; المجتمع النسوي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع النسوي

الكاتب إحسان السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990

مشاهدات 103

نشر في العدد 964

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 24-أبريل-1990

فجوة كبيرة

أفيدوني.. أفادكم الله

الحجاب الشرعي حياتنا! عليه نحيا ولأجل الحفاظ على أخلاقياته نموت في سبيل الله «..» نعم الحجاب الشرعي أصل وأساسي، ولست أنا باعتباري امرأة مسلمة ناضجة مستعدة أن أتخلى عنه أو أتنازل عن أية جزئية فيه، فشروطه معروفة.. وكل محاولة للنقصان من الشروط ولو بمثقال يعني الطريق نحو الحجاب المتبرج ثم نحو السفور، وكلاهما الحجاب المتبرج والسفور سفور!

أين الفجوة إذن؟ سوف تسألينني! الفجوة أختاه أن الحجاب الشرعي هو في مضمونه نوع من التقيد أو الكبح لفتنة الجسد بحيث إنه يحفظ المجتمع من الوقوع في المعاصي ويجعل المرأة أسمى من أن تكون سلعة رخيصة لكل عين ولكل ضال!

وإذا كان الحجاب بهذا المعنى كبحًا وتقييدًا معقولين فهذا يعني أن على المرأة المسلمة كي تكون في المستوى الإيماني اللائق أن تكبح أيضًا كثيرًا من رغباتها حتى التي لا تدخل في دائرة الحلال، أما ما يدخل منها في دائرة الحرام والشبهة فهذا لا رجعة فيه!

الفجوة- أختي في الله- أنني التقيت ذات مرة مع أخت متحجبة.. ويبدو أنه قد تحجب جسدها فقط ولم تتحجب نفسها وتكبح رغباتها.. إذ ما إن دخلت علينا في بيت أخت لنا في الله وخلعت حجابها الخارجي حتى ذهلنا جميعًا. لقد ظهرت لنا شخصية أخرى! هل تصدقين يا أختي المسلمة أننا تصورنا أنفسنا جميعًا أمام امرأة ممثلة! امرأة عارضة أزياء.. امرأة ذات علاقة بهوليوود.. واستوديوهات باريس!

 

دور عقوق الوالدين

«ما يحز في نفسي عدم سؤال إخوتي عني، وكلهم دكاترة كبار ومهندسون وصيادلة.. حتى مكالمة التلفون بخلوا بها.. أخي اللواء كان الوحيد الذي يذكرني من آن لآخر.. بزيارة أو مكالمة.. لكنه مات!

أنا الآن أعيش آخر أيامي في منفاي.. وسط زملائي في التعاسة، يجمعنا إحساس باليتم، وبقسوة مجتمع مادي انتزع الرحمة من القلوب».

هذا جزء من كلام مسن في الحادية والسبعين من عمره، مقيم في دار من دور المسنين في القاهرة، نقلت كلامه جريدة «الجمهورية» المصرية

عجوز أخرى في التسعين من عمرها، في الدار نفسها، تقول: «لم ألجأ إلى دار المسنين إلا بعدما سدت كل الأبواب في وجهي.. ابني الوحيد لم يتحمل هو وزوجته عجوزًا مثلي.. أصل البني آدم منا ثقيل، وخاصة إذا كبر وفقد صحته.. كثر خيره ابن أخي.. لما أحس أني غير مستريحة مع ابني قدم لي «طلبًا» في دار المسنين.. وكفاية عليَّ دلوقت أشوف ابني مرة كل شهر.. يجيء يوصل لي المعاش لأسلمه للدار.. لغاية ما يحين الأجل».

ثالثة، في الخامسة والثمانين من عمرها، آثرت أن توجه حديثها إلى زوجها الراحل فكتبت تقول:

«أكتب إليك بعد وفاتك بعدة سنوات، أنا عمري الآن ٨٥ عامًا، وأريد منك كقاض سابق في محكمة طنطا، أن تطمئن علي، صحيح أني أتقاضى مائة جنيه فقط كمعاش، لكنني بهذا المبلغ استطعت تربية أولادك، ليسوا أبنائي.. هذه حقيقة.. فأنا لم أنجب منك، لكنني اعتبرتهم أولادي، وعلى فكرة، أنا تنازلت لهم عن كل شيء ليستريحوا. الذي يعزيني الآن.. أن النزلاء اختاروني الأم المثالية لهم».

رابعة، فلاحة لا تجيد القراءة والكتابة، لكنها توجه حديثها إلى قريتها «كفر الجندي غربية»:

«أتحدث إليك لأقول: أنا عجوز تجاوزت الستين.. كنت زوجة لفلاح من أهلك.. وكان لنا في زمامك ثلاثة فدادين ودوار ودكان بقالة ومستودع دقيق، أربعون سنة عشتها مع زوجي أخدمه وأربي ابنه من زوجة ثانية بعدما حرمت من الذرية.

تصورت أن الابن الذي ربيته سيكون سندي في كبري، سيدافع عني ويحميني بعد وفاة أبيه.. لكن حصل العكس، الابن طردني من بيتي واستولى على كل شيء، قال لي بالحرف الواحد: «أنت ما تلزمنيش، كفاية عليك كده.. ومكان ما تحطي راسك حطي رجليك.. روحي اشتكيني لأتخن تخين»! وهو يعلم بالطبع أني لا أعرف تخين ولا رفيع.. وما لي أحد أشكو له إلا الله.. المهم، لم أجد إلا بيت أخي عشت معه ستة شهور بالعافية.. ولما حصل لي على معاش قدره ۲۱ جنيهًا، فضلت الحياة هنا في دار المسنين، وحتى آخر العمر».

هل تصدقن يا أخواتي، أن هذا يحدث في بلد مسلم؟ هل تصدقن أن أمثال هذه الدور، دور رعاية المسنين، بدأت تنتشر بكثرة في أقطار المسلمين وبلدانهم؟ 

كنا نعيب على الغرب انتشار هذه الدور فيه، وهي فعلا تملأ بلدان أوروبا وأميركا، صغيرها وكبيرها، فهي مجتمعات مادية، لا يبالي فيها الأبناء ببر الآباء.. فيلقون بهم إلى دور رعاية المسنين.. أو يتوجه إليها هؤلاء بأنفسهم بعد أن يتخلى أبناؤهم عنهم..

نفهم انتشار هذه الدور في الغرب.. لكننا لا نرضى أن تنتشر في بلدان المسلمين الذين يدينون بدين جعل عقوق الوالدين من الكبائر. دين جعل الإحسان إلى الوالدين بعد توحيد الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الأنعام:١٥١).

وبعد عبادته سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء:۲۳-٢٤).

ويؤكده سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (العنكبوت:۸) ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان:١٤)، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (الأحقاف:١٥).

ويجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بر الوالدين أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة على وقتها. عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» متفق عليه.

وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وسلم- قدمه على الجهاد في سبيل الله في الحديث الذي رواه الشيخان عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم.. بل كلاهما. قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم. قال: «فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما» متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة» رواه مسلم.

وبعد، أختي المسلمة، فلتحاربي ذاك العقوق الغربي، الذي يتمثل في دور المسنين.. التي بدأت تنتقل إلى بلادنا المسلمة، وتنتشر فيها، دلالة على انتشار العقوق، عقوق حاربه الإسلام محاربة شديدة، حين جعله من الكبائر، وحين وعد من يبتعد عنه ببر والديه، وعده بالجنة

حاربيه بتربية أبنائك على بر أمهاتهم وآبائهم، وبيان هدي الإسلام في هذا البر، وتميزه عن غيره.

حاربيه بموعظة منك لكل من تهجر أمها وأباها، أو تقصر نحوهما، أو تتأفف في وجهيهما أو لا تحسن صحبتهما.

حاربيه بكلمة تكتبينها في مجلة أو صحيفة، أو تلقينها في لقاء أو حفل، تتحدثين فيها عن الأجر الكبير الذي وعد به البارون بآبائهم، والوعيد الشديد الذي توعد به الله تعالى العاقين بهم.

في الأسبوع المقبل إن شاء الله، سأحكي لك أختي المسلمة، قصة تلك النمساوية، التي أدركت ماذا يعني بر الأبناء لأمهاتهم.

 

وقفة

محطات على الطريق

قال رجل لبكر بن عبدالله: علمني التواضع.

فقال: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح فهو خير مني. وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل سبقته إلى الذنوب والعمل السيئ، فأنا شر منه.

وسئل الحسن البصري عن التواضع فقال: «يخرج من بيته فلا يلقى مسلمًا إلا ظن أنه خير منه».

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «حجبت الجنة بالشهوات، وحجبت النار بالمكاره». ويقول النووي في شرحه على مسلم: «هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن. ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره.. والنار بارتكاب الشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل المحجوب. فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره.. وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات.. فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر على الشهوات ونحو ذلك».

قال سيد قطب رحمه الله في الظلال (١/٦٠٣) عن التوبة الصادقة:

«والتي -أي التوبة- تفضّل -سبحانه- فكتب على نفسه قبولها، هي التي تصدر من النفس فتدل على أن هذه النفس قد أنشئت نشأة أخرى.. قد هزها الندم من الأعماق.. ورجها رجًا شديدًا حتى استقامت فتابت وأنابت.. وهي في فسحة من العمر، وبحبوحة من الأمل، واستجدت رغبة حقيقية في التطهير، ونية حقيقية في سلوك طريق جديد».

أم عبد الله 

الرياض

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

126

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

112

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

127

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)