العنوان المجتمع الثقافي (1641)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1641
نشر في الصفحة 48
السبت 05-مارس-2005
عاش من أجل الأصالة أدبيًّا وشعريًّا
رحيل الدكتور عبده بدوي شاعر إفريقيا والعرب الكبير
صلاح حسن رشید(*)
عاش مجدِّدًا ورحل رائدًا.. وبين الحياة والموت نسج قصة الشعر عندما يكرمه صاحبه في عام ١٩٢٧ كان ميلاد الشاعر الدكتور عبده بدوي بمدينة البحيرة بمصر صاحب الصوت الشعري الإفريقي الذي ذهب بعيدا ليطلب المجد الشعري عبر البوابة الإفريقية المتمخضة لدوحات جديدة فيها الخيال البكر والأساطير المستجدة، والذي غادر حياتنا منذ عدة أيام قلائل.
نال درجة الماجستير عام ١٩٦١ عن الشعر في السودان بعد أن تخرج في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام ١٩٥٤م، وحصل على الدكتوراه عام ١٩٦٩م عن رسالته الطريقة العويصة: «الشعراء السود واتجاهاتهم الشرعية وبيئاتهم»، ونال جائزة البحث العلمي من جامعة عين شمس والجائزة الأولى في داكار بالسنغال عن عمل درامي وجائزة شاعر مكة محمد حسن فقي الثقافية عن أفضل دیوان شعري عربي عام ۱۹۹۷م، وله أيادٍ بيض على الحياة الثقافية والأدبية بمصر والعالم العربي في فترتي الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين حيث أصدر مجلة الشعر عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون بمصر، وظل رئيسًا لتحريرها مدة عشر سنوات وعمل مديرًا التحرير مجلة نهضة إفريقيا الصادرة عن وزارة الإرشاد والثقافة بمصر في الستينيات، وفيها اتصل بالأقاليم الإفريقية، واكتشف عمق أساطيرها وسحرها الفوَّاح، كما اشتغل مديرًا لتحرير مجلة الرسالة في إصدارها الثاني، ولا ننسى عمله الكبير في إدارة مجلة الثقافة المصرية، وهو في هذا العمل الصحفي الثقافي كان يلتقط أية موهبة أدبية ليفسح لها المجال، ويعتني بها ويعطيها الفرصة
في الحياة، كما كتب للإذاعة المصرية أعمالًا درامية عديدة.
غبن شديد: لكنه للأسف الشديد تعرض لغُبنٍ شديد وظلم فادح بعد قيام العراق بغزو الكويت عندما كان أستاذًا في جامعة الكويت لمدة ثلاثة عشر عامًا حيث عاد تاركًا أمواله ومكتبته، وعندما عاد رفضت كلية الآداب بجامعة عين شمس التحاقه بها مرة ثانية فعمل في جامعات الإمارات وبغداد والكويت ومصر الدولية، وعاش في أخريات حياته مريضًا بالفشل الكلوي على هامش الحياة، منعزلًا عن الوسط الثقافي الأكاديمي بلا سبب سوى الجحود والنكران.
دراساته ودواوينه
ومن دراساته الفذة: الشعر والشعراء دراسات تطبيقية والشعراء السود، والحضارة، وأبو تمام وقضية التجديد في الشعر، ودراسات في النص الشعري وقضايا حول الشعر، وحضارتنا بين العراقة والتفتح، وطه حسين وقضية الشعر وشعر إسماعيل صبري، ونظرات في الشعر الحديث.
ومن دواوينه: التي كشفت عن شاعريته الكبيرة: شعبي المنتصر، والجرح الأخير، وهجرة شاعر والأرض العالية، وهي ملحمة درامية عن إفريقيا و«محمد ﷺ وهو قصيد سيمفوني أدخل فيه لأول مرة إلى الشعر العربي الموسيقي السيمفونية متأثرًا بالشعر الفرنسي خاصة بالشعراء اليهود الذين خلدوا أنبياءهم في قصيد سيمفوني حديث: لذلك أثر الدكتور عبده بدوي أن يتناول سيرة الرسول الأعظم ﷺ في سيمفونية درامية موسيقية تظهر جوانب العظمة فيها، وهو في هذا كان الرائد غير المسبوق.
كما أخرجت عنه جامعة الكويت عام ٢٠٠٠ كتابًا تذكاريًّا حمل عنوان «عبده بدوي» تناول فيه تلاميذه شعره وأدبه بالدراسة والبحث والتحليل والكشف عن ريادته. كما أنه يرجع إليه الفضل في اكتشاف بحر شعري جديد له جذور تراثية أهمله القدماء والمعاصرون على حد سواء.
وتعتبره الشاعرة العراقية نازك الملائكة من رواد شعر التفعيلة، ومن السابقين إلى تأصيله، إذ فضل هو أن يعرف كشاعر عمودي بدلًا من هذا النعت وهو -كما يذكر الكثير من النقاد والأدباء -صاحب أقوى قلم نقدي في ثلث القرن الأخير مصريًا وعربيًّا.. تشهد على ذلك أبحاثه العلمية و دراساته ومؤلفاته القمة.
ومن أشعاره قوله:
أنا قلب إفريقيا الذي قد دقَّ أبواب القدر
الشمس تنبع من جبيني ثم تغرب في الشعر
أنا قصة الشرق الذي أبهاؤه من أمنيات
أنا ذلك الشعب الذي جمدت يداه على السلاح
انظر إلى إصراره تلقَ الرماح على الرماح
في قلبه فجر يسلسل خطوة نحو الصباح
استكشاف المتنبي: وإلى الدكتور عبده بدوي يرجع الفضل كذلك في استكشاف المتنبي من جديد، فهو دَرَسَهُ دراسةً جديدة تغاير من سبقه، وتبحث في أسباب خلود شعره إنسانيًّا. وهو رائد الشعر العربي المتأثر بأعماق القضايا الإفريقية كما كان يناديه بذلك أستاذه العقاد.
ويقوم أحد الباحثين بعين شمس بإعداد دراسة جامعية عنه كشاعر موهوب استطاع أن يدخل على قريضنا العربي ثقافات جديدة وأخيلة مختلفة لم نقرأها من قبل، وهو في هذا الاتجاه يخالف الحداثيين والعلمانيين الذين اتجهوا صوب أوروبا والولايات المتحدة ليقلدوا الأصوات الشعرية الغربية التي ماتت في بيئاتها بينما كان صنيع عبده بدوي هو البحث عن أرض أخرى ليستحلب ماءها ورواءها شعريًّا وهو صوت المعذبين في الأرض والفقراء والكادحين في كل مكان، وهو المعبر عن آلام الناس والعالم الثالث ضد جبروت الإقطاع والرأسمالية الطاحنة للإنسانية.
ثلاثة عشر كتابًا: ومن العجيب أن للدكتور عبده بدوي ثلاثة عشر كتابًا أصدرها في الكويت ولا يعرف عنها شيء في مصر، ولم تحاول دور النشر الحكومية إعادة طبعها مرة ثانية للاستزادة مما فيها من فكر خصب وأدب ونقد.
وأعتقد أن للدكتور عبده بدوي دواوين شعر لم تر النور لا تزال في حيز الإهمال والنسيان فمتى يتم نشرها حفاظًا على آثار هذا الشاعر الكبير؟
التاريخ للصحابة: وكان يتمنَّى من أعماقه أن تمتد به السنوات لينجز مشروعه الرائد -وهو التاريخ للصحابة الكبار -في قصيد سيمفوني آخر تتجلى فيه روعة حضارتنا وشموخ الرعيل الأول الذين حملوا على عاتقهم مهمة نشر الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكي يظهر للغرب والهائمين حبًّا في الحداثة أن بمقدور شعرنا العربي العمودي أن يتعاطى مع كافة التيارات والأشكال الجديدة ولكن أين من يؤدي هذه الأمانة مثل شاعرنا الفذ عبده بدوي؟ ولا نعلم هل أتمَّ عمله هذا أم لا!
أما السر الكامن في عذوبة أفكار ودراسات وإبداع عبده بدوي فهو كما يقول أحد الباحثين المتعمقين في كتاباته «إن عبده بدوي أخلص لقضيته وتراثه، واضطلع بدور محوري بفضل تفكيره الفلسفي العميق ورؤيته الثاقبة وتحليله الجوهري وآرائه الجديدة فكان مجدِّدًا لا تابعًا ورائدًا لا مقلدًا».
صدر حديثا
الطفل.. واقعه المعاصر وموقف الإسلام من الطفولة
الطفولة عالم بريء استودعه الله أمانة في أعناق الكبار، تتشكل كيفما يراد لها، وهي في مراحلها المختلفة لا تحمل أوزار ما تفعل لكنها تعاني مما يفعله الكبار وتسعد أو تشقَى جراء هداهم أو ضلالهم. وقد كانت الطفولة على امتداد التاريخ مدار اهتمام متفاوت لدى الأمم والحضارات في القديم والحديث.
وكان الإسلام قد وضع أسسًا وقواعد في التربية والسلوك ما استطاعت التربية الحديثة أن تصل إليه وعلى العكس من ذلك فقد تردت في السلوك والقيم وانحدرت إلى درك خطير في العلاقات الاجتماعية.
وكان من نتائج ذلك إساءة معاملة الأطفال والعدوان عليهم واستغلالهم وإساءة تربيتهم ودفعهم للانحراف والشذوذ - ويبدو أن المشكلة أكبر بكثير مما أعطيت من الاهتمام وما وضع لها من حلول، وقد حاول المؤلف في هذا الكتاب أن يصور المشكلة بحجمها الحقيقي وأن يتصور ما يمكن من العلاج والحل، بلغت صفحات الكتاب ٥٥٤ صفحة توزعت على خمسة فصول تناول الفصل الأول: مراحل الطفولة، أما الفصل الثاني: فتحدث عن الطفولة في الإسلام، وتناول الفصل الثالث: جنوح الطفولة وآثاره، وعالج الفصل الرابع هموم الطفولة وأشار الفصل الخامس إلى استغلال الأطفال وإساءة معاملتهم والعدوان عليهم، أما الفصل السادس والأخير فقد تناول موقف الإسلام من مشكلات الطفل المعاصر.
المؤلف: شافع محيي الدين القادري.
الناشر: مطبعة دار عكرمة. دمشق
تلفاكس ٢٣١٣٤٨٩
واحة الشعر
شعر: موسى عمر الحسن الطارقي
دم من الجُرح القديم
فاءٌ ولام..
سين مسكنة وطاء
ياء ونون.
هذي حروفٌ..
قد تراقص فوقها شبح المنون..
هذي حروف..
للتصبر لا السكون.
هذي حروف..
قد طوت حقب الزمان مع القتال.
هذي حروف..
قد جئت للأمة الثكلى.
عزائم كالجبال.
هذي حروف العز..
في زمن الوبال.
هذي فلسطين الحزينة يا رجال.
أو تنظرون إلى يهود..
يقتلون.. يذبحون ويعبثون
وكما يشاء الجند..
في أرض المعزة يفعلون
هذا صبي.. قد تضرج بالدماء
وأب كسير.. أدركته بقية من طلقة
فهوت به نحو العناء
أم تكفكف دمعها.
أخت تحشرج صدرها
وأخ يخوض معاركًا..
والقلب ينبض بالدعاء.
يا رب: أهلكنا اليهود.
فاء: فؤاد قد تمزق من قهر
لام: لهيب الحزق مقرون..
بأشباح الضجر.
سين سيوف الهون قد خارت.
وينتفض الحجر.
طاء: طلائع فجرنا..
يحدو مراكبه القمر
ياء: يهود الحقد
لا.. ليس يوقفهم سلام
إنهم قوم غدر
نون: نسيم القدس يحيينا..
ويمحو عنا صفة الخور.
****
قاف ودال ثم سين
أرض مقدسة
سرى في صدرها حقب السنين.
صارت قضيتها كشيخ مقعدٍ أضحى
حزين.
أمسى يرافقه الأنين..
القدس يسكنها الحنين!!!
والناس ينتفضون من باعوضة..
نخرت قلوب الساكنين.
الشعب يُقتل جهرة
والأم ماتت حسرة
والطفل يحرم رضعة
والبيت أصبح حفرة
والعرب تنوي نية
ويتمتمون لبعضهم
هلا عقدنا قمة؟؟
قاف: قلوب قد تغشاها الأسى
دال: دليل للتباعد في شواطئنا رسى
سين: سلام.. بل خداع في الصباح وفي المسا
***
جيم وهاء
ألف لها مدٌّ.. ودال
حل وحيد للمعزة يا رجال
حل به نمحو الضلال
حل.. تدين لنا به كل الأمم
حل يخوض بقوة
بحر الكرامة والشيم.
هذا الجهاد سنام دین محترم
يا قومنا...
خوضوا المعارك كالأسود
قوموا لتمزيق اليهود
هيا لتلقين القرود
درسا يدوم مع الزمان..
لنقضهم كل العهود.
إن الحياة لهم حرام
في رُبَا أرض الأسود..
يا قومنا..
لا تنظروا نحو السلام
هذي أكاذيب..
وأوهام عظام
ولِم السلام؟؟؟
وفي الجهاد كرامة...
وهو السنام.
جيم: جلد.
هاء: هلاك للعدا
في كل أقطار البلد
ألف: أسا للحاملين
على ترانيم السعد
دال: دروب النصر نسلكها
ولن نرضى بغير النصر في...
أرض المَعَزَّةِ للأبد
الشاعر محمود الجرف في حوار للتاريخ:
لهذه الأسباب تلاشت صورة عبدالناصر من أمامي
اقتربت من الشهيد سيد قطب فتعلمت كيف أنفذ إلى جواهر الأحداث والتجارب
القاهرة. محمود خليل
الشاعر الكبير محمود الجرف: (٨٤ عامًا) عاش ثلاثة أرباع عمره المديد في میدان الإبداع الراقي، فقد تخرج في دار العلوم عام ١٩٤٣م، وحصل على دبلوم الدراسات العليا عام ١٩٥٥م، وتتلمذ على يد شهيد الظلال سيد قطب، واقترب من عبد الناصر، وصاهر كمال حسن علي رئيس وزراء مصر الأسبق، وانتهى بعد هذه الرحلة إلى ستة دواوين مخطوطة... وعدد لا يعلمه من القصائد المفردة...
• الشاعر المبدع في رأيكم.. ماذا يعني؟
- إنه فارس لا يحب أن يُسبق أو يُلحق أبدًا.. فإن عاش فقد عاش لحق.. وإن سقط.. سقط شهيدًا لمبدأ.
• وما قولكم فيمن قالوا: «أجمل الشعر أكذبه»؟
- يمكن أن نقول: «أجمل الشعر أروعه». أو أجمل الشعر أبدعه، أو أجمل الشعر أصدقه.. لأن الكذب هنا إنما يقصدون به جماليات اللغة ومستويات البلاغة ومهارات البيان.
• لكنك ظلمت نفسك كشاعر، حيث لم تنشر من هذا النتاج الضخم أي ديوان ولم تقبل على الأضواء على الإطلاق... رغم مستواكم الذي يعرفه النقاد والكتاب وجمهور الأدب في كل مكان؟!
- لهذه الأضواء قصة مؤلمة.. مفادها أن ابن عمي الدكتور الشهير طعيمة الجرف أمين الدعوة والفكر السابق في الاتحاد الاشتراكي العربي.. وأحد أهم أجنحة جمال عبد الناصر.. كان -رحمه الله -يحمل لي في نفسه غيرة حارقة.. فشلت على مدى الأيام أن استلها من نفسه، كما فشل والده عمي عبد الحميد طعيمة الجرف في ذلك.. وكانت شارات التقديم والتأخير.. والإنار والإظلام في الحقل الثقافي في ذلك الحين في يد رجلين هما رفعت المحجوب، وطعيمة الجرف.. وقد سلك د. طعيمة في هذا الصدد مسالك شائنة وغريبة.. مما جعل بيني وبين الأضواء شبه عقدة مستحكمة.. وكتبت ما كتبت وتركته في ذمة الله وضمير التاريخ.
• لكنك كنت واحدًا من شعراء العهد الناصري المعروفين.. وكانت أشعاركم تذاع على الهواء في الخمسينيات مباشرة؟!
- لكن زبانية هذا العهد زجُّوا بعلاقتي بشهيد الحق ورجل الظلال القرآنية الشهيد سيد قطب.. حيث كنت من أقرب تلاميذه إليه، وكان لا يزال أستاذي الأول الذي لا أعدل به رأسًا في العالم الإسلامي في فهم القرآن، والاهتداء إلى سر الكلمة التي اختارها الله لسانًا لوصيته، وبيانًا لرسالته وهداية لخلقه.. وكانت هذه العلاقة كافية لأن تضعني في وهاد الأرض.
• ومتى بدأت علاقتكم بالشهيد رحمه الله؟
لقد قرأت له وأنا بعد تلميذ صغير، كما كان ابن عمي د. طعيمة الجرف مسؤول الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكي العربي يَسْخَرُ منِّي عندما أصلي كان ابن عمي د. عبد الوهاب الجرف يقاسمني هذه التلمذة على شهيد الظلال ونحن صغار.. ثم تعرفت عليه أديبًا مرموقًا وشاعرًا كبيرًا. وناقدًا من طراز لا يتكرر.. ثم درَّس لي جماليات القرآن في دار العلوم عام ١٩٥١م. وأشهد أن فطرته كانت أنقى من النور وأصفى من ماء السماء، وكان يجالسنا أنا وإبراهيم عيسى، ومحمود أبوالوفا الذي كان أقرب إليه منَّا، وذلك بمحل أحد العطارين بروض الفرج وهو محل الحاج حسن جودة..
• وما أهم ما لفت نظرك في هذه السن في الشهيد سيد قطب؟
- كان -عليه رضوان الله -من أقدر الناس على أن يطوي صفحات الماضي ويلقيها خلف ظهره، قائلًا: إن صفحات الماضي هي التي أدت بك إلى ما أنت فيه فاعتبر به وتمثله وانهض به بقوة، وكان حكيمًا فيلسوفًا لديه طلاقة الزعماء وتوقف الحكماء، ثم استوى بإذن ربه عالمًا عظيمًا، وباحثًا فريدًا.. وجملة القول بحق: «لقد وُلد سيد قطب وعاش ليكون شهيد الكلمة».
وأذكر أنه عندما عاد من أمريكا جلسنا معه وسألناه: ماذا رأيت يا أستاذنا؟ فقال: لقد رأيت ورشة كبيرة بحاجة إلى من يقومها ويشرع لها أهدافها.
ما بعد الموت
• ومتى اعتبرت نفسك مطروحًا في الحياة الأدبية كشاعر؟
- لقد كتبت الشعر وأنا في المرحلة الابتدائية.. حيث أنتمي إلى عائلة أزهرية ودرعمية عتيقة.. ولكن تدشيني كشاعر كان على يد القطب الفذ الدكتور علي الجندي الشاعر البحَّاثة.. حيث كان يُدرِّسُ لنا بالدراسات العليا عام ١٩٥٢ «بمعهد الدراسات العليا للمعلمين».. ثم قال لنا: يا أبنائي لم أسمع حتى الآن شيئًا يُشبعني من شعرنا العربي «في الموت وما بعد الموت» فرفعت يدي قائلًا: عندي يا أستاذنا من ذلك خبر، قال: فقل: فقلت:
يا ساقيات المنايا السود ما الخبر حتامَ كف الردى تسقي وتعتصر؟
ويا رياح البلى باتت بدورتها تأتي على الحي لا تُبقي ولا تذر
ويا حبيبًا بوادي الموت منفردًا أحنت ظلامًا عليه الترب والحجر
إنا وهبناك دون الموت حيلتنا دمع الوفيين، ما في الموت معتذر
لو يستطيع بيانًا كنت سائله ماذا وراء البلى ما الموت؟ ما الخبر؟
وما النهايات؟ ما ركب يسيرنا؟ فوج تولى، وفوج بعد ينتظر
مُنًى جَهَدنا على الدنيا نلاحقها فضاءلت عزمنا واستعصم القدر
وعلي الجندي، كما تعلم، كان رجلًا منقطعًا للعلم، فقال: لمن هذا الشعر؟ فقلت: لِي، فقال: فأنت مِن اليوم شاعر سابق باعتراف «علي الجندي»!!
وظلت هذه الأبيات التي قلتها في رثاء عمِّي تتردد في نفسي، حتى ألقيتُها على قبر العلامة الدكتور محمد بن فتح بدران العالم المشهور عام ١٩٧٠م.
• كنتَ مفتونا بعبد الناصر.. فهل مازالت لديك هذه الهالة القديمة؟
- نعم كنت مفتونًا بعبد الناصر، ولكن اقترابي من سيد قطب جعل قامة عبد الناصر تتقزم أمامي بل وتتردى في الوحل حتى كادت تتلاشى.. وبحق، لقد كان سيد قطب سيدًا وقطبًا في كل ما قدم.. ولقد سألته يومًا: لماذا تركت الشعر يا أستاذنا؟ فقال: لما لم أكن الشاعر الأول، آثرت أن أترك الشعر، وأن أفتح كنوز القرآن المجيد.. ولقد تعلمنا منه كيف تنفذ إلى الجواهر، حيث كان يقول لنا: إن الظواهر تأتي في انتقالة سياسية، أو برقة تاريخية.. فلا تحفل بها.. ولكن اعلم دائمًا أن الخلود للجواهر الكامنة خلف هذه الظواهر الصاخبة.. ولقد علَّم كل تلاميذه.. أن يكون الواحد منهم جنديًّا أمينًا، لا يقول إلا حقًا وصدقًا.. كما علَّمنا كيف ننصهر ونخلص.
إلزام والتزام
يتردد على ألسنة البعض أن الالتزام الأخلاقي في الأدب الإسلامي يُمثل قهرًا وتأطيرًا لرؤيته الإبداعية.. فما رؤيتكم لهذا الطرح من خلال تمرسكم بالإبداع لأكثر من ستين عامًا؟
- إذا خلقك الله شاعرًا، وعشت نبيل القلب والقالب لم تأسن فطرتك، فتعلم أن هذه الكيانات وهؤلاء الأناس الذين يتقولون هذا على أصحاب المواهب العالية.. ليسوا سوى نباتات ظل وشبه ظل، لا تقوى على أن تواجه ضوء الشمس أو أن تقف بمفردها... لأنها اعتادت على التسلق والتواري.. وأنا شخصيًّا حين أعيش التجربة وأصفو لها وأخلص.. وإن هربت منِّي أرقبها وأنتظرها وإن عاودتني فإنني أستبقيها في نفسي الجود، ولا أروغ وراءها.. ومن ثم فإن الالتزام الأخلاقي والإبداعي بصفة عامة، إنما يتساوق ويتسامى مع عمق الموهبة، وصدق التجربة.. ولكن البعض يظن كل التزام أخلاقي قيدًا وضيقًا وتعنتًا وحجرًا.. لقد كان ابن عمي طعيمة الجرف وهو في القمة من النظام السياسي للدولة.. يسخر منِّي عندما يراني أصلي.. وفي المقابل كان شقيقه د. عبد الوهاب طعيمة الجرف من قيادات الإخوان المسلمين، وقد توفي بالكويت عليه رحمة الله ورضوانه.
ولهؤلاء أقول:
يا لائمينا لحب في طبائعنا الحر إن ينتصف للناس لم يُلم
حب تسامى على الأغراض قاطبة ولا احتمى بهوى بالذل متسم
تسمو بأرواحنا روح ملازمة والجسم والروح كلٌّ غير منقسم
لا تعذلونا لأمر لا نصرفه ما حيلة المرء في أمر من القسم؟
وهذه الجموع الهادرة في ميدان الأخلاق، العابثة في ميدان الجد المتولية يوم الزحف نقول لهم: كفاكم غشًا ومخاتلة وخيانة وانحرافًا.. لم يتبقَّ لأمتنا شيء في معركتها المعاصرة سوى حصن الأخلاق.. الذي ستنهار بانهياره آخر الحصون، وقد سارت هذه العصابات شوطًا طويلًا بأمتنا.. فماذا جنينا منها؟:
فلا الأمان تَبَدَّى في مسالكها آن المسير ولا آبت إلى حرم
وقديمًا كان يقول لنا الشهيد سيد قطب: قل ما تشاء ما دمت لست مأجورًا أو مخمورًا فالمبدع له أن ينهل من كل الروافد، لكنه يضن بمياهه أن تروي أرضًا غير أرض الحق والفضيلة والخير والجمال....
وشاد ترنم بين الغصون ففض النداء سكون الحجر
ومال يُروِّي بدمع العيون جبين الورود وخد الزهر
ورحم الله «عديلي» كمال حسن علي رئيس الوزراء الأسبق «من بني سعد، بأسيوط» الذي كان معجبًا بسيد قطب إلى درجة الافتتان، وكان كثيرًا ما يقول بيني وبينه: «إن التوجه العلماني لهذا البلد سيطوى رأسه في الوحل إذا لم ينتبه المسؤولون ويقفوا لهذه الطغمة بكل حزم وقوة». ولكن هذا قدرنا:
نرد على الدهر سيف المغير ورشق السهام وقذف الحجر
فيا ليت شعري إلام الظلام؟ يضل العقول ويغشى البصر
ويشقى الجمال بغدر الطغاة وبغي البغاة وظلم البشر.
• لكنهم يدفعون في هذه القضية بأن شعرنا العربي والإسلامي إنما تم نظمه ليكون قصيدة البيت الوحد.. «بيت القصيد»؟!
- كما يقول «عبد القاهر الجرجاني»: «الشعر جنس من التصوير».. ومن ثم فلابد أن تكون القصيدة كلها تصويرًا.. ومن هنا أيضًا، فإن البيت الواحد.. ليس استشهادًا بالقصيدة، إنما هو يجري مجرى الصورة المجزوءة أو الحكمة المصفاة.. فالقصيدة كيان حي متكامل إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل