العنوان المجتمع الثقافي (1542)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 15-مارس-2003
مشاهدات 81
نشر في العدد 1542
نشر في الصفحة 50
السبت 15-مارس-2003
المدينة الحالمة
د. عادل شلبي
استيقظ أهل المدينة الحالمة ليجدوا الشمس قد أوشكت على الرحيل والليل يزاحم النهار ليرخي أستاره على ضفاف النهر الحزين أملًا أن يسود الظلام جميع أرجاء المدينة، ووقف أهل المدينة الصغيرة مشدوهين فقد كانوا منعمين حالمين لا تؤرقهم حدود ولا تمنعهم قيود، فأحلامهم محققة، وآمالهم موفقة، وقفوا تائهين مشدوهين ينظرون ذات الشمال وذات اليمين، ينظرون لأرجاء الأفق السحيق علهم يجدون بصيص نور في هذا الظلام الدامس نور يهديهم إلى سواء السبيل.
لكن نورا في الأفق: لم يروا، وصوتًا من قريب أو بعيد لم يسمعوا، وقفوا صامتين منتظرين فهم لم يعتادوا أن يبدعوا، أو يبادروا، أو يعبروا عن مشاعرهم وأحاسيسهم، وقفوا ينظرون وينتظرون، وطال صمتهم وطال انتظارهم وازداد الليل ظلمة وازداد السواد حلكة فلم يجدوا بدًّا من أن يفكروا وعلى أنفسهم يعتمدوا ولكن إلى أين يذهبون فالخطر ليس له وطن وليس له عنوان، والظلم واقع على الجميع، والخطر يطل عليهم من كل النوافذ والأبواب والتهديد والويل والثبور ينطلق من كل الأبواق لم يعرف أحد منهم ماذا يفعل هل يبقى أم يرحل ولكن إلى أي مكان يرحل لكن أحدًا منهم لم يفكر في الفاعل ولا المفعول، فالفاعل دومًا مرفوع لأن الفاعل معروف، والمفعول به مجهول منصوب أو مضروب أو مجرور، أما المفعول لأجله فليس بغائب عن الأذهان والعقول، شل الجميع عن التفكير، سائرون في ظلمات الطريق في المدينة الحزينة مسيرين مستسلمين منتظرين. ولكن ماذا ينتظرون لا يعرفون مستسلمين لأي شيء ولكل شيء.. لم يعترض منهم أحد، لم يوافق منهم أحد، بل لم يراوغ أو يداهن أو يماطل أحد التزم الجميع الصمت أطفالًا وكبارًا، نساء ورجالًا، أميين ومثقفين. حتى المفكرين أصبحوا تائهين لم يقل أحد- أي أحد - منهم (نعم) أو (لا) أو (لماذا؟) أو (كيف؟) أو (لم) فلذا تعطلت عندهم علامات الاستفهام، وذلك مفهوم لأنه لم يبق فيهم من يقول (لا).. وأيضًا لم يقل أحد.. أي أحدمنهم (نعم)... فليس فيهم من يستطيع أن يقول: نعم الكل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فلقد أغمض عينيه وأصم أذنيه كي لا يسمع ولا يرى ولا يدري والقليل جدًّا يدري، ولكنه لا يدري أنه يدري، ولا يدر ماذا يدري... وهو لا يريد أن يشغل باله بوقوع الطامة الكبرى فلتقع متى شات، وكيفما شاءت والبعض لاهٍ في غيِّه مستمر في فسقه ونزواته لا يحب أن يوقظه أحد، أو يؤرقه أحد، فهو لا يخشى من أحد، ولا يهمه أحد لا يخشى الموت، فلقد ذاق طعم الموت منذ أن باع الدنيا وانغمس في الوهم، والبعض الآخر تائه في بحر من التفكير والحسابات والتوقعات حائر بين الفعل ورد الفعل مذبذب بـين الرفض والقبول، متمزق بين نفسه وبين الفاعل والمفعول بين الاستسلام للذل والهوان وخوفه من الموت لأن بعده الحساب أمام الجبار، فهو يأمل في الجنة لكنه يخشى النار، والكل ينظر إلى السماء متوقعًا حدوث البلاء، فالسماء قد أظلمت والغيوم تكاثفت والوعد الموعود يلوح به من وراء الحدود وتمضي الساعات ثقيلة بانتظار الصبح، لأن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، وباقي أيام على السبت وليس السبت ببعيد وتشتد الظلمة حلكة ويشتد البرد القارس قسوة، ويتساقط البرد وترتجف الأطراف في أشهر الصيف، ويتصبب العرق في أشهر الشتاء... والأفق يزداد ظلمة وتقترب السماء جاثمة فوق الصدور ويصعب النفس والتنفس.. فلا أحد يستطيع أن يهرب ولا أحد يستطيع أن يقول: لا.. ولا أحد يلتفت إلى أحد الكل فقط ينظر إلى السماء ولكن لا بصيص لنور في الأفق يلوح من بعيد ولا بارقة الأمل من قريب ولا من بعيد.. فهل تنقشع الغمة وتزول النقمة، أم تساقط السماء كسفًا، أم يلوح في الأفقالنور وتظهر الحلول؟
زادني هم هذه البلدة اكتئابًا فأدرت قناة التلفاز لأجد في كل القنوات رقصًا عنيفًا هستيريًّا، وإيقاعًا صاخبًا تدميريًّا كأنه يقول بصوت عالٍ جدًّا: انس «لابد أن تنسى» كل شيء وأي شيء وترقص على الأنغام شابات عاريات كشفن الصدور.. وأظهرن السيقان والبطون بصورة مستفزة مقززة كأنها تصر وتلح على ذهني وأذهان من حولي وتقسم لنا بل علينا أن ننسى ما رأينا وما نرى ولا نفكر في أي شيء حتى لا نكتئب.. بل نعيش في سعادة وهناء حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
ونسيت أو تناسيت أو بالأحرى نسيت تلك السحب الكثيفة وتلكم الغيوم الكتيبة وذلك الظلام الدامس الثقيل على النفس والمرهق للأعصاب وانتفضت من جلستي منتشيًا وألقيت بالريموت كنترول جانبًا وأطلقت ذراعي في الهواء متمطيًا سعيدًا وبكل النشوة والفرح والسرور فتحت نافذة غرفتي فوجدت الظلام مخيمًا والغمامة ثقيلة جاثمة والبلدة خربة خاوية أين الحلم من الحقيقة؟ وأين الخيال من الواقع؟ وأين الأصل من الصورة.. أينالماضي من الحاضر؟ وأين الرجال من النساء؟ أينالحقيقة الواقعة من الحقيقة الباقية؟
حول أدب الأطفال
التصور الإسلامي لأدب الأطفال
د. وجيه يعقوب
الإسلام له تصوراته الخاصة عن الإنسان والكون والحياة، وليس من المتصور أن يجيء الإسلام على أنقاض الوثنية دون أن يكون له أهداف واضحة ومعلنة في شتى مناحي الحياة وقد كان للإسلام تصوره الخاص لطبيعة الأدب وما ينبغي أن يكون عليه الإبداع في الشكلوالمضمون.
ومن الملاحظ أن هناك مبادئ عامة في نظرية الأدب الإسلامي، لعل من أهمها ضرورة توافق النص الأدبي مع العقيدة الإسلامية الصحيحة، مع ضرورة التزام الأديب بالتعبير عن قيم الحق والخير والجمال والابتعاد عن الإسفاف والابتذال، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الحرية، فقد ترك مجال الاختيار أمام الأديب واسعًا، ولم يحصره في قالب واحد، ولكنه وضع له سياجًا، صيانة للأمة ومقدساتها.
وإذا كانت هذه المبادئ والخصائص ضرورة في الأدب الإسلامي عمومًا، فإنها ضرورة وحتمية لا تنازل عنها في الأدب المقدم للأطفال، والسبب في ذلك معروف طبعًا، فالأطفال والشباب من السهل التأثير عليهم، لأن خيالهم لا تحده حدود، وكل دول العالم المتقدم، وضعت تشريعات وضوابط وألزمت بها الأدباء، حتى لا يكون للإبداع تأثير سلبي على الأطفال، وقد كان بالفعل حيث قلد الأطفال شخصية السويرمان وترسبت في نفوسهم بعض القيم السلبية كالمكر والخديعة التي كانت من أهم صفات أبطال القصص التي أحبوها.
ولذلك نجد الأديب والناقد الفرنسي جان جاك روسو ينتقد بشدة لافونتين في بعض قصصه للأطفال، ويعتبرها مناقضة للخصال الحميدة وضرب مثلًا بقصة الثعلب الذي احتال على الغراب، وراح يمتدح صوته ليغني، وحين بدأ الغناء سقطت قطعة الجبن من فمه فالتهمها الغراب ورأی روسو أن هذه القصة تعلم الأطفال الخداع والمكر والرياء.
- وهكذا لابد من حركة نقدية وتقويمية لما يقدم للأطفال عندنا حتى لا يكون تأثير الأدب سلبيا على النشء.
ولو ألقينا نظرة سريعة على ما هو موجود على الساحة الآن، سواء ما يقدم في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أو ما يقدم في كتاب أو مجلة للاحظنا الآتي:
أولًا:هناك سلاسل باكملها مترجمة عن اللغات الأجنبية، وقد أشار النقاد وعلماء التربية إلى خطورتها على الأطفال والشباب، فهي أجنبية الروح والواقع، وبعضها يحمل قيمًا سلبية مدمرة.
ثانيًا: توجد سلاسل عربية، مؤلفها عربي صحيح، لكنها لا تزيد على كونها نقلًا أو اقتباسًا عن الآداب الأخرى، وهذه خطورتها أكبر من الأولى، لأن الأطفال قد يراعون فروق البيئة والثقافة ومنظومة القيم أثناء قراءة الأعمال المترجمة، أما الأعمال التي تحمل أسماء عربية وأبطالها من عالمنا وواقعنا، فمن السهل أن يتأثر الطفل بها ويحاكيها.
ثالثًا: يلاحظ المتابع لما يطرح في الأسواق التكرار، ولعل تكرار الأعمال الأدبية أو تعدد الكتابة حول موضوع واحد من الأمور النادرة إلا إذا كانت هناك ضرورة للتجويد والإضافة وغير ذلك، وهذا غير موجود، وأتمنى أن يكون هناك تنسيق بين المؤسسات ودور النشر لوضع الخطط المناسبة للتأليف والنشر للأطفال.
رابعًا:الكتابات الأدبية للأطفال المنسجمة معالتصور الإسلامي الصحيح، وهي كثيرة جدًّا. تحتاج إلى عوامل جذب أخرى كالاهتمام بالطباعة والرسم والإخراج، لأن الوسائل المنافسة للكتاب المقروء كثيرة أيضًا، لذلك على المشتغلين بالنشر للأطفال أن يجذبوا الأطفال للكتاب بهذه الوسائل الجاذبة، إضافة إلى مراعاة الجوانب الأخلاقية والتربوية التي لا يجب أن تخلو منها كتب الأطفال مهما كان القالب الذي تقدم فيه، فقد يقدم كاتب الأطفال قيمة أخلاقية وتعليمية من خلال قالب فكاهي أو ساخر.
خامسًا: لا شك أن للمجلات تأثيرًا كبيرًا على الأطفال، لأنها تصدر بشكل منتظم، كما أنها تقدم مجموعة من الأبطال، يحبهم الأطفال ويرتبطون بهم، ويلاحظ أن مجلات الأطفال العربية تعتمد. بدرجات متفاوتة - على الأعمال المترجمة والمقتبسة وما أحوجنا إلى أعمال أدبية إسلامية، تسهم في بناء الطفل بناء سليمًا، وتغرس في نفسه قيم الفضيلة والانتماء والعمل والاجتهاد.
إن الإسلام قد اهتم بالطفولة اهتمامًا كبيرًا وفي القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة معان عظيمة يمكن أن ينطلق من خلالها الأديب للتعبير عن قضايا وموضوعات متعددة.
واحة الشعر
ستبقى القدس
شعر مد الله بن عبد الكريم المديد
ستبقى القدس في أيدي الأعادي ويبقى المسجد الأقصى أسيرًا ويبقى المجرم السفاح حرًّا ينال اللص والمحتال منا أضيعت في ثرى الأقصى حقوق يهود دنسوا الأقداس حتى فلا عجب إِذا سُفِكَتْ دِمَانا وعاش الجيلُ في فَنَّ ورَقص لقد نمنا وملَّ النوم منا وأغمضنا الجفون على مصاب شَرِبْنَا الذُّل من كأس الخطايا وَجَرَّعْنا المهانة واستبينا سلاح الكفر صاروخ وجيش أتانا الخزي والإخفاق لما أناديكم بأعلى الصوت إني ألا هبوا بصيص الفجر باد نداء الحق في الآفاق دوَّى تُبَادُ جَحافل الكفار لما ونَرْقَى هَامَة العز افتخارًا أقيموا شرعة الرحمن وامضوا وعودوا للإله فلن تنالوا | إذا أحجمنا عن درب الجهاد يحاصر بالحشود وبالعتاد طليقًا شاهرًا سيف العناد بأفعال وألسنة حداد وشارون يجاهر بالفساد بغوا في المسلمين كبغي عاد إذا عَكَفَ الشباب على النوادي وتاهوا كالقطيع بكل وادي وغطينا الرؤوس على الوساد وعطلنا الأكف عن الزناد وصرنا في الأنام بغير زاد وغُذِّيْنَا بأشوَاكِ القَتَادِ ونحن سلاحنا شَجَبُ الأعادي ضَلَلْنَا الدرب عن رب العباد أرى الآمال تشرق في فؤادي وإن النار من خلل الرماد فهل من سامع صوت المنادي يكون الدين للأرواح حادي ونعلو ذروة السبع الشداد لنشر العدل في كل البلاد صروح المجد إلا بالجهاد
|
وظائف اللغة العربية ومدلولاتها من «٢-٢»
حقائق الأشياء كما هي في الواقع لا تختلف باختلاف لغات الأمم، وهذه من آيات الآفاق والأنفس التي - أشار إليها القرآن
الإضافة إلى الصفة الإعجازية العامة والعلمية في آيات القرآن هناك صفة إعجازية تتمثل في إمكانية التخزين معنى مستقبلي جديد لكلمة معروفة الدلالة سابقًا من خلال ربطها بواقع كوني قائم
د. حافظ جنید
يتابع الكاتب حديثه عن العلاقة بين كلمة حرج، والتصعيد في السماء التي بدأها في الحلقة الأولى، ويحاول إيجاد معنى محدد للنقطة الحرجة بالمفهوم الفيزيائي.
ما معنى الدرجة أو النقطة الحرجة بالمفهوم الفيزيائي؟ سنشرحها من خلال تأثير الحرارة والضغط على الأجسام. ترتبط الدرجة الحرجة لجسم ما بالحرارة والضغط الذي يقع عليه وقد ترتبط بتغيرات أخرى كما في حالة الانفجار النووي «الذري» مثلًا، فعندما نقول إن جسمًا ما قد بلغ الدرجة الحرجة من حيث الضغط الواقع عليه أو الحرارة التي بلغها، فإن ذلك يعني أن الجسم الذي بلغ هذه الدرجة من الحرارة أو الضغط الحرج سينقلب ويتحول فجأة وبصورة آنية إلى حالة أخرى غير الحالة التي كان عليها، والحالات الفيزيائية التي تكون عليها.
الأجسام ثلاث
حالة صلبة، وسائلة، وغازية فإذا كان الجسم غازيًا مثلًا، وبلغ الدرجة الحرجة في الحرارة المنخفضة أو الضغط العالي - لكل غاز حرارته وضغطه الحرج الخاص به فإنه يتحول فجأة ليصبح سائلًا دفعة واحدة، أما إذا كان في الحالة السائلة وبلغ الدرجة الحرجة من حيث الحرارة العالية، فإنه يتحول دفعة واحدة إلى الحالة الغازية أو الصلبة، نوضح ذلك بمثال مشاهد معروف هذا الوقود المستخدم في المنازل للطبخ وهو يسمى «بوتوغاز = غاز البوتان» يكون هذا الوقود الغازي وهو ضمن الأسطوانات الفولاذية المتينة على شكل سائل مائع، فإذا ما خف عنه الضغط بفتح الأسطوانة، يتحول جزء منه إلى غاز يمر خلال الأنابيب ليشتعل في الموقد هذا الوقود والذي هو غاز في الأصل، يتحول إلى سائل بسهولة عند ضغطه إلى أربعة أو خمسة ضغوط جوية نحو ٤ - ٥ كجم / 1سم ٢. داخل الأسطوانات في الدرجة العادية من الحرارة، ويبقى على حالته السائلة تحت هذا الضغط وبدرجة الحرارة العادية، فإذا ما بلغت درجة حرارته ۷۰ درجة مئوية، فإنه يتحول دفعة واحدة وهو داخل الأسطوانة إلى الحالة الغازية مهما كانت مقاومة الأسطوانة للضغط، وبالتالي فإنها تنفجر، لأن حجم الغاز - كما هو معلوم - أكبر بكثير جدًّا من حجم السائل، إن هذه الدرجة من الحرارة (۷۰) درجة مئوية تدعى بالدرجة الحرجة لغاز المطابخ البوتاغاز، ولكل غاز درجته الحرجة الخاصة به.
ومثال آخر نذكره لتوضيح مفهوم الدرجة الحرجة فيزيائيًّا، فالهواء الذي نستنشقه يتركبخمس حجمه تقريبًا من غاز الأوكسجين الذي هو أساس حياة كل كائن حي، وأساس في كل كائن حي، وأساس في كل أنواع الاختراقات وأربعة أخماس حجمه من غاز الأزوت أو النيتروجين، وهو غاز خامل كيميائيًّا. يبقى الهواء على الحالة الغازية تحت الضغط الجوي العادي إلى أن تبلغ درجة برودته قريبًا من «۱۹۰ درجة مئوية تحت الصفر» فيتحول إلى الحالة السائلة.
وبصورة أدق، فإنه إذا ما بلغت برودة الهواء – ۱۸۲,۹۸ درجة مئوية تحت الضغط الجوي العادي، يبدأ قسم منه بالتميع التحول إلى سائل، وهذا الذي يبدأ يتميع من الهواء عند هذه الدرجة هو غاز الأوكسجين، وبهذه الطريقة يتم فصل الأوكسجين النقي من الهواء عن الأزوت وباقي مكونات الهواء الأخرى، يعبأ الأكسجين في حالة غازية نقية تمامًا، في أسطوانات فولاذية مقاومة للاستخدام في المستشفيات والمساعدة المرضى على التنفس الصناعي، أو لاستخدامه في الأعمال الصناعية في لحم المعادن. فإذا ما استمر تبريد الهواء إلى أدنى من تلك الدرجة التي يتميع فيها الأكسجين، وإذا ما وصلت حرارته إلى ۲۰۹,۸٦ درجة مئوية تحت الصفر فإن غاز الأزوت يأخذ بالتميع، ويتم بلوغ هذه الدرجات من الحرارة المنخفضة في معامل خاصة يقوم مبدؤها على ضغط الهواء داخل أسطوانات خاصة مقاومة ضغطًا عاليًا جدًّا مع تبريدها مع الخارج، ثم إفلات «رفع» الضغط عنها بسرعة، ثم إعادة ضغطها وتفليتها بسرعة عدة مرات مما يجعل الحرارة تنخفض إلى هذه الدرجات تحت الصفر، والتي يتميع عندها الأوكسجين أولًا ثم الأزوت. إن الدرجة ۱۸۲,۹۸ درجة مئوية هي الدرجة الحرجة للأوكسجين، حيث يتحول عندها إلى سائل ولا يمكن الإبقاء عليها غازًا، هذا هو المفهوم الفيزيائي للدرجة أو النقطة الحرجة لجسم ويتطابق هذا المفهوم مع مفهوم كلمة حرج التي وردت في الآية الكريمة: ﴿حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: ١٢٥)، الذي يبدأ تأثيرها بالشعور بالضيق الشديد على الصدر حتى إذا ما وصل انخفاض الضغط الجوي على جسم الإنسان إلى أدنى نقطة يمكن أن يتحملها، وهي الدرجة الحرجة، فإن ذلك يؤدي إلى أن تنفجر بعض شرايينه مسببة الموت كم ذكرنا .
تخزين معنى مستقبلي
أريد هنا أن أشير - بالإضافة إلى الصفة الإعجازية العامة والعلمية التي امتاز بها القرآن الكريم في آياته - إلى صفة إعجازية من نوع آخر، هي كيف أمكن تخزين معنى مستقبلي جديد لكلمة معروفة الدلالة سابقًا وهي حرج من خلال ربطها بواقع كوني قائم، إلا أنه كان مجهولًا للإنسان في زمن نزول هذه الآيات وبعدها أيضًا، فلا أحد كان يعرف أن الإنسان إذا صعد في السماء سيعاني هذه الحالة هذ الواقع الكوني يسميه القرآن «آيات» الآفاق عندما يتعلق بكل ما هو مادي، ويسميه الأنفس إذا ما تعلق بالأمور النفسية الاجتماعية، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣).
لقد أضحت آيات الآفاق والأنفس اليوم بما تقدمه من معطيات علمية، كونية ونفسية متجددة، مصدرًا بل مرجعًا مهمًّا أساسيًّا في فهم آيات الكتاب الكريم، هذه الآيات في الآفاق والأنفس هي أولًا كتاب الله المخلوق من قبل كتابه المقروء المنزل، وهي التي ستبين لنا أحقيَّة الكتاب المنزل.
فلئن كانت اللغة في الماضي، بما تحمله كلماتها من معان ودلالات هي المرجع الرئيس لفهم آيات القرآن، إذ يرجع عند إشكال فهم مدلول كلمة منه إلى المصادر العميقة الموثوق بها لفهمها، وأعني بذلك العودة - كما هو معروف - إلى لغة الأعراب في البادية التي حافظت على نقائها وسلامته، فإنه اليوم ينضاف إلى ذلك المرجع، مرجع جديد، أساسي ومهم جدًا لفهم مدلول أو تأويل الآية الكريمة هذا المرجع هو آيات الآفاق والأنفس.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها كان ابن عباس - على ما يبدو - لا يعلم بدقة المدلول الحقيقي العميق لمعنى فاطر السماوات، وإن كان يعلم أنها تعني الخلق على معنى الخلق درجات متفاوتة، فلما سمع الأعرابي يستخدمها هذا الاستخدام الخاص بمعنى ابتداء، علم أن الفاطر هو الخالق للأشياء ابتداء من غير مثال سابق.
إن هذه الكلمة «فاطر» يزداد مفهومها اتساعًا باطراد متنامٍ مع تقدم العلم والدراسة لآيات الآفاق، بما تقدمه هذه الدراسات والعلوم من معان دقيقة جديدة يفهمها أهل الاختصاص درجة الأولى.
والحال كذلك في كثير من الآيات القرآنية الأخرى التي لما يأت تأويلها بشكل كامل هناك بدأ الإنسان يتعرف على ما تحمل أو بعض ما تحمل من دلالات جديدة كشفت عنها آيات الآفاق والأنفس مثال قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرۡقࣰاوَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشۡطࣰا وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبۡحࣰا
فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبۡقࣰا فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِأَمۡرࣰا﴾ (النازعات١-٥).
فهذه الآيات التي يقسم بها الله سبحانه وتعالي هي من الآيات المتشابهات التي اختلففي تفسيرها المفسرون، فمنهم من قال: إن النازعات غرقًا هي الخيل، ومنهم من قال هي الملائكة تنزع - بمعنى تقبض - الأرواح... إلى غير ذلك، بحسب المفهوم اللغوي لكلمتي النزع والغرق أو النشط... إلخ.
فالنزع هو الاقتلاع يقال: نزع الشيء من مكانه قلعه ويقال فلان في النزع أي في قلع الحياة، ويقال: نزع الفرس أي جرى ويقال أيضًا: أغرق النازع في القوس أي استوفى منها، فأي هذه المفاهيم هو الصحيح والمطابق في هذه الآيات؟ إن الذي يعطينا الجواب الصحيح الحق هو ما تكشف عنه آيات الآفاق والأنفس لأنه من خلق الله الثابت الذي لا يتبدل.
قد أرى أن هذه الأشياء التي أقسم بها الله هي من أنواع الأجرام السماوية المختلفة، التي تشكل مجموع السماوات والأرض وما بينهما من مجرات ونجوم وكواكب وأقمار... فكل واحد منها يحمل صفة من هذه الصفات المذكورة في الآية الكريمة، فهناك من الأجرام، ما ينفجر» ويندفع في الفضاء البعيد بسرعات هائلة قد تفوق سرعة الضوء، فلعلها هي المقصودة به النازعات غرقًا، وهناك من «الأجرام» ما هو كالنجوم الشموس التي تنشط نشطًا إلى مستقرها ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّلَهَا﴾ (يس: ۳۸) وأخرى وهي الكواكب التي تسبح في أفلاكها سبحًا ... كل هذا لا تتبين حقيقته إلا بالكشوف العلمية لأهل الاختصاص والتي عرفبعضها ولما يعرف الآخر.
إن ما أقصد إليه، أن أبين أن فهم كثير من الآيات القرآنية وكذا تأويلها - والفهم غير التأويل لا يتم إلا من خلال آيات الآفاق والأنفس، فالفهم هو حصول معنى في الذهن للآية الكريمة، قد يقرب أو يبعد كثيرًا أو قليلًا عما هو عليه في الواقع، وغالبًا ما يستخدم لذلك الاستعانة بالمدلول اللغوي للكلمات، أما التأويل فهو ما تؤول إليه الآية لتنكشف على حقيقتها، فاللغة ليست هي الواقع اللغة هي الوسيلة التي استخدمها ويستخدمها الإنسان للتفاهم والتواصل مع بني جنسه ليعبر بها عما يفهمه وعما يحمل في ذهنه عن الواقع المحيط به.
فاللغة سواء كانت كلامًا منطوقًا مسموعًا - وهي هنا عبارة عن أصوات متباينة تستخدم للدلالة على مفهوم لشيء في الذهن ينقل إلى الآخر - أو كانت رسومًا أي رمزًا كتابيًّا تدل رسومها على تلك الأصوات فهي بشكليها المنطوق المسموع أو المكتوب المقروء وظيفتها الأساسية هي الاتصال بين مرسل ومستقبل التبادل أو نقل المعاني والمفاهيم بينهما، وعلى هذا فاللغة لا يمكن الاستغناء عنها بين الناس في نقل وتبادل المفاهيم ولكن يبقى دور اللغة محصورًا في هذا الجانب، فهي كالوعاء الحمل المعاني أو المفاهيم التي يحملها ويفهمها الناس للأشياء والحوادث التي في الواقع، وليست هي الواقع، أو ليست الحقائق كما هي في الواقع. فالكلمات تعبير عن الواقع بالرمز المنطوق أو المكتوب يخزن بها الناس مفاهيمهم عن الأشياء والأحداث التي في الواقع المعيش، وقد تكون هذه المفاهيم مطابقة للواقع قليلًا أو كثيرًا أو لا تكون، واللغات بشكليها المنطوق والمسموع الكلام - والمكتوب المقروء تختلف رموزها اختلافًا كبيرًا من أمة وشعب إلى أمة وشعب آخر، ويبقى الواقع الخارجي هو الحقيقة التي لا تتبدل، والتي رمزت إليها اللغات المختلفة بأشكال مختلفة، أي إن حقائق الأشياء كما هي في الواقع لا تختلف باختلاف لغات الأمم، وهذه هي آيات الآفاق والأنفس التي نعدها المرجع الأصدق والأدق الذي يرجع إليه الناس للتأكد من صحة مدلول الكلمة مدلول النص قد يبقى فهمنا للنص ناقصًا وغير دقيق، ولا يكون صحيحًا إلا إذا تطابق مع آيات الآفاق والأنفس وأوضح مثال على ذلك، تلك النصوص التي كان يتجاذبها الناس للبرهان على أن الشمس هي التي تدور حولنا، حول الأرض، ولس العكس. ولم ينه النزاع في هذا عن طريق النصوص وإنما أنهته الكشوفات العلمية في آيات الآفاق بتقدم علم الفلك وعلى هذا فإن الواقع هو السابق وجودًا على اللغة التي جاءت لتدل علىما في ذهن الإنسان عن هذا الواقع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل