العنوان المجتمع الثقافي (1636)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005
مشاهدات 74
نشر في العدد 1636
نشر في الصفحة 48
السبت 22-يناير-2005
في مؤتمر«دور اللغة العربية في التنمية المعرفية»
العولمة تسعى لاقتلاع جذور لغتنا وثقافتنا الإسلامية
القاهرة: على عليوه
دعا المشاركون في المؤتمر السنوي الحادي عشر لجمعية لسان العرب لرعاية اللغة العربية، إلى وضع خطة عمل لحماية اللغة من الأخطار التي تتعرض لها، والاهتمام بإعداد المدرسين، وتطوير طريقة برايل لتعليم العربية للمكفوفين.
وطالب أعضاء المؤتمر الذي عقدته الجمعية في مقر جامعة الدول العربية بأن يقوم الباحثون في الدراسات العليا في الكليات العملية بتقديم ملخص لأبحاثهم باللغة العربية؛ تمهيدًا لكتابة تلك الرسائل الجامعية بلغتنا مستقبلًا.
في البداية طرح الدكتور أحمد مصطفى أبو الخير-الأستاذ بكلية التربية بجامعة المنصورة- مشروعه المقترح حول: «إنشاء الصندوق العربي لدعم اللغة العربية خارج الوطن العربي»، فأوضح أن تعليم العربية في الخارج يحتاج إلى الدعم والمؤازرة ومد الجسور مع الأقسام والجامعات الأجنبية التي تدرس اللغة العربية، ويتطلب ذلك إنشاء صندوق يكون مقره جامعة الدول العربية، وأن يكون للصندوق موقع على شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت» مهمته التعرف على الجامعات التي تقوم بتدريس العربية، وربطها بالجامعات المحلية في الوطن العربي، ووضع خطة لتبادل الكتب والدوريات والمناهج فيما بين هذه الجامعات عن طريق السفارات العربية في العالم، وتبادل الطلاب والأساتذة والمشاركة في المؤتمرات للتعرف على احتياجات تلك الأقسام خارج الوطن العربي ويقوم الصندوق بتوفير هذه الاحتياجات.
محاربة اللغة العربية
ونبه الدكتور كمال بشر-الأمين العام لمجمع اللغة العربية- إلى خطورة ما تتعرض له اللغة العربية بسبب إهمال أهلها والمتعاملين بها، وبسبب عدم قدرة المناهج الدراسية الحالية على النهوض بها، وأخيرًا بسبب رياح العولمة العائية التي تريد أن تقتلع ثوابتنا العقدية والحضارية لصالح الثقافة الغربية، مشيرًا إلى ضرورة إعداد المعلمين جيدًا، وأن تعتمد دروس تعليم العربية على القراءة الجهرية، بأن يقرأ الطالب أمام زملائه، ويقوم المعلم بتصحيح الأخطاء النحوية.
ونبه الدكتور علي جمعة-مفتي مصر- إلى أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة واللغة العربية تتميز بقدرتها الفائقة على التعبير عن العلوم والمعارف المختلفة على عكس ما يروج عنها خصومها والكارهون للإسلام بأنها عاجزة عن مسايرة حركة التقدم العلمي، ويكفى العربية شرفًا أنها لغة القرآن الكريم دستور البشرية إلى قيام الساعة، والأزمة التي تعانيها هي أزمة المنتسبين إليها، أي أنها أزمة فكر وليست لغة، فلو كان لدينا المبدعون والمخترعون القادرون على إنتاج المعرفة لأدى ذلك إلى نهوض اللغة العربية وحيويتها، كما كانت لغة العلم الأولى في العالم إبان ازدهار الحضارة الإسلامية التي استمرت ثمانية قرون كاملة.
مؤكدًا أن الهجوم على اللغة العربية هو هجوم على الإسلام لأن القضاء على العربية يعني القضاء على القرآن الكريم، وهذا يفسر تلك المحاولات الدموية لاستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، والدعوة لنشر العاميات بدلا من اللغة العربية الفصحى، والدعوة التي ظهرت مؤخرًا بإلغاء النحو الذي يمثل العامود الفقري للغة.
وقال عمرو موسى-الأمين العام لجامعة الدول العربية: إن المعرفة هي إحدى النواقص التي اتهمنا بها في تقارير الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية، وتسعى لسد هذا النقص من خلال العناية باللغة العربية التي هي أداة ووعاء المعرفة، وتم إنشاء معهد للترجمة من وإلى اللغة العربية؛ لأن ترجمة علوم ومعارف الأمم الأخرى وترجمة ما لدينا إلى لغات هذه الأمم هي الخطوة الأولى والأساسية للنهوض الحضاري الذي ننشده ونصبو إليه.
وحذر الشاعر السوري عدنان برازي من خطورة ما تتعرض له اللغة العربية في دول شمال إفريقيا، خاصة الجزائر من محاولات لضربها تحت ستار الفرانكفونية التي تقودها فرنسا، وتسعى من خلالها لفرض ثقافتها الفرنسية وطمس الهوية العربية الإسلامية، وقامت بإنشاء معهد للدراسات الأمازيغية في باريس لإعداد كوادر علمانية من البربر، تقوم بمحاربة اللغة العربية والدين الإسلامي في مناطق الأمازيغ وإعلاء النزعة العرقية الرائعة التي تزعم بأن البربر ليسوا من العرب.
وأضاف أن هذه الدعوات لإحياء العرقيات والإثنيات، نجد مثيلًا لها في لبنان، حيث هناك الدعوة لإحياء الفينيقية، وفي مصر الدعوة للفرعونية. وهكذا نجد في كل بلد عربي مخطط يتم تنفيذه، يستهدف تفتيت المنطقة ثقافيًا وعرقيًا، تمهيدًا للتفتيت السياسي، وتجزئة الدول الحالية إلى دويلات أصغر لصالح المشروع الصهيوني-الأمريكي- وإقامة«إسرائيل» الكبرى.
وأكد فوزي تاج الدين -المسؤول الإعلامي بجمعية لسان العرب لرعاية اللغة العربية- ضرورة قيام وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون بنشر اللغة العربية الفصيحة، من خلال الدراما والأحاديث الصحفية وبرامج تعليم العربية ونشرات الأخبار، وأن تلتزم الإعلانات بالفصحى بدلًا من العامية، والتأكيد على أن شيوع العاميات خطر يهدد وحدتنا كأمة عربية إسلامية، واللغة الفصحى هي القادرة على توحيد الشعوب.
العمل الفني.. وعلاقته بالواقع
د. حامد بن محمود آل إبراهيم
قد يأخذ العمل الفني من الواقع دفعة من انفعال، واستجاشة لإحساس، ينطلق منه الشاعر أو الأديب الصياغة قصيدة، أو كتابة قصة، أو تسطير عبرة.
والعمل بعد ذلك ينطلق من خيال الكاتب مطابقًا للواقع، أو نسجًا من خيال، تحكمه أصول الصنعة، وحدود الفن، ليكون بعدها كائنًا بذاته، قد يرتبط بالواقع أو يجانبه.
المهم أنه كائن له سماته وصفاته، ولا تجوز محاكمته أو محاسبته على دفعة الانفعال الأصلي التي حركت نفس الشاعر أو الكاتب.
ولقد كان القرآن الكريم رائدًا في هذه الفنون كلها، فهو يضرب المثل:
كما في سورة النحل
أو يسبك القصة في مشاهد من الواقع التاريخي مفصلًا أو مختصرًا، ويقول الحوار على السنة الأشخاص الحقيقيين المعروفين في السياق:
سورة القصص ٧٦
فصاحب القصة معروف ومحاورة الذين أوتوا العلم مذكورة، ويتجلى ذلك في الحوار بين موسى عليه السلام وفرعون:منسوب إلى أصحابه.
وكما يقول الأستاذ الدكتور فاضل السمرائي:«الحوار القرآني هو صياغة الحوار الواقعي في أرقى أسلوب وأبدعه»...
ونعم ما قال، فلاشك أن موسى عليه السلام وفرعون لم يتحاورا باللغة العربية، ولكن الحق سبحانه وتعالى ذكر لنا الحوار الصادق،باللفظ الراقي والأسلوب الرائع.
وقد يذكر الحوار القرآني في القصة مشاهد، ويترك أخرى ليصل إلى العبرة المطلوبة في هذا الموضع من القرآن، ثم يعود فيذكر ما ترك، ويترك ما ذكر في سورة أخرى وهذا أوضح ما يكون في قصص بني إسرائيل وحوارات موسى عليه السلام وفرعون.
أو يقص القصة كلها كاملة ولا يعود إليها أبدًا في أي موضع آخر من القرآن مثل قصة يوسف عليه السلام.
الأديب السعودي د.محمد بن سعد بن حسين: القراءة بفهم وإدراك مفتاح الإبداع
الرياض: محمد شلال الحناحنة
استضاف المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض الأستاذ الدكتور محمد بن سعد بن حسين، حيث تحدث عن تجربته الأدبية والنقدية.
والأديب أ.د. محمد بن سعد بن حسين أستاذ الدراسات العليا في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وله عشرات الكتب المطبوعة في النقد والأدب،وعدة دواوين شعرية، فضلًا عن عدد كبير من الكتب المخطوطة، وقد أدار اللقاء الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وحضره عدد كبير من الأدباء والنقاد ورواد الملتقى.الدراسة والتأصيل
تحدث د.محمد بن سعد بن حسين عن دراسته وطفولته، وبعض معالم حياته الخاصة، إذ درس على نخبة من العلماء في الرياض ومكة المكرمة، من أشهرهم العالم الرباني الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -يرحمه الله- وقد تناولت دراسته علوم الدين واللغة العربية، ثم انتقل عام ١٣٧١هـ إلى دار التوحيد في الطائف، وتلقى علومًا لم يعهدها من قبل مثل تاريخ الأدب، وفي هذه الدار كان المنطلق الأول للإبداع لديه، وهناك نظم أول قصيدة.
كما أن أساتذته شجعوه على النقد..الذي كان له الأثر البالغ في حياته المستقبلية، وعندما طلب منه أستاذه أن ينقد كتاب: «المعذبون في الأرض» لطه حسين استصغر نفسه، فقال له الأستاذ:«لا تستصغر رأيك أمام أي رأي آخر»، ثم أضاف د.محمد بن سعد بن حسين قائلًا: وخلاصة التجربة النقدية والأدبية عندي أني في الواقع رهين لكلمات من شيوخي، هي التي وجهتني إلى هذه الإبداعات، سواء في مجال النقد أم الشعر أم المقالة، ونشر لي ثلاثة دواوين شعرية، وعندي ديوان ضخم حوالي ألف صفحة، وآخر ديوان بعنوان اشتعالات عالية، لا يزال مخطوطًا.
مفتاح الإبداع
ثم وجه المتحدث بعض النصائح للأدباء الشباب فقال: إياكم والتجافي عن التتلمذ للشيوخ، وإذا أنبك الأستاذ فلا تغضب، وتأكد أنه يريد لك الخير، ولا شك أن تشجيع الأستاذ عبد السلام سرحان كان له الفضل العظيم علي، وكلما زاد الإنسان ثقافة كان إبداعه أفضل، فلابد من القراءة الدائمة في طريق الإبداع، وأوصي أبناءنا بأن مفتاح الإبداع هو الإكثار من القراءة بفهم ووعي وإدراك، والإبداع يحتاج إلى موهبة، كما يحتاج إلى أمرين آخرين مكتسبين هما الثقافة والمرانة، وسبب الضعف عند بعض الموهوبين..ضعف القراءة.
الناقد والثوابت
كما تحدث عن تجربته النقدية مبينًا ما يكتب عنه في بعض المنابر الأدبية والثقافية فقال: يقولون عني: ابن حسين ناقد جامعي تعليمي ويعنون بذلك أني لا أصير إلى أساليب النقد الحديث، والحق أنني معجب بأساليب الناقدين القدامى، ولكن لا أهمل أساليب الناقدين الجدد ولا أستطيع أن أكون ناقدًا على أساليب الغربيين؛ لأن ذلك لا يتفق مع ثوابتي وثقافة أمتي الإسلامية، وما يجب أن يكون عليه اتجاهنا هو أن تحافظ على الدين والثوابت واللغة والعادات والتقاليد الأصيلة والأخلاق السامية، ولذلك لابد أن تنمي في نفوسنا أولًا الاتجاه الإسلامي ليكون الإبداع إسلاميًا أصيلًا بعيدًا عن لوثات الغرب وأساليبهم المناقضة لعقيدتنا وثوابتنا وأخلاقنا، فهل نعي ما يحاك لنا.
العصامية
وقد أثنى الدكتور عبد القدوس أبو صالح على عصامية الأديب والناقد د.محمد بن سعد بن حسين الذي استطاع أن يكون شخصيته الإبداعية، فارتحل إلى أماكن متعددة، ونهل من مشارب كثيرة، وقد أفادنا الليلة بهذه النصائح الطيبة الخاصة بالأدباء الشباب، كما تبين أن حياته الأدبية تجمع بين التراث والمعاصرة فتأخذ منهما ما ينفع دون أن يكون مبهورًا أو مستسلمًا إلا للثوابت. أما الناقد الدكتور سعد أبو الرضا الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونائب رئيس تحرير مجلة الأدب الإسلامي فقال: كنت مسرورًا وأنا أصغي للأديب الدكتور محمد بن سعد بن حسين وهو يعرض هذه التجربة المتعددة الأبعاد، وتجربته الأدبية الإبداعية جديرة بالوقوف عندها والاستفادة منها، وهي تجربة أصيلة نحن بحاجة إليها.
العدد «١٥٢ » من حصاد الفكر
تقرير شهري يتضمن ملخصًا شاملًا لأهم وأحدث الكتب العربية والأجنبية، العدد ١٥٢ من حصاد الفكر غطى عددًا من القضايا الاقتصادية الملحة، حيث يرتبط مأزق التنمية في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية بهذه القضايا التي بات يفرضها واقع العولمة وإفرازاتها: مأزق التعليم، البطالة، النزوع الاستهلاكي، الفقر، والجوع.
وكلها تمثل تحديات تعوق نهضة المجتمعات العربية وتطورها، فكيف تتعامل هذه الدول مع هذه التحديات، وتتجاوزها؟ وما الحلول التي قدمها المنهج الإسلامي لمثل هذه الإشكالات وغيرها؟ هذه التساؤلات يناقشها ملف هذا العدد من تقرير حصاد الفكر الذي يرصد خريطة الوطن العربي خلال عام مضى وحجم التحديات في ظل تصاعد الإجرام الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، وتغول الاحتلال الأمريكي للعراق وضعف آليات المواجهة. ويقلب صفحات من تاريخ الحركة الإسلامية التي أتقنت فن الإدارة ضد التيار، ويفضح المسيحية الأصولية الأمريكية وعلاقتها بالصهيونية، ويسجل صفحات من ثبات المبدأ ووضوح الرؤية في سيرة أحد الذين تقدموا موكب الشهداء في سبيل الله.
هذا التقرير الشهري يصدر عن مركز الإعلام العربي ص. ب ۹۳
صمتًا.. دعوهم يدمروننا!!
الكاتب:السيد علي إسماعيل
في يوم بكت شمسه واغتمت سماؤه، واختنق قمره، واختفى نهاره، وتساقطت نجومه، واحترقت أشجاره، وذبلت أزهاره... وساد الصمت الأسود أجواءه، إثر العناقيد الغاشمة التي نظمها العالم الجديد ليضعها تحت سيطرة من يسودونه ليجزروا بها رقاب العرب المستسلمين... وقف«صابر»وسط أنقاض بيته..والبيوت الأخرى التي دمرتها قذائف الطائرات الكاسرة وولت إلى حضن أمها الدافئ الحنون... لتعود بين أصابع الزعيم«النتن»، أو تحت إمرة البطل المغوار الكلب«ش ... رون». يوجهونها لنا متى ما شاؤوا. وقف«صابر» هذا الشاخص الحزين تتحجر الدموع في عينيه..مشدوهًا لا يستطيع التفوه.. حوله القليل ممن بقي من الأهالي يصرخون ويستغيثون.. وهو مازال متحجرًا في مكانه كعامود لم يستطع النسف أن يثنيه... يسرع رجال الإنقاذ... ومن أتى معهم من المارة.. ينتشلون الجثث المتماسكة والأخرى المتهالكة.. وربما الأقدام أو الرؤوس، أو حتى قطع اللحم المتناثرة.. يجمعون ذلك كله في صناديق.. يحملونها.. يسرعون لعربات الإسعاف، وغيرها من عربات الشرطة والجيش والعربات الخاصة.. يمرون من أمامه ومن خلفه، معهم الصناديق. يبصرها...يتأملها..لكنه أبدًا لا يتحرك.. تراه منتصبًا متجهمًا شاحبًا كهيكل مرت عليه عصور ..... تمتلئ عيونه الدامية دموعًا.. لكنه لا يبكي:
تناديهم أمهم
-كانوا هنا يلعبون يمرحون.. تناديهم أمهم للغداء فلا يأتون.. وحين يشاهدونني قد افترشت الساحة الخالية بين جدران بيتي الذي لم يكتمل، أمام الطعام يهرولون.... يتسابقون الولدان حولي والصبية الصغيرة تمهد ثنية قدمي لتصعد جالسة عليها..ثم يصرخ ويصرخ:
-أسرتي.. أين أسرتي؟! أبنائي... عودوا... لقد أتيت متأخرًا اليوم، لكنني أتيت، هذه هداياكم أحضرتها كما عودتكم... أبنائي.... أبنائي، لا أحد يجيب... صرخات متعددة مدوية، تزلزل الأنقاض... لكن أبدًا لا أحد يجيب!.
-التهمتهم نيران الصهاينة اختطفتهم قنابل«شـ ... رون»المستمرة التي زارت اليوم«قانا»، وغدًا سيأتي دور أخريات غيرها...لكي تأخذ الأطفال والكبار، ومن تبقيه يكون عاجزًا... حتى عن الكلام، و.... تلهث... تلهث النفوز بالاستسلام....
هكذا سرت هذه الكلمات في وجدانه.... وهو مازال يصرخ...ينادي أبناءه وزوجته منهارًا...مع أنقاض بيته.. إلى أن يصيح عليه أحدهم من بعيد... يا«صابر»... يلتفت تجاه النداء ويتماسك لينصت للذي كرر اسمه مرات عديدة:
-يصيح: يقولون إن ابنك الأكبر مازال حيًا. وهو في المستشفى صيحة الحياة اخترقت مسمعه، فتفتحت خلاياه، وانتعشت أعضاؤه.... لا يدري كيف وصل إلى المستشفى.. أو متى؟ غير أنه عادت إليه روحه وصاحبتها بقايا جسده عندما رأى ابنه وحوله جمع من الأطباء والممرضات يحيطون به يحمد الله... ويجمع أنفاسه ليتساءل بصوت منخفض ألم تر إخوتك...؟! ألم تر والدتك؟! ويسود الغرفة صمت رهيب... ويعلو الوجوم وجوه الجميع ويزداد الصمت... يزداد ليقطعه صوت طفولي بريء... يخرج من بين الجراح الهامدة؛ استشهدوا يا أبي، وتصيب الصاعقة الجميع فتجري أنهار من الدموع على وجوههم... من ثبات ذلك الطفل وذكائه ويشق الأب صفوفهم ليصل إلى ابنه المسجى في جراحه... فيعتنقه ويلصق صدغه إلى صدغه، ويجلسونه على الكرسي بجواره... ومازال يلاصقه:
-كيف-يا بني-كيف استشهد إخوتك.. وأمك؟!
-همس إليه الطبيب لا تثقل عليه فنحن نعده العملية أخرى.
-لا أدري كيف-يا أبي- فإنه بعد دوي الانفجارات والقذائف التي جاءت من كل الاتجاهات، والنيران التي اشتعلت في بيتنا والبيوت المجاورة، أغمضت عيني من الخوف.... ووجدت نفسي في المستشفى بين القتلى والجرحى... ثم نقلوني هنا وليس على لسان الجميع سوى«الاستشهاد» كلمة واحدة يرددونها عن القتلى حيثما كانوا... فماذا يقصدون بها يا أبي؟؟ والتفت إلى أبيه، فوجد وجهه قد فاض بفيضانات من ماء عينيه الداميتين:
-إنها منزلة في أعلى الجنة قد أعدها الله يا بني-لمن يقتلون في الدفاع عن دينهم وأوطانهم.. منزلة عظيمة مع النبيين والصديقين.. وحسن أولئك رفيقًا.
ما يبكيك يا أبي؟
-إذن فما يبكيك-يا أبي؟ إنهم هناك، ونحن سنظل ندافع عن ديننا وأرضنا إلى أن تصل إليهم.لا تبك-يا أبي...لا تبك.. إنني أرى أمي وإخوتي هناك.. ها هم أمام عيني يمرحون ويتسابقون، كما كنا نفعل، لكنهم في واحة خضراء فسيحة... أراهم سعداء... إنهم ينادوننا... ينادوننا-يا أبي- ثم يبتلع ريقه بصعوبة وهو يتكلم ويشعر الأب بعطشه فيناوله كوبًا من الماء.. لكنه لا يأخذه.
-أتذكر-يا أبي-«العصير»، الذي كنت تحضره لي يوميًا، إنني أشتاق إليه الآن، ويجزم له الأب أنه كان معه ضمن الهدايا التي أحضرها عندما عاد، لكنه لا يعرف أين تركها حين فجعته الحادثة «لكن لا بأس سأشتري لك غيره، وأعود في التو».... قالها وهو ينهض مسرعًا... يسابق الزمن ليحضر لابنه العصير الذي طلبه، وحين اشتراه أشتري معه أيضًا بعض الدميات المفضلة التي كان يلعب بها، وأغراضًا أخرى... ثم تركها تتساقط... تتساقط الواحدة تلو الأخرى على عتبة الغرفة التي كان بها ابنه...بعد أن رأهم«يحيطون به.. مرة أخرى»، يتقدمهم الطبيب الذي يخبره بأنه قد.. استشهد!.