العنوان المجتمع الثقافي (1642)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1642
نشر في الصفحة 48
السبت 12-مارس-2005
في ذكراه العاشرة
د. نجيب الكيلاني.. رائد الرواية الإسلامية
القاهرة: محمود خليل
سيرة الأدب الإسلامي المعاصر.. تضع الدكتور نجيب الكيلاني رائدًا لفن الرواية.. على حساب المواهب الأخرى الكبرى التي تمتع بها الكيلاني.. من شعر وقصة، وتنظير، ونقد ومسرح.. فنجيب الكيلاني «١٩٣١- ١٩٩٥م» هو أول من دعا إلى تنظير حديث للأدب الإسلامي المعاصر -بعد الشهيد سيد قطب- حيث أصدر كتابه المهم الإسلامية والمذاهب الأدبية عام ١٩٦٢م، ليؤسس لمذهبية أدبية جديدة، وليكون فاتحة خير على طريق رابطة الأدب الإسلامي العالمية بعد ذلك بربع قرن من الزمان.
ومن خلف الجدران، تألقت مواهب الكيلاني.. حيث واصل حصده للجوائز، ففاز عام ١٩٥٧م بجائزة مجلة الشباب المسلمين في مسابقة القصة القصيرة، كما فاز عام ١٩٥٩م بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة باتحاد الكتاب والميدالية الذهبية المهداة من د. طه حسين، كما فازت روايته« اليوم الموعود» بجائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وقررتها وزارة التربية والتعليم على طلبة الثانوية العامة ١٩٦٠م، وتم إخراجها كمسلسل إذاعي بالكويت عام ۱۹۷۳م، وتم إعدادها كإنتاج تلفازي في مسلسل مصري ليبي مشترك، حيث عرضت في شهر رمضان ١٤١٤هـ، تحت اسم «ياقوتة ملحمة الحب والسلام»... والرواية تدور أحداثها حول الحروب الصليبية وجهاد المسلمين في المرحلة العصيبة من تاريخهم... كما نال د. نجيب الكيلاني جائزة مجمع اللغة العربية أوائل السبعينيات من روايته «قاتل حمزة» وتم تحويل روايته «ليل وقضبان » إلى فيلم سينمائي نال الجائزة الأولى في مهرجان« طشقند» السينمائي الدولي... كما نال الكيلاني ميدالية العلامة الفيلسوف الشاعر محمد إقبال الذهبية، حيث أهداها له الرئيس الشهيد ضياء الحق، في الذكرى المئوية للشاعر بسبب إنتاجه العلمي الكبير حول إقبال وفكره وفلسفته وشعره.
وتبرز ريادة الكيلاني عن جدارة من خلال دعوته إلى قيام أدب إسلامي منذ أواخرالخمسينيات، وله في هذا الصدد 9 كتب إلى جانب إصداره أول سلسلة من نوعها في الأدب الإسلامي المعاصر، عن قضايا ومشكلات المسلمين في المشارق والمغارب.. مثل «ليالي ترکستان »التي تناولت مشكلات المسلمين في الصين «وعذراء جاكرتا» حول الغزو الشيوعي الإلحادي لإندونيسيا... ومشكلات التنصير هناك، وعمالقة الشمال حول مشكلات المسلمين في نيجيريا... و«الظل الأسود» حول أثيوبيا... و«حبيبتي سراييفو» حول مشكلة البوسنة والهرسك، ورحل عنا هذا العملاق عن ۹۰۰ كتابًا... وعن الخطوط العريضة لمثلها تقريبًا... فقد كان بحق -كما قال نجيب محفوظ في عدد المصور أكتوبر «۱۹۸۹»- منظر الأدب الإسلامي وقتها.
وبعد حياة ملؤها العطاء، والجهاد، والريادة، والتميز.. رحل نجيب الكيلاني في ١٤١٥/١٠/٥هـ- الموافق ١٩٩٥/٣/٦م، فسلام على الكيلاني الرائد.. وسلام على الخالدين.
وللحرية الحمراء.. رفيق الحريري!
عبد الله زنجیر
بذات الأسلوب الذي زعموا مكافحته قتلوا الرجل والإنسان والزعيم بامتياز «رفيق بهاء الدين الحريري» ورفاقه البررة.. وإذ نأسف لهذا المستوى المتدني في ممارسة السياسة، نتقدم بأحر آيات العزاء لأسرة الحريري، ولكل لبنان، والعرب، والإنسانية.
إن بيروت الأوزاعي وقد تضرجت بدماء هؤلاء الأحرار ومن سبقهم بإحسان، بدأت تتململ من هذا الطغيان الفاشي المتفشي وها هي صحافتها وأقلامها ومداراتها الفكرية والثقافية والفنية، قد شمرت عن ساعد المبادرة، بعدما عيل الصبر وطفح الكيل فلا بديل عن النضال الديمقراطي السلمي لتحجيم الاستبداد.
وإذا كنا لا تتسرع بتلبيس الحكم السوري هذه الجريمة المجزرة، فذلك يعني بالضرورة -وبغض النظر عن أية نتيجة للتحقيق- براءة المجتمع المدني السوري وقواه الحية الحقيقية من أية إساءة تلحق بلبنان الحبيب، وتقترف باسم القومية أو العروبة أو الوطنية أو الاستقرار أو وحدة المسارات أو غيرها من مصطلحات إعلام الخشب اليابس وطوارئ النصف قرن، فالنظام الذي لم يستجب لكل إلحاحات ومناشدات الصلح والصفح، والعفو والعرف واستمر في التسويف والتأجيل والتشاطر «التطنيش» وترويج الوعود والإشاعات وتضييع الحقوق والواجبات وتحريق قلوب عشرات آلاف الأسر المنتظرة لأحبابها المفقودين أو المنفيين وتيئيسهم من أي أمل كان، رغم تغير الزمن والعالم والبشر، لقد صد وجهه عن كل نداءات العقل والحكمة والضمير والرحم والرحمة، حتى هذه اللحظة وكان الشعب في سورية ولبنان ليس بأكثر من كلاب ضالة يجب ترويعها وتجويعها وترويضها وتحقيرها ودعسها بالأحذية والقباقيب في تفكير وقانون وقاموس أجهزة الجور والتسلط.
لن نبكي رفيق الحريري لأنه لن يرحل وحياته الآخرة إحياء لحياته الأولى في قلوب المليون الذين شيعوه طواعية، وليس بالكرباج والتهدد والوعيد... أن يحشر الناس ضحى.
والحرية التي عاش لها لن نكف عن دق أبوابها ونوافذها بكل يد وريشة في لبنان وفي سورية وفي فلسطين وفي كل العالم بالأمس واليوم وغدًا.
الخريف.. هل يعود؟
عصام زايد عبد القادر
أحب الخريف.. ففيه كانت مفاتيح عقلي تعمل والأفكار تتولد والطاقة تتجدد والقلم ينفجر إبداعًا.. كان اقتراب الخريف إيذانًا بثورة وبركان وحمم تتقاذفها النفس وأمل يركب موجة عاتية وزهرة تسكن الفؤاد.
الخريف كان إيذانًا لي بتراكم سحب وأمطار وتفجر ينابيع ومولد ربيع آخر يحمل معه كل جديد...
فماذا حدث؟؟ أليس بعد كل ربيع خريف، لم فقد العسل طعمه ومنعت عن النحل مصادر رحيقه؟ مالي أشعر ببرودة أطرافي وقلم قد جف مداده وشوارع امتلأت بقوالب ساكنة وأشجار تساقطت وبيوت لم يبق منها إلا عيون تحجرت.
أيولد الربيع وكيف يولد وقد فقد الخريف خواصه؟؟ ها هي السحب قد تراكمت وأثقلت وألقت بحملها وخرج ربيع لا أعرفه ونبتت وردة لم تحرك ساكنًا.
هل هذا هو الخريف أم أن الناس تغيرت وأصبحت تصبو للجمود أم أنني لم أكن أعلم أن الجمود مستهدف.
أفقت على الحقيقة، نعم، إن الجمود مستهدف. تلك هي الحقيقة، نعم، ولكن لن أعيشها.. سأعود لفطرتي وأخرج بوليدي بين النيام.. أنتظر معه سحابة تظلنا تلقحها أنفاسنا.. وأمطارًا حتمًا ستسقط على أرضٍ حرثتها أقدام طال انتظارها. حتمًا ستعود الموجة العالية ويسقط الجمود وتتحرك الكراسي ويعود للزهرة أريجها.
الحرمة.. والحريم.. والجهل الحرام
عبد الله عيسى السلامة
ما كاد المحاضر ينهي إحدى العبارات في محاضرته، حتى هبت إحدى النساء واقفة في منتصف القاعة، وهي تصرخ.
- حرام عليك أيها المحاضر.. إنك تهين النساء.. ولا أسمح لك بهذا التطاول.
- نظر إليها المحاضر مستغربًا مقاطعتها بهذا الصراخ المفاجئ...
كانت المرأة في العقد الخامس من عمرها، سافرة متبرجة، وضعت كمية ضخمة من الأصباغ، لتغطي التجاعيد التي ملأت ملامح وجهها كله ووضعت على رأسها قبعة من الشعر المستعار، لتخفي شعرها الحقيقي الذي لا يعرف الناس عنه شيئًا...
سألها المحاضر، مبتسمًا، بهدوء:
- وكيف أهنتك أيتها السيدة؟
قالت المرأة: ألم تقل في عبارتك التي نطقتها أخيرًا قبل أن أقاطعك:
«إن المرأة حرمة، ينبغي أن تصان، وأن تحفظ من عبث العابثين وأحابيل المغرضين المفسدين»؟؟
قال المحاضر ببساطة : بلى قلت هذا الكلام لكن إن للمرأة حرمة ينبغي أن تصان. ولم أقل باختلاف بسيط، هو أنني قلت:
«إن المرأة نفسها حرمة والفرق واضح من حيث اللغة. وإن كنت مقتنعًا بأن المرأة ذاتها حرمة يجب ألا تمس بأذى أو سوء».
قالت المرأة متحدية: أرأيت إنها قناعتك التي لا تخفيها، برغم تلاعبك بالألفاظ.
قال المحاضر بهدوء : صحيح.. إنها قناعتي.. أنا مقتنع بأن المرأة حرمة. لكن ما علاقتك أنت بالأمر؟
قالت المرأة محتدة: وتسأل عن علاقتي بالأمر أيضًا؟ غريب! ألا تراني امرأة أمامك؟
قال المحاضر: ببساطة:
- إنه خاص بالمرأة التي تسر، أو ترضى بأن تكون حرمة، أو أن تكون لها حرمة.. أما المرأة التي تأبى هذا وذاك، فليست معنية بالموضوع أصلًا.
قالت المرأة بلهجة استفزازية:
- حسنًا.. كان عليك أيها المحترم، أن تصوغ كلماتك بدقة، احترامًا للمنهج العلمي، وتعلن بداية أن كلامك عن الحريم، والحرمات خاص بطراز معين من النساء، لا بالنساء جميعًا، كي لا تهين المرأة التي ناضلت طويلًا. ومازالت تناضل ليل نهار لنيل حقوقها والتخلص من تقاليد الماضي ورواسبه البالية.
قال المحاضر بهدوء وهو يبتسم:
- أعترف لك بأنني أخطأت، وأعلن اعتذاري أمام السادة الحاضرين، وأشهدهم جميعًا بأنني لم أقصد في كلامي عن الحريم، و. الحرمات، هذه المرأة، ولا أيًا من النساء اللواتي على شاكلتها، اللائي يناضلن لنيل حقوقهن والتخلص من تقاليد الماضي ورواسبه البالية...... وأنني إنما أتحدث في محاضرتي هذه، عن أمي وزوجتي وبناتي وأخواتي وعماتي وخالاتي وقريباتي جميعًا، اللواتي إن تعرض لهن سفيه بادي، أو مسهن ساقط بسوء على الدم في عروقي ولقنته درسًا بليغًا في الأدب، وفي كيفية احترام الآخرين، واحترام كراماتهم وأعراضهم.. ويدخل في دائرة محارمي سائر محارم المسلمين، بل سائر النساء اللواتي يحرصن ويحرص أهلهن على أن تكون لهن حرمة نصان من الأذى والسوء، وعلى أن يظل شرفهن محاطًا بسور منبع، لا تخترقه سهام العابثين، ولا نزوات الفاسدين والمنحرفين... فهل أرضاك هذا الاعتذار أيتها السيدة؟
قالت المرأة وقد أصابتها الحيرة وارتبك تفكيرها :
- ولكنك خلطت كلمات كثيرة لا علاقة بينها. مثل الكرامة العرض الشرف الحرمة..!
قال المحاضر بهدوء: هل ترين حقًا أن هذه الكلمات لا علاقة فيما بينها، ولا رابط يربط بعضها ببعض؟
قالت المرأة مرتبكة الحقيقة أنني لا أدري بالضبط كل ما أعرفه أن كلمات من مثل: حرمة وحريم... ثقيلة على مسمعي ومزاجي وانفر منها نفورًا شديدًا.
أما الكلمات الأخرى، مثل: كرامة.. شرف... عرض... فأنا أحرص عليها حرصًا شديدًا واعتز بها اعتزازًا كبيرًا جدًا.
قال المحاضر بهدوء وثقة:ك
- حسنًا أيتها السيدة.. أنا أعذرك إذا كنت تجهلين معنى كلمات مثل حرمة.. حريم التي تنفرين منها، وتجهلين العلاقة بينها وبين الكلمات الأخرى التي تعتزين بها وتحرصين عليها...
فاسمعي إذن هذه الكلمات، لعلها تفيدك. أو تزيل من ذهنك وقلبك ما علق بهما، من إيحاءات سلبية لكلمة «حرمة.. حريم... وما دار في فلكهما.
- وأحرم الرجل بفلان: نزل في حرمه حتماء به
- وتحرم منه بحرمة : تحمى وتمنع.
- وتحرم فلان بفلان عاشره ومالحه وتأكدت الحرمة بينهما.
- وحرم الرجل: ما يقاتل عنه ويحميه.
- والحرمة: ما لا يحل انتهاكه من ذمة أو حق أو صحبة، أو نحو ذلك.
- والمرأة، وحرم الرجل وأهله، والمهابة.
- الحريم: ما حرم فلا ينتهك.
- المحرم: ذو الحرمة.
- المحرمة والمحرمة: ما يحرم انتهاكه من عهد أو ميثاق أو نحوهما، وزوجة الرجل وعياله وما يحميه جميعها : محارم.
فهل الكلمات الأخرى مثل الشرف. العرض.. الكرامة بعيدة عن كلمات الحرمة.. والحريم ولا علاقة لها بها، أم هي مرتبطة بها ارتباطًا شديدًا، لأن الشرف الذي لا حرمة له لا يحميه أحد حتى صاحبه أو صاحبته. وكذلك العرض والكرامة والسمعة.. وما شابهها..!؟ أجيبي أيتها السيدة، إذا كانت قد اتضحت لك حقيقة الأمر.
قالت المرأة بلهجة فيها انكسار، وقد فارقتها نبرة التحدي:
- أنا آسفة.. فقد كان ذهني محشوًا، منذ الصغر، بإيحاءات سلبية منفرة، لكلمة.
- «حرم»، وكل ما يدور في فلكها، والمرء عدو ما يجهل. فأنا أكرر أسفي واعتذاري للسيد المحاضر، وللسادة الحاضرين جميعًا.
- قال المحاضر: دعيني أسألك سؤالًا يخصك أنتِ شخصيًا : هل تعتقدين، وأنت مثقفة ذات موقف فكري واجتماعي، تعتزين به وتدافعين عنه.. هل تعتقدين أن جهلك بمعاني الكلمات المتعلقة بموقفك هذا نوع من الجهل المباح؟
قالت المرأة بعد صمت قصير:
- بل إني اعتقد أنه نوع من الجهل الحرام، لمن كانت تملك موقفًا كموقفي، وتهتم بحقوق المرأة وقضاياها مثل اهتمامي..
الثقافة بين التجديد والاستنساخ
د. محمد وليد (*)
(*) طبيب وشاعر وكاتب سوري مغترب
في مقاله المهم موقع الثقافة في مشروع الإسلاميين السوريين كان الكاتب ياسين الحاج صالح منسجمًا مع أفكاره الليبرالية حين ذكر أنه لا ينكر شرعية وجود الإسلاميين السوريين وحقهم المكافئ لغيرهم في العمل العام، وإن كانت هذه الشرعية -في رأيه- لا تستدعي تلقائيا صواب مواقفهم أو تحليلاتهم أو رؤيتهم العامة، وهذه نظرة إيجابية للآخر المختلف تخرج من قلب وطن ما زال مكبلًا بقيم الشمولية والإقصاء والتهميش.
وفي معرض نقده أشار الكاتب إلى غياب مفهوم الثقافة في المشروع الإسلامي، وشكا من إهماله للمثقفين.. وعزا ذلك إلى مفهوم الإسلاميين للإنسان الذي هو خليفة الله وبالتالي تخضع أدوار ذلك الإنسان المتعددة لشرطه كمخلوق مستخلف وعبد لله.
وبعدما أشاد بدعوة المشروع إلى الحرية وجعلها القضية الأساسية في سورية اليوم، أشار إلى أن المشروع الذي يدعو إلى حرية الاعتقاد ليس على بيئة من أن هذه الحرية تعني أيضًا حرية عدم الاعتقاد وأن جوهر حرية المخلوق تكمن في تمرده على الخالق.
وفي نهاية مقاله وصف موقف المشروع بشكل عام بأنه موقف عدمي بحق ظلامي بحق، ومضاد للحضارة بحق، وتبين من خلال السياق أن الكاتب يحاكم المشروع حسب معيار للثقافة أحادي المفهوم يجعل منه ناديًا مقفلًا لا يقبل الدخول إلا لمن يؤمن أن الحرية خروج عن الأصل وتحطيم للسياج وتمرد على السلف وقتل للأب، ويرى أن التحصين الثقافي موقف غير حضاري وأن العدوى الثقافية مرغوب فيها كعامل تهجين وإخصاب وتلاقح وخيانة!!
وهنا لا يخرج الأستاذ ياسين عن المفهوم الذي يدعو إليه أكثر المثقفين اليساريين والعلمانيين، والذي يرى أن الطرح الديني في الأمور الدنيوية يمثل نكوصًا ماضويًا، وهو مفهوم يقوم بالأصل على قهر الطرف الإسلامي وتهميشه ومطالبته بالتضحية بجزء من دينه قربانًا للدخول في نادي الثقافة المقفل.
وهنا تكمن مشكلة عند الكاتب تختلط فيها الذات المطمئنة لما عندها من حقيقة بالذات نفسها التي لا ترى صواب الآخر إلا عندما يتماهى مع هذه الحقيقة.
إذا كنت تعتقد يا سيد ياسين بشرعية وجود الإسلاميين على الساحة السورية، فدع الإسلاميين يقرروا المفهوم الإسلامي الذي يريدون، وإذا كنت تقبل الآخر فاقبله كما هو لا كما تريده أن يكون.
إن اتهام الآخر بالظلامية والعدمية سهل جدًا، والأسهل منه هو الاتهام المعاكس بالتبعية الثقافية والتغريب وذوبان الشخصية.
لقد سئم الإسلاميون من التهم الجاهزة التي تصفهم بالرجعية حينًا، والأصولية حينًا، وبالظلامية والعدمية في كل الأحيان، وهذه لغة متخلفة وتحريضية أن لنا أن نتخلص منها، إذا أردنا ألا نعود إلى مربع المهاترات الأول والاحتراب الوطني الذي أفرز كل مظاهر الانحطاط الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي تعيش فيه سورية منذ عقود.
دعونا -أستاذ ياسين- نؤسس لعهد جديد وثقافة جديدة ولنبدأ بالحرية للجميع.. فالقضية الأساسية في سورية اليوم -كما جاء في المشروع- هي قضية الحرية، ويجب على كل الغيورين أن يقفوا صفًا واحدًا للدعوة إليها والدفاع عنها، فالحريات العامة شرط النهضة الحقيقية، والذين يتجاهلون هذه الحقيقة يضيعون فرص شعوبهم بالتقدم والنمو.
وإذا كنت ليبراليًا حقًا وديمقراطيا حقًا فاحتكم إلى صندوق الاقتراع. إن الإخوان قوم يعتزون بالإسلام ويعتبرونه رسالة هداية للعالمين، ولا يعدلون به دينًا ولا رسالة ولا ثقافة أخرى في هذه الأرض كلها. وكما يقولون هذا للناس في مشروعهم، فهم يقولون كذلك إن الإسلام جاء لتكريم الإنسان وحفظ دينه، وماله، وعرضه وكرامته.. وإنه لا إكراه في الدين، ولا يحول الاعتقاد الديني أو السياسي لأي مواطن دون تحصيله حقوقه الدينية والإنسانية والمدنية والسياسية كافة.
يدعو المشروع -يا سيد ياسين- فيما يدعو إلى العمل من خلال القواسم المشتركة مع كل أبناء الوطن، وأول هذه القواسم هو الاحتكام في العمل السياسي لصناديق الاقتراع، والاعتراف بالتعدد وحق الآخر والمختلف باختيار العقيدة التي يشاء، وحقه كذلك في التعبير عنها في إطار الضوابط الدستورية، فدعونا نعمل للوصول إلى عهد جديد وثقافة جديدة لا يكون دور المثقف فيها الاستنساخ الحضاري والتطبيق القسري لهذا الاستنساخ، وإنما يكمن في إبداع يزاوج بين قيم الإسلام العظيمة وخبرة التجربة البشرية المتراكمة على مر العصور.
لنتواضع قليلًا يا أصحاب الثقافة، ودعونا نفرق بين ثقافة التجديد وثقافة الاستنساخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل