضايا المختلفة.
ما الذي يمكن أن يتميز به المسلمون في الولايات المتحدة؟
من المؤكد أن المسلمين اليوم ربما لا يستطيعون أن يمثلوا قوة اقتصادية في الولايات المتحدة مثل اليهود، فاليهود أكثر قوة حتى من الأمريكيين البيض في هذه الناحية، كما أن اليهود ناجحون للغاية في مجالات الإعلام والتعليم الجامعي بالإضافة إلى المال والتجارة، ويكفي أن تعلم أن نحو ربع أصحاب الملايين في أمريكا هم من اليهود.
وعلى هذا أقول إنه ليس من المتوقع أن يحقق المسلمون الأمريكيون ما حققه اليهود من نفوذ وقوة داخل الولايات المتحدة، ولكني أعتقد أن الفجوة الواسعة يمكن أن تضيق في المستقبل نتيجة التقدم الاقتصادي والتعليمي الذي يحققه المسلمون، وربما يصبح المسلمون خلال القرن القادم قوة مؤثرة في السياسة الأمريكية مثل اليهود.
هل يشعر الأمريكيون بوجود المسلمين وفاعليتهم في داخل المجتمع الأمريكي؟
غالبية الأمريكيين لايزالون يتعجبون من وجود المسلمين في أمريكا ومن بحثهم عن دور سیاسي، ولا زالت الغالبية من الأمريكيين تنظر إلى المسلمين كخطر مدمر لهم، وليس على أنهم أمريكيون مثلهم، ومشاركون في بناء المجتمع ولذلك فإن الرسالة التي يجب أن يركز عليها المسلمون في حوارهم مع المجتمع هي أننا هنا لنعيش ولنشارك لا لنهدد أو لندمر.
إن موقف المجتمع الأمريكي لا يبدو غريبًا، إذا عرفنا أن غالبية المسلمين في العالم لا يعرفون حجم الوجود الإسلامي في أمريكا، ويصابون بالدهشة عندما نقول لهم إن عدد المسلمين في أمريكا تجاوز ستة ملايين لأنهم لا يزالون يعتقدون أن هذا العدد لا يتجاوز بضعة آلاف تتمركز على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
في رأيك متى سنرى مسلمين يرشحون أنفسهم للكونجرس والبيت الأبيض، وهل يمكن أن يحدث هذا في انتخابات عام ٢٠٠٠م؟
أعتقد أن هذا يمكن أن يحدث في انتخابات عام ۲۰۰۰م، وهناك تشجيع مستمر في هذا الاتجاه ومناقشات مستفيضة داخل المجتمع المسلم حول ضرورة تقديم مرشحين مسلمين للكونجرس، وربما للبيت الأبيض، إن رغبة المسلمين في المشاركة الفعالة في النظام السياسي الأمريكي سوف تدفعهم قريباً لتقديم مرشحين مسلمين للمناصب الرئيسة في البلاد.
ما التحديات الأساسية التي ستواجه المسلمين الأمريكيين في العقد القادم؟
أهم تحدٍ يواجه المسلمين في أمريكا -في رأيي- هو تلك الثنائية القائمة بين المسلمين من الأمريكيين الأصليين «السود» وبين المسلمين المهاجرين والعلاقات بين الاثنين، أما التحدي الثاني فيتمثل فيما إذا كانت جماعة أمة الإسلام سوف تصبح عنصرًا مساعدًا للمسلمين أو عنصر عدم استقرار لهم، والواقع أنني متفائل لوجود لويس فرخان في زعامة جماعة أمة الإسلام فهناك أمل في التعاون طالما بقى فرخان، أما إذا اختفى من الساحة بالاغتيال أو بالعزل كما يخشى هو نفسه فإنني أعتقد أن الأمور ستزداد سوءًا، ومع ذلك فإننا يجب أن نكون متفائلين، لأن فرخان يعرف الإسلام جيداً مع أننا لا نتفق معه في أمور كثيرة، ولكنه يعرف حقائق الإسلام أكثر من غيره في الجماعة، كما أنه يفهم واقع الحياة القائم ويفهم العالم بصورة أفضل مما كان عليه ملكوم إكس واليجا محمد أو فارد محمد.
هل يمكن أن يتحالف الأمريكيون السود والمسلمون معًا لتحقيق مصالح مشتركة؟
الأمريكيون السود لا يزالون ينظرون إلى الإسلام بعين الشك والريبة، رغم أن قطاعاً منهم اعتنقوا الإسلام ويشعرون براحة فيه، وعلى المسلمين أن يكثفوا جهود الدعوة الإسلامية بين الأمريكيين السود ولا يتركوا الأمر فقط لجهود محمد علي كلاي ولويس فرخان.
ما الأسس والمبادئ التي تحكم اتجاهات الناخب المسلم، وتحدد خيارات الصوت الإسلامي على خريطة التنافس الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين؟
تلقى الاهتمامات الأخلاقية للمسلمين بظلالها على موقف المسلمين من الحزبين وسياسة كل منهما الداخلية والخارجية، ففي التسعينيات أقبلت أعداد متزايدة من المسلمين الأمريكيين على المشاركة في انتخابات الكونجرس وانتخابات حكام الولايات، في محاولة للتأثير على المرشحين وقد حققت جهود دفع المسلمين إلى التصويت في الانتخابات نجاحًا محدودًا على المستوى المحلى في بعض المدن والولايات مثل أوكلاند وكاليفورنيا وميتشجان وتينسي، وقد تردد أن المسلمين سوف يربطون تأييدهم لمرشح الرئاسة القادم بتقديمه وعدًا صريحًا بتعيين مسلم في منصب رفيع المستوى في الحكومة القادمة.
وفي القضايا الاجتماعية مثل الحفاظ على القيم العائلية، يجد المسلمون أنفسهم قريبين إلى الجمهوريين المحافظين أما فيما يتعلق بحاجتهم إلى تأكيد مبدأ الفصل بين الدولة وبين الكنيسة الذي يحمي الأقليات الدينية، فإن المسلمين يجدون أنفسهم أقرب إلى الديمقراطيين الذين يقدمون حماية أفضل للمسلمين من خلال حفاظهم على هذا المبدأ، ودعونا ننظر إلى هذا المبدأ عن قرب فالنص الأول من الدستور الأمريكي يسمح للأقليات الدينية بممارسة شعائرهم في جو آمن ولكن مثل كل النصوص فإن هناك من المتعصبين من يريدون تقليص هذه الحريات، ومع هذا فإن الدولة العلمانية في أفضل حالاتها تكون ملجأ آمنًا للأقليات الدينية، وفي هذا الإطار نقول إن العلمانية الأمريكية تعد صديقة للمسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة، ولكن المسلمين ينظرون إلى الدرجة العالية من الحرية الشخصية التي تتيحها هذه العلمانية كمدمر للقيم الروحية والأخلاقية، فالشخص قد يكون بدون دين رسمي ويحتفظ بقيمه الروحية كآدمي
لقد أخذ تأثير الدين في الغرب في التضاؤل منذ عهد النهضة، ولكن هذا التضاؤل قد بلغ مداه في القرن العشرين، ومن وجهة نظر المسلمين فإن أمريكا لم تصبح فقط أقل تدينًا ولكنها أصبحت أيضًا أقل روحية وأخلاقية، كما أنها لم تصبح أكثر علمانية فقط ولكنها أيضاً أصبحت أكثر تحررًا وينظر المسلمون إلى التحررية الأخلاقية على أنها الخطر الذي يهدد حياة المسلمين في الغرب ويخشى المسلمون من أن هذه التحررية قد تؤثر على عمليات التنشئة الاجتماعية للأجيال القادمة من أبنائهم في اتجاه تشجيع القيم الاستهلاكية والحرية الجنسية، ولهذه الاعتبارات يشعر المسلمون أن التهديد الأكبر للإسلام في الولايات المتحدة إنما يأتي من الإباحية والتحرر أكثر من العلمانية..
هل بالإمكان إلقاء نظرة على التاريخ السياسي للحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه قضايا العالمين العربي والإسلامي
إن تناول السلطة بين الجمهوريين والديمقراطيين يتضمن بعض المفارقات، إذ يلاحظ المسلمون أن الحكومات الجمهورية قد أظهرت قدرة كبيرة على الوقوف أمام إسرائيل بالمقارنة بالحكومات الديمقراطية، ففي عام ١٩٥٦م أصر الرئيس الجمهوري أيزنهاور على إنهاء الاحتلال البريطاني -الفرنسي -الإسرائيلي للأراضي المصرية وأجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء التي كانت قد احتلتها في حرب السويس، كما ساند الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون باكستان في صراعها مع الهند عام ١٩٧١م، مما أغضب منه الهنود وأثار القوى الإقليمية والعالمية ضده بسبب موقفه المؤيد للمسلمين في هذا الصراع.
في مقابل هذه المواقف من جانب الجمهوريين. فقد كان الرئيس الديمقراطي هاري ترومان هو الذي أعطى الضوء الأخضر لإنشاء إسرائيل في عام ١٩٤٧م كما سمح الرئيس الديمقراطي لندون جونسون للمخابرات الأمريكية بمساعدة إسرائيل في حرب يونيو ١٩٦٧م، وأخيراً أصبح الرئيس الديمقراطي بل كلينتون أكثر رؤساء أمريكا مساندة لإسرائيل، ولأول مرة يلتزم رئيس أمريكي الصمت تجاه بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة، كما كان أول رئيس أمريكي يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بالإضافة إلى ذلك فإن حكومة كلينتون كانت أكثر الحكومات الأمريكية التي عملت بدأب شدید لعزل إیران دوليًا.
ويدل ما سبق على إن الرؤساء الجمهوريين كانوا أكثر تعاطفًا مع المسلمين في مجال السياسة الخارجية من الديمقراطيين، أما في السياسة الداخلية فإن الحزب الديمقراطي -باعتباره حزب الأقليات- كان أكثر إدراكًا وتفهمًا للتنوع العرقي والديني، ولذلك كانت التفرقة العنصرية ضد المسلمين تتضاءل في ظل حكم الديمقراطيين، وإن كان هذا لا ينطبق على قانون مكافحة الإرهاب الذي قدمته إدارة الرئيس الديمقراطي كلينتون لأنه لا يتعلق بالشئون الداخلية فقط وإنما بالشئون الخارجية أيضًا.
من خلال متابعتك للنشاط الإسلامي على الساحة الأمريكية، كيف تقيم الأداء السياسي لجماعة أمة الإسلام، ولزعيمها لويس فرخان إذا نظرنا إلى المجتمع المسلم في الولايات المتحدة من حيث الهوية العرقية، فإننا نجد أن الغالبية العظمى من المسلمين الأمريكيين ينتمون إلى ألوان متعددة، أي أن الغالبية من الملونين من ذوي الأصول الإفريقية، ولذلك كان موقف المسلمين من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا قبل بداية التسعينيات واضحًا، فقد كان المسلمون من أنصار فرض الولايات المتحدة عقوبات صارمة على نظام الحكم العنصري في بريتوريا، ودخل المجلس الإسلامي الأمريكي في نوع من التحالف الاستراتيجي مع منظمة ترانس إفريقيا - Trans Africa التي كان يتزعمها الأمريكي الأسود راندال روبنسون، وفي الثمانينيات عقد المجلس الإسلامي الأمريكي مؤتمرًا كبيرًا تحت عنوان الإسلام ضد الفصل العنصري، دعا إليه متحدثين من مختلف دول العالم من بينهم قادة المسلمين في جنوب إفريقيا، وقد نجحت منظمة ترانس إفريقيا في إقناع الحكومات الأمريكية بفرض عقوبات واسعة النطاق على النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وظلت هذه العقوبات قائمة إلى أن تم الإفراج عن الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا ومنح المؤتمر الوطني الإفريقي شرعية الوجود ولعل أكثر المجموعات المسلمة شعورًا واهتمامًا بقضية العنصرية في الولايات المتحدة هم المسلمون السود الذين ينتمون لجماعة أمة الإسلام، التي يتزعمها في الوقت الحالي لويس فرخان والمعروف أن السياسة الخارجية كانت من أبرز العوامل التي أدت إلى نشأة أمة الإسلام، في مطلع الثلاثينيات، فقد ولد مؤسس الحركة فارد محمد -كما يقال- في مكة وهاجر إلى أمريكا في عام ۱۹۳۱م، وعلى الرغم من بقاء الخلاف قائمًا حول هوية فارد محمد وما إذا كان ذا أصول عربية أم لا، إلا أن الفكرة الشائعة عنه أنه كان عربيًّا رغم أنه كان يعتبر نفسه منتميًا في المقام الأول إلى المجتمع الأسود في مدينة ديترويت بولاية ميتشجان، ولا يزال اختفاء فارد محمد عام ١٩٣٤م لغزاً غامضًا وخلفه في زعامة الجماعة اليجا محمد.
لقاء مع فرخان
وقد واجهت جماعة أمة الإسلام، أول اختبار لها في مجال السياسة الخارجية أثناء الحرب العالمية الثانية عندما دعا اليجا محمد أتباع الجماعة إلى عدم القتال في صفوف القوات الأمريكية وقال إنهم كمسلمين ليس من الواجب عليهم القتال في الحرب تحت راية الولايات المتحدة، وقد أدى هذا الموقف إلى سجن اليجا محمد لمدة أربع سنوات في الفترة من ١٩٤٢م إلى ١٩٤٦م، وقد استمر الصدام بين أمة الإسلام، وبين الجيش الأمريكي فيما بعد انتهاء الحرب، فقد رفض بطل الملاكمة محمد علي كلاي وكان من أتباع أمة الإسلام، الانضمام إلى الجيش الأمريكي في حرب فيتنام، وقد تم عقابه بنزع ألقابه في الملاكمة، الأمر الذي دفعه إلى التخلي عن الميدالية الذهبية التي حصل عليها في الأولمبياد احتجاجًا على ذلك، وفي عام ۱۹۷۱م قضت المحكمة العليا بإلغاء العقوبات التي كانت مفروضة عليه، واعتبرت هذه العقوبات انتهاكًا لحقوقه المدنية وحقه في التعبير الذي كفله الدستور.
لقد سبق لي أن التقيت لمدة خمس ساعات مع لويس فرخان بمنزله في شيكاغو بولاية إلينوي في يناير ١٩٩٦م، في أعقاب مسيرة المليون رجل، التي نظمها في واشنطن في أكتوبر ١٩٩٥م، وقد سألت فرخان عما إذا كان لهذه المسيرة أية قضايا تتصل بالسياسة الخارجية، فقال لي: إنه تلقى بعد نجاح المسيرة تهاني من العقيد القذافي الذي عبر عن سعادته بنجاح المسيرة، كما أخبرني أنه يعتزم القيام بجولة في العالم الإسلامي وفي إفريقيا، وقد بدأ هذه الجولة بالفعل في الشهر التالي للقائي به. وهي الجولة التي أثارت عاصفة من الجدل في الولايات المتحدة خاصة زيارته لإيران والعراق وسورية وليبيا، وهي الدول التي تعتبرها الإدارة الأمريكية دولًا معادية لها.
وعندما ذكرت مصادر ليبية أن معمر القذافي قدم لفرخان مليار دولار تبرعاً منه لحركة أمة الإسلام وأكد فرخان صحة هذه الأخبار، ظهرت في الكونجرس دعوة إلى اعتبار فرخان عميلًا أجنبيًّا وقد أثارت هذه الاتهامات غضب فرخان الذي تحدى الكونجرس بمحاكمته، وأشار إلى أنه سيفعل ما يقولون إذا ما ارتضى العديد من رجالات الكونجرس بتسجيل أنفسهم أيضًا كعملاء لإسرائيل، ويبدو أن الحملة قد هدأت بعد هذه التهديدات بشكل عام فإن الأداء السياسي لجماعة أمة الإسلام، ما يزال دون ما هو مطلوب، وإن كان هناك تقدم ملحوظ في بعض جوانب السياسة العامة.
كيف يتم النظر إلى الأقليات الإسلامية في الغرب، وما مستقبل الإسلام على الساحة الأمريكية؟
تختلف النظرة إلى الإسلام والمسلمين في دول أوروبا عنها في الولايات المتحدة، ففي دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا ينظر إلى الإسلام على انه دين وحضارة مخالفة لدين وحضارة أوروبا وينظر إلى المسلمين المقيمين في هذه الدول على أنهم أجانب حتى وإن كانوا من مواطني هذه الدول أما في الولايات المتحدة فإن أكثر من نصف المسلمين ينحدرون من عائلات استوطنت أمريكا منذ مئات السنين، وكما ذكرنا من قبل فإن أكثر من ٤٢٪ من مسلمي الولايات المتحدة من الأمريكيين السود، هذه الحقيقة تجعل موقف المسلمين في الولايات المتحدة مختلفًا تمامًا عن موقف إخوانهم في دول أوروبا، فعلى الرغم من أن الإسلام يعد دينًا جديدًا بالنسبة للأمريكيين، إلا أن قطاعًا كبيرًا من المسلمين يصل عدده إلى عدة ملايين ويتزايد بصفة مطردة، يعد جزءًا من التاريخ الأمريكي وإذا كان المسلمون المهاجرون يشكلون نحو نصف عدد المسلمين في الولايات المتحدة، فإنهم على خلاف المهاجرين المسلمين في فرنسا وبريطانيا وألمانيا - يقيمون في دولة من المهاجرين وقد سمحت التركيبة الخاصة لسكان الولايات المتحدة لمهاجر ذي لكنة أجنبية أن يصبح وزيرًا للخارجية، وهو اليهودي هنري كيسنجر الذي كان من أبرز رجال الدولة في أمريكا، وعلى هذا فإن المسلمين المهاجرين في الولايات المتحدة لا ينظر إليهم على أنهم أجانب عن البلاد كما هو الحال مع المسلمين في أوروبا.
ومع هذا فإن الولايات المتحدة تواجه بشكل أو بآخر مفارقة أخرى تتعلق بوجود نوعين من الإسلام، إسلام السكان الأصليين وإسلام المهاجرين، ويتم تعريف الأمريكيين الأصليين على أنهم هم الذين أصبحوا أمريكيين منذ قرن على الأقل، وعلى هذا يمكن أن نقول إن المسلمين الأمريكيين الأصليين هم الأمريكيون الإفريقيون (السود)، مع قطاع صغير من البيض، أما الأمريكيون المهاجرون فيعرفون بأنهم الذين أصبحوا جزءًا من المجتمع الأمريكي منذ أقل من قرن، وقد جاء المسلمون المهاجرون بصفة أساسية من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، وجاء بعضهم من أوروبا وتبدو المفارقة بين المسلمين الأصليين المهاجرين أكثر وضوحًا في أن المسلمين الأصليين كانوا أمريكيين قبل أن يكونوا مسلمين، ولذلك فإنهم قد يكونون أكثر أمركة وأقل إسلامًا، بعبارة أخرى قد يكونون کاملي الأمريكية إن جاز التعبير -وغير كاملي الإسلام في المقابل فإن المسلمين المهاجرين كانوا مسلمين قبل أن يكونوا أمريكيين، ولذلك فإنهم أكثر إسلامًا وأقل أمركة أو كاملي الإسلام وغير كاملي الأمريكية، من ناحية أخرى فإن المسلمين من الأمريكيين الأصليين ليسوا متعددي اللغات مثل المسلمين المهاجرين، فالأصليون يتحدثون الإنجليزية فقط ولا يعرفون من اللغة العربية سوى المفردات اللازمة لأداء الشعائر الدينية، في المقابل فإن المسلمين المهاجرين متعددي اللغات ويتحدثون بلغتين وربما أكثر من لغتين.
ضعف اقتصادي
وفي مجال المقارنة أيضًا نجد أن المسلمين الأصليين يتميزون بالضعف الاقتصادي وإن كان لهم دور أساسي لا يمكن إنكاره، في المقابل فإن المسلمين المهاجرين قد يكونون ضعفاء من الناحية السياسية ولكنهم يتميزون بقوة نسبية في مجالات الاقتصاد والتعليم والتخصص المهني.
إن من المتوقع أن يشهد عدد المسلمين من الأمريكيين الأصليين تزايدًا كبيرًا نتيجة هجوم الحزب الجمهوري الشديد على برامج الرعاية الاجتماعية والصحية التي تقدم إلى الأمريكيين السود وبالتالي من المتوقع تحول المزيد من الفقراء السود في أمريكا إلى الإسلام، في المقابل فإن عدد المسلمين المهاجرين ربما يشهد انخفاضًا ملموسًا في ظل القوانين المقيدة للهجرة، وربما يواجه المسلمون المهاجرون أضرارًا ناتجة عن مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي يعطي الفرصة لموظفي إدارة الهجرة والجنسية لمعاملة طالبي الهجرة من العالم الإسلامي معاملة سيئة، وإذا حدث هذا فإن مسلمي الولايات المتحدة سواء من السكان الأصليين أو من المهاجرين سيكونون في طريقهم إلى الاندماج معًا.
لقد انتهى الوجود الإسلامي في إسبانيا في عام ١٤٩٢م، لكن كريستوفر كوليس فتح أمريكا أمام الغرب، وبعد خمسة قرون فإن وجودًا إسلاميًّا جديدًا يحاول أن يدعم نفسه في الأراضي التي فتحها كوليس، فهل يعيد التاريخ نفسه وتتحول أمريكا الى دولة مسلمة؟ سؤال مشروع ولكننا لا نمتلك إجابة عنه الآن.
خدمة خاصة لـ«المجتمع» من المؤسسة المتحدة
للدراسات والبحوث –أناندال –الولايات المتحدة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل