العنوان المجتمع الثقافي (1562)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 78
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 50
السبت 02-أغسطس-2003
المؤسسات الرسمية تتجاهل أدبه عن عمد
نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي المدافع عن الشعوب المسلمة
يحتل الراحل الدكتور نجيب الكيلاني (۱۹۳۱– ۱۹۹۵م) مكانة رفيعة في حقل الأدب الإسلامي تنظيرًا وتطبيقًا وإبداعًا، فمنذ نعومة أظفاره، وهو يؤسس لنفسه وللعرب والمسلمين صرح الأدب الإسلامي بمفهومه الواسع الملتزم المتكئ على الجوانب الفنية والأخلاقية، كان الكيلاني -ولا يزال- فارس هذا الميدان، وصاحب الإنتاج الغزير الذي يضعه في مرتبة لا تقل -إن لم تزد- على كل من نجيب محفوظ في الرواية، ويوسف إدريس في القصة القصيرة.
القراءة المستوعبة:
بدا الكيلاني شغوفُا بالأدب العالمي، قراءة ومعايشة، اطلع على سمات الأدب الإنجليزي والفرنسي والهندي والإسباني، إضافة إلى الأدب العربي قديمة وحديثه، وآداب الشعوب الإسلامية في إيران وباكستان وتركيا، إلى جانب قراءاته العلمية العديدة، وبإطلالة بسيطة على ما تركه لنا من إبداع خلاق- نتأكد أنه رائد الأدب الإسلامي بلا منازع؛ ففي الرواية صدر له: الطريق الطويل، في الظلام، عذراء القرية، اليوم الموعود، رأس الشيطان، الربيع العاصف، الذين يحترقون، النداء الخالد، أرض الأنبياء، عمر يظهر في القدس، قاتل حمزة، نور الله «جزءان» مواكب الأحرار، الظل الأسود، الرايات السوداء، حكاية جاد الله، وفي القصة القصيرة له عدة مجموعات، هي: موعدنا غدًا، دموع الأمير، رجال الله، العالم الضيق، عند الرحيل، حكايات طبيب، وفي الشعر له ديوانان، هما: أغاني الغرباء، وعصر الشهداء، وله مسرحية: على أسوار دمشق، وفي الدراسات الأدبية والإسلامية له: إقبال الشاعر الثائر، شوقي في ركب الخالدين، الإسلامية والمذاهب الأدبية، الطريق إلى اتحاد إسلامي، المجتمع المريض، أعداء الإسلامية، لمحات من حياتي، وكاتب مثل الكيلاني بهذا الحجم، وتلك المؤلفات كفيل بأن يدرس أدبه في الجامعات والمدارس، ويعرض في البرامج الإذاعية والتلفازية، وأن يتناوله النقاد بالتحليل والمتابعة؛ نظراً لإلحاحه الشديد على معالجة قضايا مجتمعه الذي يعيش فيه، وعلى تسليط الأضواء -بقوة- على مآسي المسلمين في إندونيسيا، وتركستان، ونيجيريا، والحبشة، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.
الدفاع عن الداخل والخارج:
إن نجيب الكيلاني -بقلمه الشجاع- دافع عن بيضة الإسلام المستباحة في دول العالم شرقًا وغربًا، حيث تناول هذه المذابح والجرائم التي ارتكبت بحق أهل الله بأسلوب عذب وطريقة فنية محببة إلى النفس، هذه الطريقة هي الحكي والقص المدهش الذي برع فيه الكيلاني وأجاد، ولم يترك لمن يأتي بعده من جديد، الكيلاني هو أديب الأقليات المسلمة المحطمة والمهمشة في أوروبا والغرب، وهو أديب المطحونين والمعذبين في الأرض، ومما ساعده على التعبير عن المظلومين، أنه عاش محنة السجن والاعتقال زمن الناصرية في مصر، لهذا كان صادقًا في حديثه عن عذابات هذه الشريحة، وعن استنطاقها في رواياته وقصصه، ومن أجل هذا كان دفاع الكيلاني عن الداخل والخارج على السواء، فالقضية واحدة، والأديب الحق هو من يحمل قلمه وفكره ليدفع عن أقرب الأقربين له من البائسين، ناهيك عن المسلمين في الخارج الذين سمع الجميع عن مآسيهم، وما تحرك أحد، إلى أن جاء الكيلاني وعرى هذه المجتمعات -الشرقية والغربية- التي تدعي الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان، لكنها تستحل المسلمين، وتمتهن كرامتهم، وتشردهم سواء في الحبشة، أو نيجيريا، أو تركستان، أو إندونيسيا.
لماذا تجاهل أدب الكيلاني؟
على أن المؤسسات الرسمية في مصر والوطن العربي، لم تتعامل مع الكيلاني كأديب كبير، وإنما تجاهلته عن عمد وقصد، فطوال حياته وبعد مماته لم يكتب عنه سطر -على حد علمي- في صحيفة رسمية، ولم يتم تحويل إحدى، أو بعض رواياته أو قصصه أو مسرحياته إلى أعمال فنية مثل غيره من المبدعين، علاوة على عدم تكريم وزارة الثقافة المصرية له حتى الآن، في الوقت الذي تكرم فيه الدولة والوزارة من هم أقل مكانًا ومكانة من الكيلاني.
يقول الدكتور مصطفى الشكعة: إن الكيلاني أرسى معالم الأدب الإسلامي بكتاباته الغزيرة، وروحه السمحة، وإلحاحه المتواصل على تأكيد الفكرة، والترويج لها، وتقديم ما يخدمها فنيًا عبر تقنياته الإبداعية المواكبة لروح العصر، وهو من المظلومين فعليًا، على الصعيد الواقعي من قبل المؤسسات الرسمية في الوطن العربي، ولا يليق أن يكون هذا الإهمال والنسيان هو مصير المبدع الأصيل نجيب الكيلاني.
كتاب جديد.. حفريات في ذاكرة الزمن:
تحبل السماء فيولد المطر، تحبل الطبيعة فيولد الربيع، يحبل الليل فيولد الفجر، يحبل القلم فيولد الحرف، ويحبل القهر فيولد الوطن، هذه همسات من كتاب حفريات في ذاكرة الزمن، صدر أخيراً عن منشورات «مرايا» لمؤلفه الطاهر العبيدي يحتوي على (١٧٦) صفحة، وموزعاً على ستة فصول قام فيها الكاتب بتصيد اللحظات التاريخية واقتناص الممرات والفواصل التي تترجم مرحلة زمنية ممتدة وغائصة في تاريخ المنفى والوطن، وقد قدم الكتاب الدكتور قيس جواد العزاوي، تلتها مقدمة الطاهر العبيدي التي يقول فيها: بداية أستسمح القراء في إلقاء هذه الترانيم المتسامرة، هي محاولة تعبيرية عن المعاناة، معاناتي أنا وأنتم، وكل الذين سلب منهم الوطن، وحرموا من دفء الأرض، هذا الوطن الذي يرحل معي ومعكم كما الجداول ترحل مع النبات، وكما الجرح يسافر مع الأنين، وكما السنبلة تتسامق مع أشعة الأصيل، والذي أشتاق وتشتاقون إليه كما الأعمى يشتاق للنور، وكما الغريب يشتاق للديار، وكما الطيور تحن إلى الأوكار، ومساهمتي هذه هي عصارة ألم وأمل، تترجم تموجات مكلومة معبأة بخلجات الزمن الصعب، زمن الغربة والرحيل والمنفى، اسمحوا لي أن أقول إنه في يوم، في سنة ما، في تاريخ ما عدلت حلمي على الساعة الصفر لولادة دولة العدل والحرية، فتحت عيني فوجدت نفسي بين مخالب دولة قهرية، فكانت فواتير التشريد والتعذيب والسجون والمعتقلات نصيب كل الأحرار في بلدي الطيب، وفي المقابل ازدهرت قرصنة الكلمة، وانتعشت سوق الأصنام، وتعاظمت ثقافة الرداءة والتزوير، وهجمت الغربة كالشقاء وكالليل الثقيل، والغربة غربة أفظع منها غربة سادتي القراء أن نكون غرباء، غرباء، ونحن بين أحضان الوطن.
رسالة إلى المعتصم
يا معتصم..
في أي حصن تختبئ
ولأي حضن تلتجئ؟
المسلمات صرخن من هول الألم
یا معتصم
نزعت ستوري..
واستباح الروم دوري ما عاد ثم تم سوى الدماء
تروي تراب الأنبياء
أفما رأيت؟
أشلاؤنا في كل شارع
في كل جامع
في كل بيت
سواه بالأرض الغزاة
تتناثر الأشلاء والأشياء والأسماء
حجر هنا
رأس هناك
خشب هنا
رجل هناك
لعب هنا
طفل هناك
طفلي حبيبي راح مني
نزعوه من حضني
أواه يا «ابني»
مصوا دمك
ورموك في عرض الطريق
ووجهك السمح البريء يدوسه نعل الجنود
ولحمك الغض الطري تمر «ميركافا» عليه
وأراه في «جنزيرها» كدموع شمعة
تبكي من الليل الكئيب
تشكو من الصمت الرهيب
وأنا أذوب
لا شيء أملكه سوى الصرخات
والآهات..
وأدور أجمعه من الطرقات...
أدفن حذاء أبيه
وأكفن الأحلام فيه
یا معتصم
الروم جاءت والتتر
وعيونهم ترمي الشرر
إن كنت في بغداد فاحذر
أو كنت في بيروت فاحذر
أو كنت في جبل المقطم في حصون القاهرة
لا تنتظر
لا تعقدن «المؤتمر»
اخرج إليهم قبل أن يأتوا إليك
واهجم عليهم قبل أن يثبوا عليك
نقفور كلب الروم ينبح
نقفور كلب الروم يذبح
وكلابه الصليبية العمياء تمدح
نقفور يشرب من دمانا
نقفور يسبح...
وكلابه الفاشية النازية الرعناء تمسح
نقفور صرح:
«من حاكم الروم العظيم إلى حقير المسلمين
جيشي يوافيكم غداً أو بعد غد
وعديده من غير عد
وعتاده من غير حد
یا معتصم
ديوان جندك فيه آلآف الجنود.
وبيت مالك فيه أطنان النقود
فعلام تصمت؟
هم يحسمون خيارهم فاحسم خيارك
عفواً قصدت
هم يحسمون خيارهم بدل خيارك
هم يمنعون جوارهم فامنع جوارك
هم يحرسون ديارهم فاحرس ديارك
وأنا أراقب عاصف الربح البعيد..
أقول: عصف المعتصم
هو في الطريق
وأحس بالحر الشديد
أقول نار المعتصم
هي في الطريق
ويهزني رعد السماء...
أقول جيش المعتصم
هو في الطريق...
هل أنت حقاً في الطريق
أم في المضيق
یا معتصم؟
شعر: عبد الله رمضان
نائبة راشد لـ«المجتمع»: أفلام الكارتون «الأمريكاني» أشد خطرًا على أطفالنا من الأغذية الفاسدة
لا بد من البدائل العربية الإسلامية لشخصيات «ديزني» التي شوهت خيال الأطفال
الرؤية العالمية المتطورة لثقافة العصر لا تدعونا إلى تدمير أطفالنا
تمثل الكاتبة «نتيلة راشد» (ماما لبنى) وزوجها الكاتب الكبير عبد التواب يوسف ظاهرة في أدب الأطفال، يقترب عطاؤها من خمسين عامًا من الإبداع الواعي باحتياجات الطفل في مراحل نموه المختلفة، ويمتد على كل المستويات الإعلامية والأدبية والثقافية، إلى جانب المكتبة المتميزة التي يمتلكانها عربية وأجنبية مما يجعلها واحدة من أهم وأشهر مكتبات أدب الأطفال محليًا وعالميًا، لهما في عالم الإبداع عشرات المجموعات القصصية للأطفال، تدعمها عدة أبحاث علمية متخصصة مثل «مجلات الأطفال ليست ترفًا» «مجلة الطفل وسيلة لإعطائه نصيبًا عادلًا من الثقافة» ترأست «نتيلة راشد» العديد من المواقع والمراكز الثقافية، كان آخرها رئاسة تحرير مجلة «سمير» للأطفال.
إلى أي مدى تؤمن نبيلة راشد «ماما لبنى» بجدوى أدب الأطفال وفاعلية دوره الثقافي في ظل جاذبية الرسوم المتحركة وسينما الكارتون؟
تشهد صحافة وثقافة الأطفال -منذ منتصف القرن العشرين- تطورًا مطردًا من ناحية الشكل والمضمون؛ نتيجة للتقدم الهائل في وسائل الطباعة من ناحية، وللاهتمام العام بقضايا الطفولة والأطفال من ناحية أخرى، ولكن جمهور الأطفال ليس جمهورًا واحدًا، كما أنه ليس متجانسًا في صفاته وميوله ورغباته وقدراته، وإنما هناك تفاوت كبير وفقًا لخصائص ومميزات كل مرحلة من مراحل العمر، ووفقًا لمراحل النمو العقلي واللغوي، ولا خلاف على أن الصورة الملونة البراقة تجذب اهتمام الطفل الصغير وعمره (۸) شهور في المتوسط، لذا فإن مرحلة ما قبل سن المدرسة تعتبر مرحلة الرسوم والصور الملونة، ويدهشنا أن هناك مجلات باليابان خاصة بالأطفال المخاطبة الرضع، تبدأ من سن سنة إلى (١٨) شهرًا، وهذه المجلات تزينها الصور والرسوم الملونة التي يتفاعل معها الصغير وتنشط خياله، وتثير رغبته وشغفه إلى المعرفة، ولك أن تعلم أن أكبر شركة في العالم لإنتاج لعب الأطفال gakken تصدر في الوقت نفسه (٥٤٣) مجلة شهريًا من بينها مجلات علمية وأخرى تكنولوجية ورياضية وثقافية عامة للأطفال.
العرب والكارتون الأمريكاني:
وبالنسبة لمنطقتنا العربية والإسلامية فقد بدأت الرسوم المتحركة لدينا مع مطلع القرن العشرين، ثم تطورت بظهور التلفاز في مصر عام ١٩٦٠م، ثم تطور هذا الفن تطورًا هائلًا، إلا أنه لا يزال واقعًا في أسر الإنتاج المستورد خاصة الأمريكاني، بما يحمله من نماذج فاسدة وقيم مدمرة لا تتفق بحال مع أطفالنا وتراثنا، ورغم أن هذا الفن الجميل ينمي قدرات الأطفال بشدة، ويقدم لهم المعرفة الممزوجة بالبهجة والسعادة، إلا أنه -حتى الآن- معبأ بقيم ديزني وشخوصها من أمثال «ميكي ماوس»، و«توم وجيري» وحسنًا فعل المجلس العربي للطفولة -قبل خمس سنوات- حين عقد مؤتمرًا لاختيار شخصية كارتونية عربية، يمكنها أن تنافس ميكي ماوس، وبالفعل فازت عشرات النماذج التي ابتكرها مبدعون مسلمون وعرب، ما يتوجب معه تفعيل هذه النماذج، في فن كارتوني راق وهادف، لا سيما وهذا الفن باهظ التكاليف.
وهل ستظل الكلمة المكتوبة هي المصدر الرئيس للمعلومة والتثقيف في عالم الغد؟
مع أننا ندرك أبعاد الثورة الإلكترونية، ومع أننا نشجع أولادنا على استخدام هذه الأجهزة، واستيعاب تقنياتها، إلا أننا نحرص في الوقت نفسه على الاحتفاظ للكلمة المطبوعة بقيمتها الأساسية التي يظل لها أكبر الأثر في تكوين الشخصية المتوازنة؛ ذلك لأن القراءة والكتابة هما الأساس الأول علميًا وواقعيًا للفكر الإبداعي لدى الإنسان في كل زمان ومكان، وأرى أن استخدام أحد الوسائط لا يغني عن استخدام الوسائط الأخرى، وهناك أبحاث علمية أثبتت التوافق بين مستوى التكنولوجيا والمهارات التفاعلية، واستخدام الأنظمة المتعددة، بما ينشط مهارات الطفل، ويرفع مستوى تعامله مع الوسائط الثقافية المختلفة، كما يصقل ملكات السمع باستخدام الراديو أو شريط التسجيل، فهذا التنافس المعرفي يؤدي في النهاية إلى التكامل والالتحام وليس التعارض والفصام.
مع مزاحمة الكتب الإلكترونية بما تحمله من سحر الصوت والصورة يصاب أطفالنا -ونحن معهم- بالحيرة والتشتت من جراء هذا العالم المفتوح بلا حدود، فكيف نؤسس المعايير وقيم للتلقي والانتقاء؟
ومن منا لا يعيش في هذا المجتمع العالمي بكل عطائه المدهش ونتاجه المبهر، وعصر السماوات المفتوحة التي تجعلنا نعيش في عالم تحطمت فيه الحدود والحواجز التي تفصل بين الثقافات المختلفة، كل هذا مطروح في ميدان استشعار الخطر، ونحن لا ننكر حق أطفالنا في الحصول على وجبة ثقافية ترفيهية، صحية مبهجة وفقًا لقدراتهم وميولهم وهواياتهم، ولكن لا بد أن تكون وفقًا لقيمنا وطبقًا لمعايير سلوكنا العربي الإسلامي بكل ما يحمله من خصائص ومميزات، وهنا يجب اتباع الآتي:
۱ – مساعدة الطفل في الاختيار والانتقاء.
٢ – جذب الطفل أولًا ليبدأ هواياته بالقراءة، فإذا أحبها أصبحت هذه العناصر المزاحمة للقراءة وسائل للتثقيف والمتعة.
٣-الحرص تلقائية وجمال الطفولة في أعماقه.
٤-تخصيص أوقات معينة للتواصل الأسري والتربية السلوكية المباشرة.
5 – محاولة توفير البدائل المعرفية الصحيحة للطفل.
ربما تكمن الخطورة في الأجواء الثقافية والتربوية المحيطة بالأطفال، والطابع التعليمي التغريبي من واقع عملكم بالصحافة والكتابة الخاصة بالأطفال، ما ملاحظاتكم بخصوص هذه القضية الخطيرة؟
مما يؤسف له أن هؤلاء الممسوخين ثقافيًا، والذين يريدون لأطفالنا أن يكونوا نباتات طفيلية على ثقافة وفكر أعدائهم، قد تناسوا أن الكتابة للأطفال في منطقتنا العربية الإسلامية قد بدأت على يد شوامخ وزعماء، أدركوا خطورة القضية من أول يوم، وسيظل التاريخ يذكرهم في أنصع صفحاته، وأولهم رفاعة رافع الطهطاوي، الذي أصدر عام ١٨٧٠م صحيفة «روضة المدارس»، كأول صحيفة تصدر للأطفال في مصر، وهي من الصحف التربوية التعليمية الرفيعة، وقد حددت في افتتاحيتها من أول يوم أن هدفها «كشف أسرار العلوم بين أبناء المدارس بما ينشط أذهانهم».
ثم جاء الزعيم الوطني مصطفى كامل فأصدر في فبراير عام ١٨٩٣م صحيفة المدرسة، وكانت كل موضوعاتها وقصصها وطنية إسلامية تنشر القصائد الحماسية والمواد العلمية والتاريخية، وفي ٤ مارس من العام نفسه (۱۸۹۳م) أصدرت جمعية التعاون الإسلامي مجلة «التلميذ». وقد حددت في افتتاحيتها خطها العام، وأهداف بأنها مجلة علمية مدرسية، وفي ٢١ أكتوبر عام ۱۸۹۷م، صدرت مجلة «السمير الصغير». فإذا كانت هذه هي اللقاءات الأولى المعاصرة بين الطفل والأدب، فإن هذا يعكس إلى حد بعيد المحيط الثقافي الذي كان يغمر الطفل في ذلك الوقت تربويًا وأدبيًا وأخلاقيًا، فكيف تغير الحال، وتبدلت الأولويات؟
الواقع يقول إن الطفل يحيا في حديقة معرفية ملونة وناطقة ومتحركة، ولكن تقوم في معظمها على القصص المصورة المترجمة إلى العربية، والكثير من أفكارها ومحتوياتها لا يتفق مع قيمنا.
معظم هذه الأعمال – للأسف – يصدر دون وعي علمي مدروس، فلقد قامت مؤسسات وشركات كبرى -تعمل في مجال النشر- على غزو الأسواق، وصياغة الأفكار والأذواق، ليس لمجرد الربح فحسب، ولكن لأهداف أخرى.
وهذه الجهات المشبوهة، تضحي بالقيم التربوية، بل وتغتالها عند أول منعطف، وإذا تذرع البعض بأن ذلك يأتي من باب توسيع رقعة الأرض الثقافية التي تقف عليها الطفولة والأطفال، فإنها توسع فعلًا الرقعة تحت أقدامهم، لكنها توسع رقعة الخطر، وهي جريمة ترتكب بحق أجيالنا الناشئة عندما تلوث عقولهم ونشوش أفكارهم بهذا الوافد المرفوض لدينا عرفًا وشرعًا، وعندما نسيء إلى أبصارهم بهذه الرسوم الرديئة والمغامرات الخارقة، وقصص العنف المثيرة، وفي ظل أخطار التبعية الثقافية، وأخطار الغزو يجب أن نعلم جيدًا: ماذا نريد؟ ومن هم أطفالنا؟ وماذا ينفعهم ويمتعهم، وبأي أثر؟ فكل كاتب ورسام ومخرج يعمل في ميدان تثقيف الأطفال إنما هو أمين قائم على ثغرة، ومسؤول عن عمله هذا، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» و«التنوع»، ليس معناه «التميع».
الأخطر أن معظم القائمين على هذه المسوخ الثقافية، يرى أنه يقدمها برؤية عالمية متطورة، تتفق وثقافة العصر التي تجنح إلى الحركة والمغامرة، بعيدًا عن ثقافة التقليد والجمود (يقصد الثقافة العربية الإسلامية).
هذا وهم كبير، يحياه بعض القائمين على تثقيف الأطفال وتربيتهم، حين يتصورون أن مغامرات وخوارق «طرزان» و«سوبر مان» والرجل الوطواط، وغيرها سوف تقدم البطل والبطولة الخارقة، وتقوم بتعبئة الطفل الذي لا يعرف الهزيمة المنتصر أبدًا، والقاهر أبدأ، وهو تصوير بعيد عن واقع الحياة، وقد ثبت علميًا أن هذه المغامرات تقدم خيالًا مدمرًا مليئًا بالعنف، وتبث القيم المغرضة مثل التمييز العنصري، بل أصبحت هذه الشخصيات الخارقة كأنها «آلهة» أو أنصاف آلهة، ونسي الجميع أنها عبارة عن رموز للمجتمع الغربي الجبار الظالم، وأنه تم تصديرها وفقًا لأهداف محددة. والرؤية العالمية المتطورة لثقافة العصر القائمة على الحركة والمغامرة لا تدعونا أبدًا إلى تدمير أنفسنا بتدمير أطفالنا، نحن أول من نادى بالتواصل الثقافي والمعرفي بين أطفال العالم، وبالنسبة لي ولزوجي «الأديب عبد التواب يوسف» فقد زرنا كل معارض كتب الأطفال بالعالم أجمع، وتربطنا بدور النشر الأجنبية الشهيرة وبأشهر كتاب الأطفال في العالم علاقات وطيدة، لكننا ندرك جيدًا أبعاد المعركة التي يحياها أطفالنا في ميدان اكتساب رأس المال الفكري والعلمي من الفضاءات العالمية المشوبة بالخطأ والخطر.
وعلينا جميعًا أن ندرك أن ثقافة الأطفال لا تعني سوى التأهيل السليم لها، وجدانيًا، واجتماعيًا، وفكريًا.
حوار: محمود خليل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل