العنوان المجتمع الثقافي (1462)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 60
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 50
السبت 04-أغسطس-2001
د. عبد المجيد البيانوني
ينظر كل مؤمن إلى حفظ القرآن والكريم على أنه نعمة من أعظم نعم الله تعالى على العبد، ويتمنى أن يكرمه الله تعالى بها في أبنائه وبناته، لما فيها من الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة.. ومنذ جيل مضى كان الناس ينظرون إلى حفظ القرآن الكريم على أنه صنعة العميان للتلاوة في المآتم، وعلى المقابر... وقد تطور هذا الأمر ليكون للمقرئين المحترفين طريقًا إلى الثراء تحجز فيه الأدوار، وتدفع المبالغ الطائلة ويقدم من يدفع أكثر، ويسعى الناس وراء الأصوات الندية، والأنغام الموزونة.
ثم كان من بركات صحوة الناس على دينهم، أن صحح هذا المفهوم، ورد للقرآن العظيم اعتباره فأصبح الاهتمام بحفظ القرآن الكريم روحًا سارية في أبناء الأمة، وأمنية عزيزة غالية، يتطلع إليها الكبار والصغار والرجال والنساء ويرعاه المسؤولون وولاة الأمور في كثير من البلاد الإسلامية.. ولعمر الحق ذلك من أسرار قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). ومع ذلك الاهتمام والحرص، ففي العالم الإسلامي اليوم ظواهر عديدة، لا تلتقي مع الاهتمام الحق بحفظ القرآن الكريم كما يريد الله تعالى، ولا تتناسب مع ثمراته المرجوة:
ففي بعض البلاد الإسلامية، لا يتعلم الطالب في المدرسة النظامية إلا بعد أن يختم القرآن حفظًا من أوله إلى آخره... ثم تراه في مستقبل أيامه إنسانًا آخر: قد نسي القرآن فلم يعد يذكر منه حرفًا، ولا ترى شيئًا من سلوكياته يلتقي مع القرآن ومبادئه... فقد يكون تارك صلاة، وقد يكون علمانيًا في مفاهيمه وأفكاره، وقد يكون مقترفًا للكبائر... وقد يكون... وقد يكون... وكما يمر الناس بمرحلة الطفولة قبل مرحلة البلوغ والنضج، ففي بعض البلاد الإسلامية يمر الناس بمرحلة حفظ القرآن الكريم قبل كل شيء في حياتهم.. ثم لا ترى في مجتمعهم أثرًا للقرآن أو خبرًا فمجتمعهم مجتمع احتراب وسفك للدماء والجهل والتخلف والفقر والمرض، عناوين بارزة في حياة الناس... وأنواع العلل الاجتماعية تنخر في بنيان الأمة من جميع الأطراف... بصورة لا تجد فيها مكانًا للقرآن، ولا لآية واحدة.
ورأيت فيما رأيت رجلاً من التجار كان يحفظ القرآن في طفولته، ثم اشتغل بالتجارة، ولم يعد يصله بالقرآن ودينه شيء... وهو اليوم يحارب أولاده لتمسكهم بدينهم، ومحافظتهم على صلاتهم وإقبالهم على طاعة ربهم!
ورأيت فيما رأيت أيضًا رجلاً يحفظ القرآن وهو على حظ من الثقافة الإسلامية غير قليل ويرأس مؤسسة تجارية، ولكن تعامله مع الناس ومع مرؤوسيه على وجه الخصوص لا يلتقي مع أخلاق القرآن، وآدابه، فهو يظلم الناس، وينتقص حقوقهم، ويعتدي على أموالهم... ولا يبالي في سبیل مصالح دنياه.
ورأيت بعض الشباب يتباهى بحفظه للقرآن وهو لا يتورع عن عقوق الوالدين، ويستهتر بالصلاة وبعضهم لا يبالي بالمحافظة على صلاة الجماعة ومنهم من لا ترى في أخلاقه وسلوكه، ما يلتقي مع القرآن أو يقاربه.
ولعل كثيًرا من القراء يتفق معي في الرأي حول وجود هذه الظواهر ويرى أنها نشاز في التعامل مع القرآن الكريم حفظًا وتدبرًا وتأدبًا وعملاً.
ولكن السؤال المهم هل يتناسب الاهتمام بحفظ القرآن الكريم وتجويده مع الاهتمام بغرس أخلاقيات القرآن والتعامل الصادق مع مبادئه وقيمه، وهل تلاحظ ذلك الجمعيات الخيرية والمؤسسات القرآنية وما تفسيرها لهذه الظواهر؟ وأين يكمن الخلل في عملها. وهي تنفق جهودًا مضنية في تحفيظ القرآن، وتتنافس فيما بينها لتخريج أكبر عدد ممكن من الحفاظ عامًا بعد عام.
إن الخلل يكمن في البعد عن منهج السلف في حفظ القرآن الكريم، وتلقينه وتلقيه... هذا المنهج الذي كان بينًا واضحًا منذ عهد الصحابة- رضي الله عنهم- إلى عهد التابعين، وإلى عهد تابعيهم، ثم تراخى الناس في الالتزام بالطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم وتلقينه وتلقيه... وغلب النظر إلى الكم والمظهر على حساب النوعية والكيف، ووقع ما حذر منه المصطفى ﷺ أمته من أقوام يتلون القرآن لا يجاوز حناجرهم.
وقد حدثنا الإمام عبد الله بن حبيب أبو عبد الرحمن السلمي- رحمه الله- عن طريقة السلف في تلقي القرآن الكريم وتقلينه فقال: «حدثنا الذين كانوا يقرنوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما رضي الله عنهم، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» «1». إنه منهج دقيق متوازن يجمع بين قوة التلقي وقوة العمل، وجدية الأخذ وجدية التفاعل، ولا يغفل واحدًا منها على حساب الآخر.
وإن التنافس الذي نلحظه اليوم في تخريج الحفاظ فحسب، لا يعدو أن يكون عملاً يتشابه مع استنساخ أجهزة مسجلة صماء، تقرأ القرآن ولا تعي معانيه، وترتله ولا تتدبره، وتقف عند حروفه ولا تفقه حدوده، وربما استجرتها مغانم الدنيا إلى اتخاذ القرآن حرفة وتكسبًا، فيطالها عندئذ الوعيد الإلهي المخيف: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24). فهل هذه رسالة القرآن الكريم في الحياة؟ وهل بهذا المنهج يرتجى للأمة أن تبلغ عزًا، أو تنهض من كبوة؟!
إن النهضة القرآنية الحقة هي التي يتواكب فيها الاهتمام بالحفظ والتجويد، مع الاهتمام بالتدبر والعمل والحرص على تحويل هدي القرآن إلى سيرة تصطبغ بها حياة الإنسان وسيرته. وإننا مدعوون- لتحقيق ذلك- إلى أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع القرآن الكريم، وأسلوب توريثه للجيل من بعدنا، وليس من شأن أولي العزم من الرجال أن يتهربوا من تبعات التكاليف، وجلائل الأعمال، ويركنوا إلى ما هو أسهل وأخف على قلوبهم، وأحظى لنفوسهم، وأظهر لهم بين الناس ولو لم يكن من ورائه كبير فائدة أو جدوى.
وبعد: فإننا نتمنى على الله تعالى أن يأتي يوم نرى فيه أخلاق القرآن الكريم وقيمه، تهيمن على أهل القرآن، وتحكم حياتهم وسلوكهم، وتنظر فيه الأجيال إلى هذه الظواهر السلبية التي تعود إلى الخلل في منهج التلقي، كما ننظر اليوم ونعجب إلى ما كان عليه الناس منذ جيل مضى، وما ذلك على الله بعزيز.
هامش
«1» رواه الإمام عبد الرزاق في مسنده عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى.
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة..
واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة»
إذا عالج العلج اللواعج في صدر
وعاجله عجل يجعل الدما تجري
فويل لرب الصدر من جهل نفسه
يعاني الضنى من حيث يدري ولا يدري
وويل لمن يلقي حكيمًا وحاكمًا
إذا لم يكن يفنيه هذا، فذا يفري
واحر قلباه...
الطبيب المعالج علج، غليظ جافي الطبع كأنه حمار وحشي ضخم الحوافر .. فهل يبرد هذا حرق الصدر وهمومه وآلامه؟!
أما العجل الذي يثير الأرض ويسقي الحرث.. فهو سيد الموقف.. ترك النظر إلى الأمام، إلى حيث ينبغي له النظر، والتفت إلى الوراء، إلى حيث لا ينبغي له الالتفات، أو النظر.. ولو لمحًا- فليس ثمة مرمى لبصره ها هنا.
ومنذ بدء التفاته، بدأ الخلل في ناموسه، ثم تمادى، فاتسع الخلل، إذ أعمل قرنه في صدر صاحبه، في صدر سيده ومالك رقبته وأمره.
كان ينبغي ألا يفعل، ولكنه فعل... لماذا؟ لأنه عجل؟!.. بل لأنه عجل كان عليه ألا يفعل... فأين الخلل؟ إنه في ناموسه.. ولكن من أین جاء؟!.. هذا سؤال...
والسؤال الثاني هو: كيف اجتمع قرن هذا العبقري، مع حافر ذاك النطاسي، الطبيب المعالج؟!.. ومن أي عهد أو حقبة ادخرهما الدهر، ليجود الآن بهما مجتمعين متآزرين متناصرين، يدًا بيد وقرنًا بحافر؟!
إنها هي هي الأسئلة المنثورة، منذ سنين على قمم جبال الأوراس، وسنجار، وطوروس، كأنها ذرات هائمة من رماد بوذي لم يكن قادرًا على لملمة ذرات نفسه في حياته، فطلب أن يظل
مبعثرًا في مماته. فهل ثمة من يلم الأسئلة، قبل أن تلم ذرات البوذي؟!
السؤال مطروح على سائر العلماء، إذا كان ثمة علماء، في قلب الدوامة، أو على شاطئ قريب منها، والمعنيون أولاً: علماء الأحياء الذين يفرقون بين الثور والرجل، وبين الحمار والطبيب.. أما علماء الاجتماع والسياسة والبيطرة.. فمعنيون ثانيًا...
عبد الله عيسى السلامة
واحة الشعر
غدًا نلتقي
شعر: علي بواري
قولوا لمن مكروا إنا سننتصر فأدركوا الحق أو فروا أو انتحروا
ستبلغ الذروة العلياء همتنا وتستجيب لها الأكوان والقدر
وننحت المجد من أشلاء محنتنا فينشد الطير زهوًا نال من صبروا
وسوف تسري حياة الحق من دمنا ذاك الذي سال ظلمًا يوم أن غدروا
ومن مبادئنا نرسي قواعدنا وجندنا خيرة الناس الألى نفروا
دموعنا.. وهي فيض من جرائمهم سقت سرائرنا ما صدق الخبر
فليس يبقى من الآنات أصعبها وليس يؤلم ما قد فات والكدر
وليس يقتل ظلم طال أو سهر افتراء وإن دانت له البشر
ولا وإنما تئد المظلوم همته دنت وتخلت حطها القدر
إذا وإن سمت وسعت للنصر حازمة أحاطها العز والتمكين والأثر
نعم سقطنا وأما عن إرادتنا فقد علت تلمس الأفلاك تفتخر
نعم تدمر حصن في قواعدنا وسال منه دم الأحرار
لكن نهضتنا تمضي بلا كلل والعمر تشيد في الأرض صرحًا كاد يندثر
ولا يضيرنها ما مس جلدتها ولا صياح جبان كان يحتضر
ظلت سواعدنا تلوي مصائبنا بعزمة خاف منها اللغم والحفر
فإن قسوا صبرنا يمتص غلظتهم ويبطل الصبر ما راموه أو بذروا
وإن أرادوا لنا جوعًا ومسغبة ففقرنا عزة والحي يعتبر
وإن أرادوه سجنا تلك قلعتنا وقد تثاعب من صولاتنا السهر
كل المكائد أرست في موانئنا وما جنى صانعوها غير ما بذروا
هي العقيدة تحيينا وتبعثنا فنحسب الميت منا قام ينتصر
ونحسب الحي ممن عاش محنتنا خليفة الجبل يرعاه لنا القدر
فكيف تهزمنا أضغاث شرذمة يسرها أن ترى الآلام تنتشر
أتوهم الناس سحب أو ضباب ضحى بأن شمس السما قد هدها الكبر
أيوقع الناس أعمى عق منبته في خندق الذل محفوفًا بمن كفروا؟
بقاؤهم مستحيل لا مناص له من الثغ ير، والأشلاء تندثر
كأنه السحت لا أوصال تجمعه كأنه السحر يذوي وهو منحسر
ألا استعدوا ويوم النصر موعدنا وأكثروا البذر لا تخشوا ولا تذروا
وعمقوا الحرث إن الأرض منهكة لما عراها من الكيد الذي مكروا
غدًا هنا نلتقي فالنصر موعدنا نقيم للحق صرحًا عمره العمر
وتشرق الشمس ملء الكون ساطعة تدك بالنور ظلمًا راح يستتر
وتنتشي أمتي من بعد محنتها ويهتف الغصن للعلياء والحجر
فلسطين في القصة الإسلامية المعاصرة
بقلم: يحيى بشير حاج يحيى
إذا كانت قضية فلسطين قد أخذت حيزًا واسعًا في الشعر الإسلامي المعاصر الذي تابع أحداثها، وصور مأساتها، ودعا إلى الجهاد، وحرض على الاستشهاد دونها، بحيث أصبح ما قيل يشكل مجاميع كبيرة، رصدت واقع المأساة والمستجدات والمتغيرات أولاً بأول فإن ذلك يعود إلى طبيعة الشعر فنًا ينطلق بعفوية بعد أن تقذف به القريحة التي تتعرض للمحرضات المستمرة والدافعة إلى القول. وهذا يختلف عن طبيعة الفن القصصي الذي يحتاج إلى شيء من الرواية والمعالجة، ولا يمكن في أكثر الأحوال أن يكون استجابة أنية تستطيع مواكبة الشعر. إلا أن هذا لا يعني أن هذا الفن قد قصر، ولكن طبيعته- كما أسلفنا- تأبي الانقياد للتحريض المباشر، ولذا أصبحت الأولوية في ساحة القول للشعر وحده!
ولكن هل قصرت القصة الإسلامية بأنواعها في تصوير الواقع، ومتابعة الحدث والدعوة إلى المواجهة؟؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عنه في هذه العجالة: لقد استطاعت القصة الإسلامية أن تضع القضية في إطارها التاريخي الواسع بدءًا بالمواجهة مع يهود في أول الدعوة الإسلامية، وانتهاء بالمواجهة التي تجري اليوم على أرض الإسراء وموطن الأنبياء، مع رؤية مستقبلية لما سيؤول إليه الصراع، وتسجيل لما عليه المقاومة في هذا الظرف العصيب.
فنحن- وكما هو معلوم- لا نواجه قومًا لا نعرفهم، أو ليس بيننا وبينهم عداء تاريخي عقدي إن رواية نور الله لنجيب الكيلاني تصور الصراع الدامي الذي خاضته الدعوة الإسلامية إبان ظهورها، ببساطتها وسماحتها وقوة بيانها في مواجهة اليهودية بدهائها وتاريخها ممثلة في كعب بن الأشرف وحيي ابن أخطب، يعضدهم فريق من المشركين، وفريق من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، والرواية كذلك تشير إلى سماحة الإسلام مع خصومه، وتنتهي بفتح مكة إذ خضعت رؤوس العناد فيها أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توجه إليهم قائلاً: اذهبوا فأنتم الطلقاء!.
وأما عبد الحميد جودة السحار فقد رجع إلى أبعد من ذلك، كما في مجموعته قصص من الكتب المقدسة فتحدث في أقصوصة «استير» عن استخدام اليهود للمرأة كي يصلوا إلى غاياتهم، وفي «سالومي» عن دورها في تنفيذ العدوان على حياة الأنبياء؟! وليس ذلك غريبًا عنهم، فقد حاولت المرأة اليهودية قتل النبيصلى الله عليه وسلم بوضع السم له في شاة قدمتها له؟!
وفي دم لفطير صهيون لنجيب الكيلاني تتوضح جرائم يهود بحق الإنسانية، وهي الجرائم التي واكبت التاريخ، فلم تتوقف في أي فترة من فتراته، ولعل كتاب اليهود وذبائحهم من بني الإنسان- الذي استعرض هذه الجرائم تاريخيًا- يبقى وثيقة إدانة لا يستطيع يهود التنصل منها أو إنكارها، وهي ثابتة تاريخيًا منتشرة في أصقاع الأرض، حيثما حل اليهود وأقاموا. وعنها يقول الدكتور نجيب الكيلاني في كتابه «تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية»: القصة الوثائقية لون خاص من الفن القصصي، إذ إنها تعتمد أساسًا على وقائع مثبتة والوقائع في حد ذاتها مادة تكاد تكون علمية وجافة على الرغم من أنها ربما تكون مثيرة ومؤثرة لكنها تفتقر بالتأكيد إلى عناصر القصة الفنية، ويضيف: كنت مؤمنًا أن حربنا مع اليهود حرب دامية طويلة، وأنها متنوعة الأسلحة، ومن الأسلحة الفعالة في عصر القصة الأدب، بل الفن بصفة خاصة. ولا شك أن القارئ سيشعر عقب قراءة القصة بالسخط والكراهية والغضب لما يفعله اليهود بغيرهم، وملخصها أن مجموعة من اليهود أقدموا على ذبح القسيس البادري توما مع خادمه إبراهيم عمار للحصول على دم مسيحي لاستعماله في الفطير المقدس الذي يعده اليهود في أعيادهم والقصة تصور الحقد اليهودي متمثلاً في أشخاص الخامات الذين أشرفوا مباشرة على الذبح، وتمت العملية بتوجيههم وتخطيطهم، كما تتحدث عن انكشاف أمرهم ودخولهم السجن إبان حكم محمد علي باشا لمصر وسيطرته على الشام، كما تتحدث عن التدخل اليهودي العالمي لستر هذه الفضيحة التي اطلع عليها قناصل الدول في دمشق.
مشرد بلا خطيئة
وتخطو بنا القصة الإسلامية سنوات فنقف في «مشرد بلا خطيئة»- للدكتور محمد عبده يماني- مع أسرة فلسطينية تسكن في عين كارم تجاورها أسرة يهودية مهاجرة هي أسرة حاييم التي لم تظهر أي عداء، حتى إذا وقعت النكبة ١٩٤٨م، انكشفت خفايا حاييم، الذي لم يكن أقل عداوة من رجال العصابات، فقضى أبو إبراهيم، ورحلت أسرته إلى القدس ثم إلى عمان وامتدت يد حاييم لتنهب كل ما تركه الجار النازح... ويكبر إبراهيم، وتشاء الأقدار أن يقع يوري ابن حاييم في الأسر بعد معركة الكرامة، ويستدل على إبراهيم بواسطة وشم في يده، ويحاول أن يستعطفه مذكرًا بماضي الطفولةويقترب منه وهو يستل سكينًا يخبئها تحت إبطه ليطعن بها إبراهيم الذي عاجله بطلقات ترديه قتيلاً، ولم يستطع الغدر اليهودي- الذي استغل التسامح العربي- أن ينجح في هذه المرة.
وتلاحق القصة الإسلامية شتى المنحنيات التي تمر بها القضية، ففي أقصوصة «الأرض» المحمود مفلح من مجموعته «القارب» تصوير لإصرار الفلسطينيين على تحرير الأرض ولو بشكل فردي مهما كلف ذلك من تضحيات وتوضح أقصوصة الفستان والرصاص هذا التوجه إذ ينخرط الكبار والصغار الرجال والنساء في المقاومة ويجدون أنها الطريق الصحيح الذي يقود إلى التحرير مع عظم التضحيات وشدة المعاناة، فهذا مجاهد فلسطيني تتحرك عاطفة الأبوة في حناياه ويحلم أن يتيسر له شراء ثوب جديد لابنته ويتحقق الحلم، ويعود إليها فرحًا، ولكن فرحته تكبر أكثر حين يفاجأ بأنها انخرطت مع خالها في العمل الجهادي وأصبحت تحمل مسدسًا تدافع به عن نفسها، لترد عنها وعن قومها أنياب الذئاب البشرية المتربصة الشرهة إلى القتل والدماء.
المخيم والبحر
وينقل محمد جاد البنا في أقصوصة أخرى عنوانها: المخيم والبحر، صورة أخرى فيحدثنا عن الشيخ أمين الذي يعيش في مدينته الساحلية ويهاجم- مع عدد من شباب المدينة- قوات الاحتلال، الأمر الذي أذهل المعتدين، ولم يستطيعوا أن يعرفوا الذي يكيل لهم الصاع صاعين، ولكن استشهاد الشيخ مع مجموعة من شباب المدينة يكشف السر الذي طالما أعيا المحتلين. وفي ذات الاتجاه ينقل محمد السيد في مجموعته شاطئ الرؤى الخضر معاناة مهاجر فلسطيني ترك أبناءه وزوجه، وذهب ليعمل مع ابنه الأكبر في بيروت، وفي أثناء العودة، وعند أحد الحواجز تمتد يد الإجرام فتنهب ما كسبه الأب وتقتل ابنه، فلا يجد الأب المفجوع بدًا من العودة إلى الثأر بعد أن وصل إلى مشارف قريته.
ويكاد القاص محمد السيد لا يترك شريحة من شرائح المجتمع الفلسطيني إلا ويصور بطولاتها ومقاومتها ومعاناتها، ففي «خط اللقاء» يلتقي مع العامل العربي الذي يعمل في مصفاة حيفا في مرحلة من مراحل الصراع العربي اليهودي على أرض فلسطين، وفي أقصوصة العملاق يتحدث عن بطولة طفل فلسطيني استطاع أن ينقذ رجلاً بعد مذبحة قام بها اليهود معرضًا حياته للخطر، وكأنه يستشف أستار المستقبل في دور يقوم به أطفال فلسطين وفتيانها.
وأما أقصوصة رحلة مع الموت، فتصور الشوق إلى الوطن بعد أن طال الانتظار، وكيفأن هذا الشوق يدفع بصاحبه إلى الموت أحيانًا وهذا ما حدث لفلسطيني يعيش في قرية قريبة من حدود فلسطين المحتلة يهيئ نفسه للعودة ولكن أمله يخيب، فتقتاده دورية صهيونية.
ومع وجود كل هذه البطولات والتضحيات والمعاناة فإن أبو كليب يمثل نموذجًا للمتساقطين الذين لا يكاد يخلو منهم مجتمع يكشفون ستر قومهم، ويكونون عينًا للعدو طمعًا في جاه أو مال أو ضنًا بأنفسهم عن مواطن الفداء وظنًا أن العدو- الذي سيطر ببطشه- يحميهم، فيرتبط بقاؤهم ببقائه، ولكن أبو كليب الذي خان قومه وأصبح جاسوسًا عليهم يكون أول المتضررين حيث يتهجم جنود العدو على قريته فيقتلون ابنه.
عشر قصص
ومع تدفق الدماء، واشتداد عود الانتفاضة كانت القصة الإسلامية تواكب الأحداث حتى كأنه أصبح لكل حدث قصة أو قصص. فقد كتب عبد الله الطنطاوي عشر قصص في عشرة كتب يرويها عن السنة الذين شاهدوها، فكان منها «منصور لم يمت- القدس لا تؤمن بالدموع- السياج- ذبيح القدس- رحلة إلى جبل النار» وغيرها، وهذه القصص كما يقول الناقد محمد حسن بريغش- ليست خيالاً من خيالات الأدباء وإنما هي تسجيل بالكلمة الأدبية المبدعة لوقائع الجهاد المشرف لأطفال الحجارة، ولهذا نرى أسماء المدن والقرى والأحياء والمستوطنات وأسماء العرب واليهود تتكرر فيها، وتعطيها البعد الإنساني الراسخ- المرتبط بالأرض المقدسة- الذي استعصى- رغم تآمر العالم مع اليهود- على التغيير وفقدان أصالته وحقيقته ولون أرضه ورائحة زيتونه وليمونه وبرتقاله وقداساته، إنها تحيي في نفوس الشباب الذكريات الماجدة وتثبت في ذاكرتهم هذه الأسماء لمدنهم وقراهم وأحيائهم وأبطالهم وأعدائهم حتى لا تمحى بفعل التضليل والتزوير والإلهاء.
لقد أصبح أطفال الحجارة عنوانًا لجهاد أبناء فلسطين وجيل المستقبل ضد الاحتلال اليهودي «الخيرية العدد ٥٩»، وتأتي مجموعة «عندما تتكلم الدماء»، وكأنها تسجيل أني لما يجري على أرض فلسطين من وقائع الجهاد في الأرض المباركة، وكانت عناوين أقاصيصها تحمل إيحاءات ودلالات على الوقائع التي تحملها الأحداث من مثل: «لن يعيشوا بسلام»- حيث يقف الشاب حمدان وهو ينتظر إلى شذاذ الآفاق القادمين إلى الأرض المحتلة، وهو يضغط على أسنانه، ويضم كفيه بعصبية يسرقون أرضنا ويستبيحون قريتنا، ونقف هكذا نتفرج؟! يجب أن نفعل شيئًا.. يجب أن نتحرك- وأقصوصة «لا يقهرون» وهي تصور بطولات الشباب المجاهد الذي يزرع الخوف في قلوب المعتدين، «والهدية» تتحدث عن مشاعر سجين مجاهد، وأما «عذاب وعذاب» فتلتقي مع أقصوصة محمد السيد المسماة «أبو كليب» في تصويرها لنهاية أحد المتعاملين مع العدو في كشف خطط المجاهدين والدلالة عليهم فينتهي كالخرقة البالية بعد أن نبذه اليهود، وتبرأ منه أبناء جلدته.
وهكذا تتوالى أقاصيص هذه المجموعة كل أقصوصة تصور حدثًا: «مأساة في منتصف الليل- المهندس يحيى عياش- قتلوا الرضيع- أقسى من الحجر- مسح العار- رد الكتائب حتى ليخال قارئ هذه المجموعة- حين تقع عيناه على عناوين أقاصيصها- أنه يعرف هذه الوقائع لأنه رأى مثلها أو سمع عنها، وإذا هي بطولات جديدة، فلكل بطولة لون ولكل تضحية طعم، وقد برز فيها جانب التمسك بالعقيدة، وحب الجهاد ومعاني الفضيلة والبذل والإيثار والترابط والأخوة والإقدام والثبات والعزيمة والإصرار على مواصلة الجهاد ورفض كل أنواع الاستسلام «المجتمع- العدد ۱۲۰۷».
ويسابق فوزي صالح في روايته كنوز قارون الزمن ليثبت للذين يظنون خيرًا بيهود أنهم مخطئون، فيمزج الواقع بالتاريخ، ويوظفه ليبين مدى عداء اليهود وخستهم وأنهم لا عهد لهم ولا ذمة وأن مستقبل المعاهدات معهم هو النقض وعدم الالتزام، لأنهم نشأوا على الغدر. وقد سبرت الرواية أغوار المستقبل بما يحمله من صراع فكري وسياسي واجتماعي من خلال رؤية صادقة تعتمد على حقائق العلم، وثوابت الحياة وتجارب التاريخ.
ومما يحمد للأدب على مختلف فنونه- ومنه الفن القصصي- أنه عاش مع القضية ولم يتعاطف معها فقط، فهو يسير مع مواكب شهدائها، ويتلون بدماء ضحاياها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل