العنوان المجتمع الثقافي (1661)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1661
نشر في الصفحة 48
السبت 23-يوليو-2005
قصة قصيرة: الراهبان
وفاء الحمري
wafaa9@maktoob. com
إعداد: مبارك عبد الله
دخل الحجرة العلوية من البناية العتيقة الجدران حجرية.. الأرضية رخامية.. السقف عال جدًا.. ينتهي بنوافذ ملونة الزجاج يتسرب من خلالها ضوء الشمس فيشكل ألوانًا قزحية لماعة تضفي على الكتاب الذي بين يدي الرجل هالات نورانية فريدة.. فجأة يضيق صدر الرجل فتضيق عليه الحجرة بما رحبت... يخيل إليه أن هذا السقف العالي يكاد يطبق على صدره.. تتسارع ضربات قلبه... يسعل.. يسعل...
يتوقف على حس خطوات مسرعة تصعد الدرج... يرفع بمشقة رخامة أرضية الغرفة العتيقة.. يدس فيها الكتاب بكل عناية بعد أن لثمه بحرارة.... لثمة مودع.. لثمة مفارق.. تمنى لو.. طرق عنيف بالباب يقطع عليه حبل أمنياته فيسرع بوضع الكتاب في الحفرة، يضع عليها قطعة الرخام يجر حافة السجاد المثني فيعيده إلى مكانه بيدين مرتعشتين وجبين مندى ولهاث مسموع...
اللحظة الحرجة
دفعت دفة الباب الخشبي الضخم فأفرجت عن القس الأعظم.. نظرة واحدة كانت كافية لمعرفة اللحظة الحرجة التي مر بها صديقه.. جرى الرجل نحوه متعثرًا في لباسه الأسود الطويل.. حمله من تحت ذراعيه لهاث الرجل يزداد.. العرق ينساب غزيرًا.. يغسل وجهه المحتقن.. يرفع الرجل سبابته عاليًا ولسانه يردد كلمات غير مسموعة.. نزع الآخر صليبًا متدليًا من عنقه ووضعه على صدر صاحبه وبدأ في قراءة الإنجيل.. والرجل المحتضر يحرك لسانه ويعجل بالقراءة رافعًا صوته شيئًا فشيئًا.. انتفض القس الأعظم لسماعه كلامًا غير الكلام الذي بين يديه... غير الذي بين دفتي الإنجيل.. نزع يديه من تحت ذراعي صاحبه ليضعها على أذنيه صاكًا السمع صكًا، ويدع صاحبه يهوي على الأرض... جرى مسرعًا إلى المكتبة المقابلة له في الغرفة التي يوجدان بها.. بعثر الكتب والأسفار هنا وهناك.. ينقب.. يبحث.. ينقب عن.. عن شيء يؤكد شكوكه... أو يبدد ظنونه.. انقلب رأسًا إلى المكتب الخشبي الضخم.. مكتب صاحبه... أخرج الأدراج.. بعثر الأوراق وأطاح بالمحتويات.. جرى مرة أخرى إلى دولاب الملابس.. أخرج كل محتوياته.. عاد إلى الشيخ المحتضر ينظر إليه نظرة المتفحص.. نظرة الباحث.. مازال الآخر يردد القراءة ويجهر بها، ما يقطعه عنها سوى سعال ثقيل بين الفينة والأخرى... أصاح الآخر السمع... اقترب منه.. فقر فاه.. فتح ياقة عنقه البيضاء... خالها للحظة حبل مشنقة غليظًا يوشك أن يزهق روحه.. سمع الكلام أو قل تسمعه... عقله ووعاه.. كأنه هو.. بل هو بكل تأكيد... يعلمه علم اليقين.. ضرب على صدره.. رفع الصليب عن على صدر صاحبه وبدأ يتلو ويتلو... يرفع صوته بكلام الإنجيل.. يرفع بصره إلى سقف الغرفة.. تنحبس الكلمات غصة في حلقه.. سكت.. يسرح بتفكيره إلى أصعب حالة يمكن أن تعترض أمثاله.. كبير القساوسة يرت.. لم يستطع إتمام الكلمة.. كم هي ثقيلة.. ثقيلة.. مفزعة.. مخيفة، بل قاتلة... أيمكن أن يفعلها؟...
هذا الذي وصل إلى أعلى المراتب الكنسية.. هذا العالم التحرير.. هذا المبشر الكبير.. هذا الذكي الذي لم يمنعه حر إفريقيا ولا برد إسكتلاندا ولا بعد أستراليا عن العمل بكل اجتهاد على نشر النصرانية.. هذا الذي... ورفع صوته بالصراخ والعويل على غير عادة الرهبان: وأهل الدير... لكنه فعلها.. فعلها وصرخ... بل ملأ المكان صراخًا وعويلاً.
وضع الصليب على كف المحتضر فألقاه هذا الأخير على الأرض.. يقرأ له الإنجيل والآخر ذائب في تلاوة القرآن.. هذا شاخص البصر مشدود القسمات والآخر هادئ النظرة طلق المحيا، بل باسم الثغر.. استفزته تلك الابتسامة فوضع بطريقة هستيرية كلتا يديه على فم الآخر... ليحجب تلك الابتسامة... ليسكت طنين تلك الكلمات الهادرة القاتلة... ضغط بقوة على فيه، ومع ذلك ما زال يحس حركة الشفتين شديدتي القوة.. من أين له بهذه القدرة والطاقة؟ تساءل بينه وبين نفسه... نزع كفيه فاستقبله وجه الرجل بالرضا والبشر.. يلوي صفحة وجهه جانبًا كأنه يهرب من وحش مفترس يعلم هو معنى تلك النظرة.. يعي أبعادها.. لكنه غير مصدق.. كم صارع مثل ذلك قبلًا.. كم قاتل ذلك قبلًا. لكنه في كل مرة يفوز بالجولة.. متحفز هو طول عمره لكيلا يدع الوحش المفترس يهجم عليه على حين غرة.. يعلم هو قوة هذا الأخير... يعرف سلطانه وجبروته، لكنه ظل صامدًا... ظل محاربًا.. يسكت كل الأصوات التي تصك سمعه.. يضلل كل الحقائق التي طالما تبدت قائمة أمامه.. كأنها أفاعٍ سامة تكاد تلسعه... تكاد تفتك به.. يعلم جيدًا أنها الأقوى.. أنها الأشد لكنه يصارع.. يصارع.. يتعامى... يتغافل.. يصنع له أذنًا من طين وعينًا من حجر متين وقلبًا من فولاذ يبعده عن النار كل حين حتى لا يذوب.. حتى لا ينصهر.
يعود بصفحة وجهه تجاه صاحبه المحتضر فتصدمه نظرة.. يا لها من نظرة.. نظرة مقروءة.. مفهومة.. معلومة.. كأنها تنطق... نظرة سلم ورضا ودعة ودعوة.. نعم.. نظرة دعوة.. قرأها واضحة جلية.. هذا المتفقه في الأديان... الدارس للكتب السماوية.. هذا العالم الفذ لا يمكن أن يفوته هذا.. لا يمكن أن يغفل هذا.. كتمها في نفسه، ولم يبدها.. صرخ بأعلى صوته فتجمع كل من في الدير.. جهزوه في جنازة تليق بمقامه العالي ودفن في مقبرة النصارى.. في مكان رفيع المستوى.. مع نظرائه من القساوسة والرهبان والأخبار الأجلة الأفذاذ...
شاطئ اليقين عاد الجميع إلى أعمالهم الاعتيادية إلا صاحبنا هذا.. أحس بفتور شديد وانعزل في غرفته لا يكاد يبرحها إلا لمامًا.. لم يستغرب أحد هذا الموقف، فهو التوأم الروحي للراحل.. قضيا معًا أكثر من نصف قرن في نشر المسيحية.. تفهم الجميع الموقف، وتركوه يختلي بنفسه.. لم يزعجه أحد..
انكفأ هو على إعادة دراسة معمقة في الأديان.. وقف طويلًا على دراسة القرآن يشيعه بحثًا وتنقيبًا.. بفكر متفتح وذهن راق... لم يعد يستعمل الكوابح عند دراسة الإسلام... لم يعد يستعمل علامات «قف» عند بعض الحقائق... هو الآن حر طليق يسبح بفكره حيث أصاب.. يقرأ قراءة الباحث عن الحق المنقب عن الحقيقة...
تنير طريقه نظرات الرضا التي ودعه بها صاحبه.. لم يطل به البحث.. ساعة حرر فكره من القيود حطه على شاطئ الحق وأوصله إلى بر اليقين... «الحق في خاتم الأديان.. اليقين عند منزل القرآن الواحد الأحد الفرد الصمد».... هكذا ردد الرجل بلسان العائد إلى حجر الإسلام.. كتمها الرجل ولم يبدها للمحيطين به.. نزع الصليب من حول عنقه ورماه بعيدًا. ثم ما لبث أن تنبه وأعاده إلى عنقه خشية اكتشاف أمر إسلامه.. ظل على ذي الحال حتى صحا في يوم ربيعي على حدث سرع عجلة إعلان إسلامه.. بينما هو يرتب. الغرفة التي كان يتقاسمها مع رفيقه الراحل أزاح السجادة التي تتوسط الغرفة فداست قدمه طرف رخامة الأرضية فاهتز طرفها الآخر.... أراد الرجل أن يعيدها إلى مكانها فاستعصت... رفعها كلية حين راه... راه هناك.. قابعًا في تلك الحفرة.. حمله بكل حرص.. مسح عنه الغبار... قبله بحرارة.. نزل به مسحًا على صدره الذي اشتدت ضرباته.. احمر وجهه.. تحرك الدم جاريًا في شرايينه يكاد يمزقها.. أراد أن يصرخ.. ها هو يحاول.. يصارع.. يقاتل.. كل جسمه يدعوه للصراخ.. كل جسده يدعوه للإعلان.. ها هو ينطق... ها هو يصرخ: «هذا الكتاب مكانه فوق.. فوق.. في الأعالي.. لا.. لا... لن أرحل لن أرحل في صمت.. لن أرحل مثلك يا صاحبي.. يا رفيق دربي الطويل لن أدفن وحيدًا غريبًا.. لن أذهب وحيدًا غريبًا....
وأسرع جامعًا أوراقه وحاجياته.. خرج مهاجرًا إلى الديار المقدسة حاجًا ومعتمرًا... وأشهر إسلامه على يد أكبر العلماء هناك... وأسرع يسارع عمره القصير في نشر الإسلام والتكفير عن عمر طويل ضاع في عمى عن الحق، ويدعو الله دائمًا أن يجمعه وصاحبه في جنة النعيم مع الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
واحة الشعر
دفق الدماء
شعر: نواف أحمد عثمان حكمي
إلى أبناء فلسطين الأبطال، الذين ما زالت القاذفات تداعبهم صباح مساء، وهم ثابتون أمام عدوهم ثبات الجبال الرواسي لا يضيرهم كيد عدوهم شيئًا، أبعث هذه الصرخة:
هكذا يتبع الشهيد الشهيد والملايين عن حمانا رقود
أيها العاشقون للموت هبــــــــــــــــوا فيكم يسعد المدى والوجود
واصنعوا من دمائكم درب نصر إن دفق الدماء نصر أكـــــــــــــــــــــــيد
ضمدوا بالصمود جرح البرايــــــــا فالذي يبرئ الجراح الصمود
سعروا جذوة الكفاح وجــــــودوا بنفيس الأرواح كيما تسودوا
وارفعوا راية الجهاد، وقـــــــــولوا: لا يعيد الحياة قوم عبيـــــــــــــــــــــــد
***
يا حماة التاريــــــــــخ أنتــــــــــــــــم بــــــــــــــــــــــــــروق في سمانا لوامع ورعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــود
أنجبتكم أرض الرباط أســــــــــــــــــــــــــــــــودا أيضير الأسود تلــــــــــــــــك القرود؟
يولد الليل من سناكم صـــــــــــــــــــــــــــــباحا تتجلى علـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيه طه وهود
أقسم المجد أنكــــــــــــــــــم للمعــــــــــــــــــــــالي سلم راســـــــــــــــــــخ الأساس وطيد
جنتم من سلالــــــــــــــــة الريح ريحــــــا بين أيديكم يذوب الـــــــــــــــــــحديد
كل خطب يزيدكـــــــــــــــــــــــم كبريــــــــــــــــــــــــــــاء هو في أعين الأعـــــــــــــــــــــــادي وعيد
ما اضطربتم رغم الأعاصير تعدو فقلوب الرجــــــــــــال ليست تميد
قد بذرتم روح الردى في حماكـــــــم فحصدتم عزا، فنعم الحصيد
ومددتم معنى الولاء فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداء يستوي الشوك عنده والورود
من رؤاكم ينساب لحن شــــــــــــــــــجي وبأفواهكم يطيــــــــــــــــــــــــــب النشيد
أيها الشامخون كالطود طبتــــــــــم أنتم للزمان عيد سعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيد
لن تراعوا مهما تدجى ظــــــــــــــــــــــــلام فيه يبدي أنيابه الرعديـــــــــــــــــــــــــــــد
عصبة البغي سوف تنهار طـــــــــرا وستعلو مثل النخيل البنـــــــــــود
***
يا حداة الأجيال في كل قــــــــــــــــــــــــــطر ادفعوا عنكم الســــــــلام وذودوا
الوعود التي توالت عليكـــــــــــــــــــــــــــم كاذبات غذى صداها الصديد
خلفها أوجه اليهود استـــدارت كيف يرجى صدق وراه اليهود
القرارات نصف قــــــــــــــــــــرن تدوي بسلام منه العدا مســـــــــــــــــــــتفيد
لم تزل تمنح الــــــــــــــــــبلاد سكونا سرمديًا، تشكو لظاه الجـــــــــلود
والملايين في خضــــــــــــــــم اللـــــــيالي يتــــوارون ما بهم صنـــــــــــــــــــــــــــــــــــديد
كل فرد منهم لديه حســــــــــــــــــــــــام من لهيب لكنه مغمــــــــــــــــــــــــــــــــــود
يتقنون التنديد من غير حزب كم جيوش يسوقها التنـــــــــديد
***
أيها الثابتون في زمــــــــــــــــــن القـــــــــــــ ــــــــهر استميتوا ففي الممات الخلود
ظمأ الجرح ليس يرويه سلم فافهموها، يروي الجراح الشهيد
اللغة العربية وحرفها.. (٦)
الدعوة للعامية واتهام العربية بالازدواجية!
أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
alibrahimh@hotmail.com
ونود قبل وضع الخطوات المطلوبة للتعريب أن نعرض لبعض الشبهات المشهورة، ومنها الدعوة إلى العامية، وهنا نلاحظ أن الدعوة إلى العامية بدأت بتقرير كتبه اللورد دفرين السياسي البريطاني، والمستشرق السويدي كارلودي لندبرج، ومن عجيب أن كل الدعاة إلى العامية من هؤلاء الأجانب، ومن العرب من أذيالهم مثل سلامة موسى القبطي المصري ومن لف لفه، لم يكتبوا بحثًا واحدًا، أو مقالًا واحدًا بالعامية، وهذا وحده دليل كاف على سخف قولهم.
وأما اتهام اللغة العربية بالازدواجية، فإن ذلك حال اللغات كلها، فكل شعب يكتب بلغة تغاير لغة الكلام، ويكفي لبيان ذلك أن الجامعات الغربية تقدم مقررات دراسية في اللغة الفصيحة ولغة كتابة التقارير العلمية وما شابه ذلك، ولا تقتصر هذه المقررات على الأجانب فقط، بل إنها تمتد لتشمل أبناء البلد أنفسهم.
إن إدخال العامية في القنوات الفضائية واللهجات المحلية، أداة هدم للوحدة الثقافية والهوية العربية الإسلامية، يلي ذلك فرض تعلم اللغات الأجنبية في رياض الأطفال، حيث يشوش المصطلح العربي في ذهن الأطفال في مرحلة تكون المرجعية الفكرية واللغوية عند الناشئة، بينما تمنع الدول المتقدمة من تدريس اللغات الأجنبية قبل الثانية عشرة من العمر.
إن اللغة متجذرة في النفس والوجدان وليست همهمات على اللسان؛ ورحم الله شيخنا الشيخ صالح مفتيا مفتي ألبانيا، حيث يقول: إن للكلمات ارتباطًا بالأحاسيس، والوجدان والحياء، ويضرب لذلك مثلًا واضحًا فيقول: إن المرء يستطيع أن يذكر أسماء العورات الغلاظ بغير لغته الأم. بينما يجد حرجًا وأي حرج أن يتفوه بها بلغته الأم.
الإحساس الخاطئ بعجز اللغة:
حينما نتعرض في بعض المواقف لتعريب مصطلح ما نجد بعض المثبطين يعجبون من عجز اللغة العربية عن التعبير عن المصطلح العلمي، الذي ألفوه بكلمة واحدة أجنبية، ويعجبون لأنهم يشعرون أن كلمة واحدة غير كافية للتدليل على محتوى المصطلح الأجنبي.
وهذا العجب وهم سببه الحقيقي هو عدم التمكن من اللغة العربية، فإن الألماني مثلًا لا يستطيع كذلك أن يعبر عن مصطلح إنجليزي في مادة أو علم يدرسه إلا بلغته هو بكلمة واحدة، ولا أنسى عندما انتهيت من دراسة اللغة الألمانية وبدأت في البحث عن المعهد العلمي الذي يدرس انتقال الحرارة Heat Transfer، فقد عجز أستاذ اللغة الألمانية، مع معرفته باللغة الإنجليزية عن معرفة المصطلح الألماني لانتقال الحرارة، والسبب في ذلك يتبين من الحقيقة التالية:
عند تدريس أي مادة علمية، يتولى العلماء والباحثون تحديد مفهوم المصطلح، ويحددونه بكلام قد يطول إلى عدة أسطر أو كلمات، وكما يقول الأصوليون المسلمون: يجب أن يكون المصطلح جامعًا مانعًا، أي جامعًا لكل ما يدخل في نطاقه من الأشياء، مانعًا ما هو خارج نطاقه من الدخول تحت مدلوله، ثم يبقى في ذهن الأستاذ والدارس بعد ذلك كلمة المصطلح تحمل في نفسه دلالة كبيرة حددت قبل بكلام كثير، وصارت كلمة المصطلح الواحدة دليلًا عليه، وعلمًا على ذاته، فإذا جاءت لحظة الترجمة تولد الإحساس السابق ذكره، وحق له أن يتولد، كيف يمكن ضغط بحث طويل في كلمة واحدة!! ولنضرب لذلك مثالًا شائعًا على ألسنة متحدثي اللغة العربية، فإن كلمة «الصلاة» مثلًا تعني لغة الدعاء، بينما مصطلحًا تعني شرحًا طويلًا، يفهمه السامع والباحث حين يستخدم مصطلح الصلاة.
فإذا أحببنا أن نترجم الكلمة الآن إلى لغة أجنبية بكلمة واحدة فإننا نعجز عن ذلك، لأن الشرح السابق واجب.
إن تعدد المصطلحات للمفهوم الواحد وازدواجية المصطلح مع ازدواجية اللغة تؤدي إلى نتائج خطيرة، وإن جميع المشكلات التقنية قد قتلت بحثًا ودراسة؛ فإن الألمان على سبيل المثال، يعقدون مؤتمرات سنوية في كل فرع من فروع المعرفة من أجل إقرار مصطلح موحد لكل مفهوم أو جهاز جديد، ويتم التصويت عليه من قبل أهل الاختصاص، فإذا اعتمد أصبح قرارًا نافذًا لا ينشر غير هذا المصطلح في مجال النشر، ولقد عاني صاحب هذا المقال من صدور واعتماد رمز جديد للحرارة الكامنة، فأوقف منحه درجة الدكتوراه حتى يتم إصلاح هذا الرمز في الرسالة كلها.
فلو أن هذا النظام أقر بناءً على قرار سياسي، بعد الدراسة من أهل الاختصاص، لما سمعنا في يومنا هذا: الجوال، المحمول، الخلوي، النقال!! لأنه لن يسمح بغيره في الفضائيات، والتلفاز، أو الإعلان أو الجريدة.
تصور عام للخطوات التي يجب اتخاذها في الواقع العملي لتعريب العلوم والتدريس في الجامعات:
القرار السياسي هو مدار الأمر كله وبدونه لن نصل إلى أية نتيجة، وذلك مفهوم من المحاولات الكثيرة التي لم تثمر حتى الآن.
يكون التدريس بالعربية في السنتين الأولى والثانية.
تدرس مادة واحدة على الأقل بالعربية لتكون منطلقًا للتعريب، وإجراء التجارب واكتساب الخبرات.
نعقد مؤتمرات علمية لوضع الأسس التي تتفق عليها الجامعات العربية.
تنشأ مراكز علمية تتولى التخطيط والإشراف على التنفيذ.(١)
تعنى الحكومات بالتعريب، وتكون قراراتها بداية للعمل والسير نحو الهدف المطلوب.
الهامش
(١) أحمد عبد الغفور عطار، وفاء اللغة العربية بحاجات هذا العصر وكل عصر، مكة المكرمة، ١٣٩٩هـ / ۱۹۷۹م، دار تهامة للنشر.
الشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري في ندوة الوفاء الخميسية والسؤال الموجع: متى نكرم أدباءنا الرواد؟
الرياض: محمد شلال الحناحنة
كان ضيف ندوة الوفاء الخميسية بالرياض بتاريخ ١٤٢٦/٣/٥هـ الأديب أحمد عمر بهاء الدين الأميري، وكان اللقاء بعنوان: « قراءات في شعر عمر بهاء الدين الأميري».
مع الله في نفحات الشذا
جاء هذا الملتقى بخلاف الملتقيات السابقة بندوة الوفاء، إذ كان قطوفًا وارفة من النصوص الشعرية المعبرة عن وجدان شاعرنا الأميري بكل آلامه وآماله، ألقاها الأديب أحمد عمر بهاء الدين الأميري بصوت عذب ندي، ونفس ملتاعة حزينة، فمن ديوانه: «مع الله»:
مع الله في نفحات الشـــــــــــــــــــــــــذا
مع الله ملء ثغور الزهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
مع الله في الحقل حلو الجنى
مع الله في الروض داني الثمر
***
مع الله سامع صوت الدبيب
..من النمل أنى وأيان مر
مع الله والنحل يحسو الرحيق
...ويحمي جناه بوخز الإبر
مع الله في رفرفات الفراش
تلامع في الشمس مثل الدرر
مع الله والطير تغدو خماصًا
وتنعم بالرزق منذ البـــــــــــــــــــــــكر
مع الله ينفخ من روحـــــــــــــــــــــــه
على حمًا فيكون البـــــــــــــــــــــــــــــــشر
هذه القصيدة العذبة تحلق برؤية تأملية إيمانية في آفاق الكون والإنسان والحياة، ولا غرابة في ذلك، فالأميري الشاعر الرائد والأديب الكبير هو شاعر الإنسانية المؤمنة في زمن تنكر فيه دعاة الحضارة والعلم للقيم الإنسانية، وللأخلاق الراقية.
بين مكة والقدس
أما فلسطين الجريحة فهي الحضور الدائم في ذاكرة شاعرنا الكبير عمر بهاء الدين الأميري، كيف لا؟! كيف لا وقد خصت أقدار الله مسجد القدس، المسجد الأقصى المبارك بمقام متفرد في الدهر، فمن أرض فلسطين، ومن رحاب الأقصى بدأ انطلاق العروج الفذ حتى بلغ ما بلغ.. وكان لفلسطين في علم الله وحكمه -كما يضيف شاعرنا- حيز جليل، وشأن عظيم، فلا غرو إذا ارتبطت بها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. إن فيها قبلتنا الأولى، وحرمنا الثالث، والمعجزة التي فرضت علينا من خلالها الصلاة، ولأنها كانت ائتلافه الوصل الأقدس بين الأرض والسماء، شدا الأميري شاعر الروح لها بلوعة وحرقة:
أسرى، وسبحان الذي أسرى به
فذرى السماء ينيرها الإلهام
حدث تفرد في الوجود جلاله
وجماله.. وجداه.. والإنعام
فلسطين يا آية الله في
الوجود ويا روضة من سناء
مقام الخليل، وعز المقام
وجل الخليل أبو الأنبيـــــــــــــــــــاء
وحضن البتول ومحرابها
ومهد المسيح صفي السماء
ومسرى رسول هدى العالمين
ومعراجه الفذ يعلو العـــــــلاء
ليحظى بأسمى وأغـــــــــــــــــــلى ذرى
وأسنى وأدنى وأرقى لقـــــــــــــــــــاء
فلسطين يا عروة بين مـــــــــــــــكة
والقدس خالدة من مضاء
ودينًا على كل حــــــــــــــــــــــــــــــر وفي
يروي ثراها بحر الدمـــــــــــــــــــــــــــاء
يجاهد في الله، والنصر حق
على الله، يؤتيه جند الفداء
رياحين الجنة
وما أروع أن نقف مع شاعر الإنسانية المؤمنة حين يأخذه الشوق إلى رياض الطفولة، ولعل قصيدته العظيمة «أب» أجود ما قرأت في هذا الباب في صورها الحميمة القريبة، وبساطة تراكيبها ولغتها الحانية، وعاطفتها المتدفقة، إذ تنزف مواجعها من خلال أسلوبها الاستفهامي المترع بالأسى والحنين معًا:
أين الضجيج العذب والشغب
أين التدارس شابه اللــــــــــــــــــعب
أين الطفولة في توقدها
أين الدمى في الأرض والكتب
أين التشاكس دونما غرض
أين التشاكي ما له ســـــــــــــــــــــــبب
أين التباكي والتضاحك في
وقت معًا، والحزن والطرب
أين التسابق في مجاورتي
شغفًا، إذا أكلوا وإن شربــــــــوا
يتزاحمون على مجالستي
والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بشوق فطرتهم
نحوي، إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم «بابا»، إذا فرحوا
ووعيدهم «بابا» إذا غضبوا
وهتافهم «بابا» إذا ابتعدوا
ونجيهم «بابا» إذا اقتربـــــــــــــوا
هكذا يعبر الأميري بإيقاع شعري شفيف، ولغة سهلة مختارة وأسلوب سلس عن تعلق أبنائه به وعن روابط صادقة سامية تجمعهم، أما حين يغادرونه، فكأنما نزعوا قلبه، فيتقطع باكيًا:
دمعي الذي كتمته جلدًا
لما تباكوا عندما ركــــــــــــــــــــــــــبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا
من أضلعي قلبًا بهم يجب
ألقيتني كالطفل عاطفة
فإذا به كالغيث ينسكـــــــــــــــب
قد يعجب العذال من رجل
يبكي، ولو لم أبك فالعجب
هيهات ما كل البكا خور
إني، وبي عزم الرجـــــــــــــــال أب
متى نكرم أدباءنا الرواد؟!
وفي نهاية اللقاء مع د. أحمد البراء الأميري في قراءته الشعرية الدافئة، وسياحته بين حدائق شعر والده عمر بهاء الدين الأميري -رحمه الله- فتح المجال للحوار.
وكان من أهم الأسئلة: ما الرسائل التي كتبت عن هذا الشاعر الكبير؟ وأين الدراسات النقدية الجادة في شعره؟ ومتى نكرم أدباءنا الرواد؟ وما أثر الأميري الأب في أدب الأميري الابن؟! ثم ختم الحوار بقصيدتين متميزتين في رثاء الأميري للشاعرين: حيدر الغدير وفيصل الحجي.
من يفضحهم الله-عز وجل- على رؤوس الخلائق
من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره
توفيق علي
towfeekali@hotmail.com
هناك أصناف من الناس يفضحهم الله -تبارك وتعالى- على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فقد خرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل ابن حنيف عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة».
وخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «ما من امرئ مسلم يخذل أمرأً مسلمًا في موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته».
فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيويًا كان أو دينيًا.
المرائي: ينادى به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: ففي الحديث: «إن قائلًا من المسلمين قال: يا رسول الله، ما النجاة غدًا؟
قال: «لا تخدع الله».
قال: وكيف نخادع الله؟
قال: «أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله، فإن المرائي ينادي به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر، ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ من القرآن: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (الكهف: ١١٠)
وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من عبد يقوم مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة».
الكفار والمنافقون: أما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله، وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ في النجوى؟
قال سمعته يقول: «يدني المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله».
الغادر: إن الغادر مذموم في الدنيا، وهو كذلك عند الله -تعالى- عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان».
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال ﷺ: «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة» «رواه مسلم»، وأمير العامة: هو الحاكم أو الخليفة، وكانت غدرته كذلك لأن ضرره يتعدى إلى خلق كثير، ولأن الحاكم أو الوالي يملك القوة والسلطان فلا حاجة به إلى الغدر.
الفاجر: قال ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان: فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر تلقاء وجهه فيرى النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة».
فلابد أن يصير المسلم إلى هذا الموقف وهو إلى إحدى حالين: إما أن يكون كما قال -عليه السلام- في حديث النجوى: «أما المؤمن فيدنيه ربه فيضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك، قال: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وأما الفاجر فينادى بذنوبه على رؤوس الخلائق».
الظالمون: قال شيخ الإسلام: هؤلاء لا يحاسبون حساب من توزن حسناته، وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم، ولكن تحصى أعمالهم، وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها: يعني: وينادي عليهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِـمِينَ﴾ (هود: ١٨)
كاتم الشهادة: عن النبي ﷺ في حديث المناهي أنه نهى عن كتمان الشهادة وقال: «من كتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق»، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (البقرة: ٢٨٣)
من أفشى سر أخيه: عن أبي عبيدة جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «من روع مسلمًا روعه الله يوم القيامة، ومن أفشى سر أخيه، أفشي الله سره يوم القيامة على رؤوس الخلائق».
ولد جحد والده وهو ينظر إليه: وللطبراني من حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ولأبي داود وابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا: «أيما امرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها جنته، وأيما والد جحده ولده وهو ينظر إليه إلا احتجب الله عنه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق من الأولين والآخرين».
الغلول: الغلول هو الأخذ من الغنيمة على وجه الخفية، وهو ذنب يخفى تحته شيء من الطمع والأثرة، وقد توعد الله -تبارك وتعالى- الغال بفضحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وذلك لتحميله ما غله في ذلك اليوم ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَـمُونَ﴾ (آل عمران: ١٦١)
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «أي يأتي به حاملًا له على ظهره وعلى رقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد».
ومن الغلول غلول الحكام والموظفين والعمال والولاة من الأموال العامة، وقد وضح الرسول ﷺ كيف يحمل الغالون يوم القيامة ما غلوه في أكثر من حديث:
فعن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غال».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «ردوا الخياط والمخيط: فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة».
من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما: يجب العدل بين الزوجات، قال ربنا جل في علاه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: ٣)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل».
والعدل الواجب هنا في القسم، والسكن، والكسوة، والنفقة.
والجزاء من جنس العمل: فلما مال في الدنيا عن العدل جاء بهذه الصفة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.
الآمر بالمعروف ولا يأتيه والناهي عن المنكر ويأتيه: في الصحيحين عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر! فيقول: بلى، قد كنت أمر بالمعروف ولا أتيه وأنهى عن المنكر وآتيه».
هذه حال من خالف قوله فعله، تسعر به النار، ويفضح على رؤوس الأشهاد، لأن هذا الواجب العظيم أوضح الله شأنه في كتابه الكريم، ورغب فيه، ولعن من تركه.
ضوابط المنهج الإسلامي لنجاح التربية
التربية الإسلامية منهج شامل متكامل، التكامل الذي يتميز به الإسلام في جميع مجالاته، ولأجل نجاح التربية هناك عدد من العوامل المهمة المؤثرة في هذا الجانب نذكر منها ما يلي:
أولًا: تطهير المجتمع من المظاهر الفاسدة: يقول الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِـمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: ١٤٨)، لأن إعلان الفساد يولد نوعًا من تعوده، وعدم الخجل منه، ولذلك لعن الله من يشيعون الفاحشة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَـمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَـمُونَ﴾ (النور: ١٩)، وأضاف إلى إخفاء الفساد: التعاون على إزالته إذا ظهر فكانت فريضة النهي عن المنكر.
عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «رواه مسلم».
ثانيًا: قيام جميع مؤسسات المجتمع بدورها التربوي وعلى رأسها مؤسسات الإعلام والسينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة، والصحافة والثقافة.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦).
ومن الغريب أننا نعلم التلاميذ أشياء لو حذفت من المنهج الدراسي لما ترتب عليها أي شر في المستقبل، ولا نعلمهم التربية الأخلاقية التي يترتب على حذفها معظم الشرور في الحاضر والمستقبل.
وكذلك الأسرة أو البيت من أهم المؤسسات الاجتماعية للتربية الأخلاقية، لكن لا يمكن أن يقوم البيت بوظيفته ولا يكون مدرسة للتربية الأخلاقية؛ إذا جهل الآباء والأمهات طرق تربية أولادهم، ولهذا يجب تعليم الآباء والأمهات التربية الأخلاقية أولًا؛ لأنها من أهم وظائف الآباء.
ثالثًا: التشجيع على اللعب كوسيلة تربوية وليس للترفيه فقط، حيث إنه وسيلة طبيعية لاستنفاد الطاقة الزائدة عن الحاجة، وخاصة الطاقات الشهوية، يقول السير بوسيه: «إن الشهوات كالنهر المتدفق من علو عسير إيقاف تياره بسد مجراه؛ ولكن من الميسور تحويل مجراه».
يقول الإمام الغزالي: «وينبغي أن يؤذن للطفل بعد الانصراف من المكتب «المدرسة» أن يلعب لعبًا جميلًا يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب من العلم، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه في التعليم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش»، واللعب وسيلة تدريبية على كثير من القيم التربوية مثل: الشجاعة والنظام وقوة الاحتمال وروح الإنصاف.
الصحبة الصالحة ذات تأثير في التربية يقول أبو حامد الغزالي: «وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء».
والأساس في ذلك أن طبيعة الطفل مرنة تقبل التشكيل والتطبع بسرعة عن طريق تفاعلها مع البيئة المحيطة به، وهذا من أهم العوامل المساعدة للتربية الأخلاقية في نظر التربية الحديثة، ولهذا إن وضع الطفل في بيئة صالحة يتطبع بالصلاح بسرعة، وإذا وضع في بيئة فاسدة يتطبع بالفساد -أيضًا- بسرعة فائقة.
قال ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة» «رواه البخاري».
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِـمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَـمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان: ٢٧-٢٩)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» «رواه أبو داوود».
وفي أثر البيئة يقول الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: ٥٨)
ولهذا الموضوع جانبان:
جانب سلبي وهو إبعاد الطفل عن قرناء السوء.
2- جانب إيجابي وهو إيجاد صحبة صالحة.
المصدر: «كتاب قواعد تكوين البيت المسلم للدكتور أكرم رضا» بتصرف
كيف نربي أبناءنا على مراقبة الله عز وجل؟
يجب أن نشعرهم بأن الله رقيب عليهم في كل أعمالهم
الله معي.. الله ناظر إلي.. الله مطلع عليّ … شعار يجب أن يرفعه الأبناء
رابعة حربي
التربية تساهم بشكل كبير في تكوين شخصية الفرد ورسم معالمها، فما من أحد يولد لصًا أو محتالًا، كما أنه لا أحد يولد عالمًا أو تقيًا، فالتربية الأولى هي الميزان للإنسان، فكم من قصص واقعية نجد فيها الخلل السلوكي لجانب التربية.. فتارة يسرق نعل رجل ست مرات أمام الحرم النبوي، حتى إنه اضطر إلى وضع نعل احتياطي في سيارته حتى لا يعود إلى بيته حافيًا؟!! وأخرى في امرأة كانت تطوف بالكعبة مطمئنة البال شفافة النفس، وبعد الطواف وجدت حقيبتها خاوية على عروشها، تشكو إلى الله انتهاك الحرمات في ساحة الحرم وأمام الكعبة المشرفة.
فالقاسم المشترك في القضيتين السابقتين واحد وهو غياب الشعور بمراقبة الله.. فلقد اكتفى ذلك المسكين بتأمين نفسه، وقت ارتكاب جريمته من أعين الناس، ونسي عين الرقيب الذي لا تخفى عليه خافية.
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل
خلوت، ولكن قل علي رقيب
وليس السارق فقط هو الذي ينسى تلك الرقابة، بل ننساها نحن أيضًا حين نغتاب أو نهمز أو نلمز أو نسيء الظن، وكذلك حين نصلي تلك الصلوات الخالية من الروح، والتي لا نستشعر فيها نظر الله إلينا، وهناك فرق كبير بين أداء الصلاة وإقامة الصلاة، ويجب أن نسأل قبل محاسبة الغير : هل ربينا أولادنا على الإيمان بالله الرقيب؟! وأركز على الإيمان بالرقيب، ولا أقول المعرفة بالله الرقيب، لأنه شتان بين الأمرين، فكلنا يعلم أن الله -سبحانه- رقيب، وأن من أسمائه الرقيب، ومع ذلك نجعل الله أهون الناظرين إلينا، أما لو آمنا بالله الرقيب فإن هذا الإيمان من شأنه أن ينعكس أثره على الجوارح فنستشعر رقابة الله عليها في كل ما تفعل أو تترك، وأن الله -سبحانه- يطلع على أخفى الخفايا ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَـمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه: ٧)
فهلم بنا نبدأ رحلة الإيمان بالله الرقيب مع أبنائنا، حتى لا يأتي اليوم الذي يقولون فيه حاكموا أهلنا قبل أن تحاكمونا. وأنا على يقين بأننا لو آمنا بهذه الصفة لاختفت كل المعاصي والمخالفات على وجه الأرض.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نبدأ الرحلة؟ الرحلة مقسمة إلى ثلاثة أشواط:
الشوط الأول: يتمثل في شرح معنى الرقيب بطريقة تناسب كل فئة عمرية منهم، فنعلمهم أن الله قريب من عباده محيط بهم جميعًا، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، وأنه يعلم حتى ما يفكر به الإنسان وما ينوي أن يفعله.
وهذا الشوط ينطبق على قصة تلك الأم التي أوصت ولدها بألا يكذب مهما حدث له، فكانت هي وولدها سببًا في توبة عصابة كاملة من قطاع الطرق، حيث انشرح صدر زعيمها بسبب كلام الغلام معه وبعد أن استشعر رقابة الله عليه.
وأيضًا قصة الشيخ الذي طلب من تلاميذه أن يذبح كل منهم طائرًا في مكان لا يراه فيه أحد، وإذ بواحد منهم يفطن إلى أن ذلك محال فرجع بطائره، وأصبح منذ ذلك الحين يجلس في مجالس الشيوخ والعلماء لفطنته وذكائه.
وكون الله رقيبًا يستدعي كونه قريبًا سميعًا بصيرًا علميًا خبيرًا محيطًا شهيدًا، فكل تلك الأسماء تندرج تحت صفة الرقيب أيضًا.
بالإضافة إلى استخدام جانب الرواية وحكاية القصص لتأصيل تلك الصفة في النشء، سواء كانت تخص الأنبياء، أو الرسل، أو الصالحين أو العلماء، إلى جانب قصص الواقع، الأمر الذي يوصلنا إلى نتيجة رائعة معهم، حيث نجعلهم يربطون أحداث الحياة بالله الرقيب فيزدادون مراقبة لله في كل تصرفاتهم.
أما الشوط الثاني: فيتمثل في تعظيم شعائر الله، أي أنه بما أن الله -سبحانه- يرانا ويطلع علينا، فإنه يجب أن نستحي من أن نؤدي عبادته بشكل لا يليق بعظمته وجلاله، كما كانت السيدة عائشة تعطر الدينار، وتقول إنه يقع في يد الله، فإذا أراد الإنسان تقديم هدية إلى أحد الملوك فكيف ستكون؟! وكم سيكون ثمنها؟ فما بالك إذا كانت الهدية لملك الملوك جل جلاله؟
بينما الشوط الثالث: يتمثل في التطبيقات على الإيمان بتلك الصفة، فهناك آيات لا حصر لها تدل على هذه الصفة ﴿أَلَـمْ يَعْلَـمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ (العلق: ١٤)، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (النساء: ١٠٨)، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَـمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٧)، الأمر الذي يزيد المعرفة بالله الرقيب وبالتالي يحسن التعامل معه سبحانه، فالمعاملة على قدر المعرفة، إلى جانب تتبع المواقف التي تخدم هذا الأمر، بالإضافة إلى التعود على مناجاة الله القريب في كل الأمور، وبث الهموم إليه، وتحري الإخلاص في الأعمال، والمبادرة بالاستغفار من أي ذنب صغر أو كبر، اختفى أو ظهر، كذلك محاسبة النفس أولًا بأول، ودعاء الله بأسمائه الواردة في الموضوع، وتعليق لافتة مكتوب عليها : «الله معي -الله ناظر إلي- الله مطلع علي».