العنوان المجتمع الثقافي (1432)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1432
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
عذرًا يا درر القدس
حسين علي الشقراوي
عذرًا محمد الدرة.. عذرًا محمد يوسف... عذرًا محمد العاصي.. عذرًا يا شهداء الانتفاضة.. عذرًا لتأخر اعتذاري.
ولكني كنت آمل أن يكفيني قومي عبء الاعتذار، بحسن الصنيع وجميل الفعال بعد أن حررتم رسالة نداء عاجلة سطرت بدمائكم الزكية الطاهرة لقادة العالم العربي وللشعوب الإسلامية اللاهية قبل أن تشتعل نيران المحرقة اليهودية.. ولكن طال الانتظار.. وانفض الاجتماع وما زلنا نراوح بين الشجب والاستنكار.
عذرًا درر الأقصى: فقد قدمتم أرواحكم رخيصة في سبيل الله، عسى أن توقظوا قومكم من أحلام السلام أو تحركوا مشاعر أمتكم الباردة تجاه الأقصى الأسير والقدس المباركة التي دنسها بنو يهود أعداء الإسلام.
لا شك أنكم قرأتم وسمعتم قصة ذلك الغلام الشجاع الذي ضحّى بنفسه -كما فعلتم- في سبيل إعلاء العقيدة التي آمن بها ليستنقذ قومه من براثن الظلم وجبروت الطغيان؛ فآثر الموت على الحياة، وقدّم روحه ليبقى دين الله ظاهرًا في أروع عبرة وأعظم عظة للمؤمنين، فسطّر الله تبارك وتعالى تلك التضحية لتكون نبراسًا لكم ولشباب اليوم..
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذات الوقود * إذْ هُم عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بالمُؤْمِنينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 4، 5، 6، 7، 8).
قال ابن كثير - رحمه الله- 4/501: «يُقال إن الملك هو ذو نواس والبلاد هي نجران دخل أهلها بـالنصرانية، وذو نواس كان قد تهوّد مع من تهوّد من أهل اليمن، ولأنهم دخلوا النصرانية وهي يومها دين توحيد.. حرقهم في الأخدود فقُتل منهم في غداة واحد عشرون ألفًا».
وها هو التاريخ يعيد نفسه، وها هم اليهود -كما فعل أسلافهم- يحرقون الموحدين بأسلحتهم ويدمرون عليهم دورهم وديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: «ربنا الله».
فالمعركة بيننا وبين اليهود معركة عقيدة قبل أن تكون معركة سياسية واقتصادية أو حدود ومهما حاول الآخرون أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة ليموهوا على المؤمنين حقيقة المعركة ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة، فلن ينخدع المؤمنون بذلك.
عذرًا درر الانتفاضة: فلئن نجح الغلام في كسر حاجز الخوف والجبن والذل في نفوس قومه وزرع حب التضحية فيهم فهبوا يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله والعقيدة التي آمنوا بها فأمتي اليوم لم تستوعب الدرس من تضحياتكم، فهي ما زالت تئن تحت وطأة الوهن.
قد احترق وميض الجهاد في قلوب كثير من أبنائها ولسان حالهم يقول إني قد عذرني ربي ونسوا أو تناسوا تاريخ أجدادهم.
فهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه يقرأ قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41) (1) فيقول: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا، جهزوني يا بني فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر رضي الله عنه حتى مات، ومع عمر رضي الله عنه حتى مات، وقد كبرت سنك، فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها (ابن كثير 2/339).
وهذا أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عاش طول حياته غازيا، وكانت خاتمة غزواته حين جهز معاوية -رضي الله عنه- جيشًا بقيادة ابنه يزيد لفتح القسطنطينية، وكان أبو أيوب حينها شيخًا طاعنًا قارب الثمانين من عمره، فلم يمنعه ذلك أن ينضوي تحت لواء الجيش، ويمخر عباب البحر غازيا في سبيل الله، فمرض قبل فتح القسطنطينية، ثم مات فدفن تحت أسوارها –رضي الله عنه-.
لقد أبي إلا أن يموت على ظهور الصافنات الجياد في سبيل الله على الرغم من كبر سنه.. وغيرهم كثير يحدوهم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف: 10، 11).
وأما شبابنا.. فقد شغل الكثير منهم مباريات كرة القدم، أو سالت دموعهم حزنًا على هزيمة فريقهم المفضل بعد أن كانت دموع أسلافهم من شباب الإسلام تسيل حزنًا عندما يمنعون من لقاء العدو أو المشاركة في المعركة.
ففي معركة أحد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج لأنه كان ماهرًا في الرمي على الرغم من صغر سنه، حيث لا يجاوز الخامسة عشرة من عمره، ورد سمرة بن جندب مع آخرين من صغار الصحابة يومئذ؛ فبكي سمرة وقال كيف تردني يا رسول الله وإني لأصرع رافعًا، فتصارعا.. فصرع سمرة رافعًا فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وعمره خمسة عشر عامًا أيضًا.
وأما نساؤنا فلا هَم لكثير منهن إلا تقليعات الموضة وتتبع كل جديد في الأسواق إن لم يكن الغفلة وضياع الأوقات أمام التمثيليات والمسلسلات، ونسين جهاد المسلمات الأوليات من أمثال أم عمارة نسيبة بنت كعب -رضي الله عنها- التي بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وربت أبناءها على حب الجهاد وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي معركة أحد حينما انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هي وزوجها وولداها تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جرحت ثلاثة عشر جرحًا (الإصابة 2/۲۷۸).
ولما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنها حبيب بن زيد -رضي الله عنه- إلى مسيلمة الكذاب يدعوه إلى التوبة والرجوع إلى الحق قام مسيلمة الكذاب بتقطيع أطراف ابنها واحدًا تلو الآخر، وهو صابر محتسب حتى مات شهيدًا، فلما بلغها الخبر قالت: لمثل هذا الموقف أعددته.. وعند الله احتسبته.
أما الخنساء رضي الله عنها -تماضر بنت عمرو- فقد ربت أبناءها الأربعة على حب الجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينه.. ثم دفعتهم -وقد أدركها الكبر- إلى معركة القادسية وهي تحثهم وتقرأ عليهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).
فما انتهت المعركة حتى استشهد أبناؤها الأربعة ونالوا شرف الخلود في رضوان الله، فلما جاءها الخبر ما زادت على أن قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».
وفي جانب الجود والإنفاق في سبيل الله ضربت نساء السلف المثل الأعلى حتى إن إحداهن لتتصدق بأكرم ما لديها إن لم تجد المال.
«سبي الروم نساء مسلمات فبلغ الخبر هارون الرشيد أمير المؤمنين - رحمه الله- فأمر منصور بن عمار أن يخطب في الناس ويحثهم على الغزو ففعل، فبينما هو يذكرهم إذ بخرقة مصرورة قد طرحت بين يدي منصور بن عمار، فأخذها فإذا بكتاب مضموم إلى الصرة، ففك الكتاب فقرأه فإذا فيه: (إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبهم في ذلك، فلما لم أجد ما أعينك به، عمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتي -أي ضفيرتاي- قطعتهما وصورتهما في هذه الخرقة المختومة وأناشد بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غاز في سبيل الله، فلعل الله العظيم أن ينظر إليّ على تلك الحال نظرة فيرحمني بها) فبكى وأبكى الناس فغزوا وفتح الله عليهم».
أما أكثر حكوماتنا.. فما زالت تحلم بسلام الشجعان ولو على أنقاض أجسادكم الطاهرة. المهم ألا توصم بالإرهاب أو معاداة السلام.
عذراً درر الإسلام: لقد أحسنتم الظن بأمتكم، فأساءت القول والفعل معكم، ما كنتم تظنون أن تسقط في الاختبار أو أنها لا تملك لنفسها الخيار.. فأنتم ما زلتم صغاراً أبرياء لا تدركون ألاعيب السياسة ولا مخططات الساسة.. فأمتكم لم تقرأ بعد ولم تسمع بقصة ذلك الغلام..
ولكن لا تيأسوا يا أبنائي ولا تحزنوا فقد أحييتم شعلة الجهاد وحب التضحية في قلوبنا، وأعدتم صور العزة والبطولة في تاريخنا، وغرستم شجرة الأمل بالنصر في حياتنا.. وأهم شيء أنكم هدمتم أضحوكة السلام وأوهام الوئام في نفوسنا.
ولا تيأسوا.. فما زال في أمتكم من يتألم لمصابكم ويتفطر قلبه حزنًا لفراقكم ويعد العدة للأخذ بثأركم، ويقوم الليالي يدعو الله أن يفك أسركم ويحرر مقدساتكم.
نعم درر الأقصى: نعاهدكم ألا تغيب صور مأساتكم عن أذهاننا، وأن نقرأ قصص معاناتكم على أبنائنا ونربي على بطولاتكم ومواقف العزة في كفاحكم فلذات أكبادنا.. حتى يأتي وعد الله فيعز جنده ويعلي كلمته ويحرر الأقصى والقدس الشريف من رجس اليهود.
صورة اليهودي عند تشارلز دیکنز من خلال رائعته أوليفر تويست
المكر واللؤم والقذارة هي الصفات التي تشكل صورة اليهودي في نظر المجتمع البريطاني
الطاهر الأدغم
اليهودي على طول التاريخ وعند أكثر الشعوب وفي أغلب الآداب العالمية هو ذلك الشخص البخيل المخادع المراوغ الجشع المرابي الجبان الانتهازي، وجميع ما في القاموس من أمثال هذه الصفات التي ربما جمعتها كلمة نذل، وربما تجمعها الكلمة المضادة لكلمة المروءة، التي تعني جماع الأخلاق الحسنة والصفات الطيبة.
والعالم الغربي منذ عرف اليهود وهو يراهم بهذه الصفات ولنا في مسرحية تاجر البندقية، لوليم شكسبير، خير مثال ودليل على ذلك.
ولم تتزحزح هذه النظرة إلا في القرن العشرين وخاصة في النصف الثاني منه عندما قامت الكنيسة الكاثوليكية بتبرئة اليهود من دم المسيح -عليه السلام- في اجتماعات المجمع الكنسي التي عقدت بين عامي ۱۹۱۳م- ١٩٦٥م وكان هذا التقارب بين اليهود والنصارى نتيجة لقيام الكيان الصهيوني الذي ولد من رحم الاستعمار الغربي المسيحي، وأراد له الغرب أن يبقى شوكة مؤلمة في خاصرة العالمين العربي والإسلامي، ولا بد لذلك من حمايته والسهر على بقائه واحترام مشاعره حتى أضحى الكلام عن اليهود وانتقادهم أو التهوين من شأن معرفتهم المزعومة (الهولوكوست) عداء للسامية يحاكم صاحبه ويطارد ويخنق صوته، ولنا فيما حدث للمفكر الفرنسي رجاء جارودي خير دليل على هذا الأمر، حيث حوصر إعلاميًّا، وحوكم بسبب كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ولم يجد جريدة فرنسية تنشر له مقالاً يدافع فيه عن نفسه وهو الذي كانت المطبوعات الإعلامية تتسابق لنشر مقالاته، فاضطر أن يكتب مقالاً مدفوع الأجر في إحدى الجرائد الفرنسية.
تشارلز دیکنز
تشارلز ديكنز من أحب الروائيين الإنجليز إلى قلوب الناس ولعله أعظمهم دون منازع.
ولد في بورتسي عام ۱۸۱۳م، وأمضى سنوات طفولته في ظل الفقر والحاجة وزاد هذا العقل قتامة عندما انتقلت أسرته إلى لندن حتى كاد يقضي على مستقبله عام ١٨٣٤م عندما ألقى جون ديكنز والد تشارلز في السجن، واضطر الابن إلى العمل شهورًا عدة في مصنع لدهان وتلميع الأحذية براتب زهيد، ولكن الأقدار ساقت للأسرة ميراثاً فخرج الوالد من السجن والتحق الابن بمقاعد الدراسة، وإن ظلت سنوات الشقاء في ذاكرته طول عمره، مما أضفى على كتاباته تأثيرًا واضحًا.
وانتقل تشارلز بين وظائف عدة قبل أن يبدأ بنشر رواياته وكتبه تباعًا إلى أن وافاه الأجل عام 1870.
أما قصة أوليفر تويست فقد كتبها تشارلز عام ١٨٣٨م، وهي تعد من روائع الأدب العالمي، حيث تظهر فيها الساحة الإنسانية والنكتة اللازمة والسخرية الفائقة، وبلغت هذه الرواية شهرة عظيمة، حيث ترجمت إلى أغلب لغات العالم.
وتدور القصة حول طفل يسمى أوليفر تویست، ولد في ملجأ للفقراء، حيث انتشرت هذه الملاجئ في إنجلترا في تلك الأيام بموجب قانون «إسعاف الفقراء الجديد» الذي صدر عام ١٨٣٤م، وكان هذا القانون موضع انتقاد وشجب بالغ، كما كانت هذه الملاجئ مثالاً للقسوة والإهمال والفساد الإداري والاستغلال الخادع للدين، حيث كانت تدار من قبل رجال لهم ارتباط بالكنيسة.
ولد أوليفر من أم مجهولة لجأت إلى الملجأ وماتت بعد الولادة مباشرة لتبدأ رحلة عذاب أوليفر في هذا المكان الذي لم يكن الأولاد الصغار يجدون فيه ما يسد جوعهم ولا ما يلبي حاجاتهم العاطفية.
ولأن أوليفر بعد أن جاوز سن العاشرة طلب مرة مزيدًا من الحساء الذي لا يختلف في تركيزه عن الماء كثيرًا، والذي هو الطعام الرئيس والدائم في الملجأ فقد اعتبر هذا التصرف جريمة منكرة سجن بسببها أوليفر وطرد من الملجأ وألحق بتدبير من إدارة الملجأ بدفان المنطقة ليتعلم فن صناعة التوابيت ودفن الموتى والنواح في الجنائز.
ولسوء المعاملة عند الدفان ومضايقة الخادم وولد آخر -كان يعمل مع الدفان- ومعايرتهم الدائمة له بأنه ابن الملجأ وأنه لا يعرف لنفسه نسبًا فر أوليفر ماشيًا إلى لندن يحدوه الأمل في أن يحصل على عمل شريف يقتات منه.
ولكن سوء الحظ أوقعه في يد عصابة شريرة تمتهن السرقة والنشل يقودها يهودي عجوز يسمى فاجين، حيث حاول هذا الأخير تعليم أوليفر من النشل، ولكنه نجا من أيدي العصابة مرة لتختطفه مرة أخرى وينجو منها ثانية بعد أهوال تقشعر لها الأبدان ليقع في أيد أمينة وتسير الأمور به نحو معرفة هويته عبر عدد من المفاجآت، وتنتهي القصة بالقضاء على العصابة وإعدام اليهودي شنقًا، واستقرار حالة الولد أوليفر تويست بعد سنوات من العذاب.
صفات وصورة اليهودي في الرواية
1- صفات منفرة قبيحة:
- عندما وصف الكاتب الغرفة التي يأوي إليها اليهودي في البيت الذي يقطنه مع بعض أفراد العصابة وعدد جوانب القذارة فيها، قال عن فاجين يهودي متغضن الوجه طاعن في السن، كان وجهه المنفر الناضح بالشر محجوبًا وراء كتلة من الشعر الأحمر المتلبد (انظر أوليفر تويست لتشارلز ديكنز ترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين. لبنان، الطبعة الثامنة ١٩٨٩م . ص ٥٩).
- وبعد أن اكتشف اليهودي إفشاء نانسي لسر العصابة وصفه الكاتب وهو غارق في هذا الهم فقال كان فاجين ساهرًا في جحره المألوف مقطب الجبين شاحب الوجه، محمر العينين محتقرهما إلى درجة بدا معها لا رجلاً من الرجال ولكنه شبح رهيب غادر القبر منذ لحظة (ص: ٣٦٦).
- وفي أحد المواقف أورد الكاتب هذه العبارة: فإذا بيهودي آخر يلبي النداء: يهودي أصغر سنًّا من فاجين ولكنه لا يقل عنه نشاط وبشاعة مظهره (ص ۱۱۰).
2- الحذر الشديد والخوف:
- عندما استفاق أوليفر في اليوم الأول له مع عصابة اليهودي وجد هذا الأخير يغلي بعض القهوة في قُديرة ليتناول فطوره ويصفر بينه وبين نفسه في رقة، وبين الفينة والفينة كان يصغي كلما انبعث من الدور الأرضي أيما صوت ولو خافتًا إلى أبعد حد حتى إذا اطمأنت نفسه عاد إلى سيرته الأولى فهو يصفر ويحرك القهوة كشأنه من قبل (ص: 60).
- وقد دار مرة بينه وبين سايكس حوار وصف فيه الأخير اليهودي وحالة خوفه وجبنه، فقد كان سايكس يعاقب كلبه بشدة فدخل فاجين فجأة فقال سایکس: أشد ما أتمنى لو كنت أنت الكلب يا فاجين قبل نصف دقيقة ليس غير، فسأله اليهودي في ابتسامة متكلفة لماذا؟ فأجابه سايكس وهو يحدج اليهودي بنظرة معبرة لأن الحكومة التي تعنى بحياة أمثالك من الرجال الذين لا يملكون نصف ما تملكه الكلاب من جرأة وإقدام تدع المرء يقتل كلبه كما يحلو له، هذا هو السبب، وفرك اليهودي يديه وجلس إلى الطاولة ضاحكاً على نحو متكلف لمزاح صديقه (ص ۱۰۹).
3- البخل والولع الشديد بالمال:
- لا يكتفي اليهودي -وربما كل من يحمل بخل اليهود- أن يكثر المال ويجمعه، بل يسعده ويطرب قلبه أن يستعرضه بين حين وآخر في غفلة من الأعين ربما ليرسخ في نفسه حبه العميق -الراسخ أصلاً- المال والذهب والجواهر... وفاجين اليهودي عندما تحقق أن أوليفر ما زال في نومه، حيث ناداه باسمه فلم يجب -وكان البقية قد خرجوا مبكرين لأعمالهم- أخرج من مخبأ في أرض الحجرة صندوقًا صغيرًا ووضعه بكثير من التلطف على الطاولة والتمعت عيناه وهو يرفع الغطاء. وأنشأ يحدق إلى محتويات الصندوق الصغير.. وأخرج من بينها ساعة ذهبية تتألق بالحجارة الكريمة ثم أخرج من الصندوق نفسه نصف دزينة أخرى من الساعات على الأقل واحدة تلو الأخرى، وراح يتأملها في حبور مكافئ بالإضافة إلى عدد من الخواتم ودبابيس الصدر المرصعة والأساور ومن المجوهرات الأخرى ذات المواد النفيسة والصياغة العالية (ص ٦١)..
- وعندما كان سايكس مرة طريح الفراش طلب من فاجين اليهودي بعض المال، فأعلن الأخير أنه لا يملك الآن شيئًا، وبعد مفاوضات ومناقشات طويلة استطاع اليهودي أن ينزل قيمة المال الذي طلبه سايكس من خمسة جنيهات إلى ثلاثة جنيهات وأربعة شلنات ونصف وأقسم أنه لم يبق له غير ثمانية عشر بنسًا لتغطية نفقات المنزل (ص ٢٩٩).
- وعندما أرسل سايكس الفتاة نانسي مع اليهودي لإحضار المبلغ حتى لا يتهاون في إرساله سلمه فاجين لنانسي وهو يعد المبلغ واحدة إثر أخرى مطلقًا في أثر كل منها زفرة (ص ۲۰).
- ولقد وصفه سایكس مرة عندما دخل عليه فوجده يتشاجر مع شابين من العصابة بقسوة فقال له ما هذا الذي أراك منهمكًا فيه، أتسيء معاملة الغلمان أيها اللص العجوز الجشع الشحيح الذي لا يشبع (ص: ٩٠).
- ووصفه سایکس وغيره كثيراً بالبخل، فمثلاً حين عاد سايكس ونانسي بأوليفر في المرة الأولى كانت في جيب الغلام خمسة جنيهات فأخذها اليهودي فاختطفها سايكس منه قائلا له: أعطني إياها أيها الهيكل العظمي العجوز الطماع (ص ۱۱۸).
4- القسوة والعنف في حالة التمكن والقوة:
- اليهودي كما صورته الرواية عنيف غاضب متوعد متجهم إذا مست مصالحه أو هددت وخاصة إذا كان الذي أمامه ضعيفاً لا يخشى جانبه ولا ينتظر ثورته، فنراه وقد ظن أن أوليفر رأى صندوقه وجواهره يحمل مدية ويهدد الولد بقوله: ما هذا؟ لماذا تراقبني؟ لماذا أفقت من نومك؟ ما الذي رأيته تكلم أيها الغلام عجل، عجل إذا شئت الاحتفاظ بحياتك (ص ٦٢).
- وحين عاد اثنان من فتيان العصابة، وقد خلفا أوليفر في قبضة الشرطة حيث كان خروجه معهما لأول مرة على سبيل التدريب على المهنة فزع اليهودي وأخذ بخناق المراوغ -أحد أفراد العصابة- قائلاً: ما الذي حل بالغلام تكلم، وإلا خنقتك حنقًا (۸۹).
ولم يكن قلقه على الغلام عطفًا أو حيًّا، إنما خوف فقدانه صيدًا كان يرى أنه سيكون ذا شأن في عالم النشل والسرقة ويعود بالتالي عليه بأموال كثيرة.
- وعندما اختطف أوليفر بعد تخلصه من العصابة في المرة الأولى وكان يظهر كرهًا لليهودي ولغته ومهنته كان فاجين قاسيًا جدًّا فقد سدد اليهودي إلى كتفي أوليفر ضرية بالقضيب عنيفة (ص ۱۲۰) وأراد مواصلة الضرب لولا تدخل الفتاة نانسي التي كانت قد ساهمت في معرفة مكان الغلام عند تخلصه من العصابة وساهمت كذلك في اختطافه...
5- الخوف والركون في حالة مواجهة خصم قوي:
- عندما اشتد الشجار بين اليهودي فاجين والشابين اللذين كانا في صحبة أوليفر وعادا من دونه ضرب اليهودي أحدهما بقدر، وصادف هذا الأمر دخول سايكس وعندما لاحظ الأخير -وهو شاب قوي- ما يحدث قال لفاجين ما هذا الذي أراك منهمكا فيه أتسيء معاملة الغلمان أيها اللص العجوز الجشع الشحيح الذي لا يشبع؟ إني لأعجب لماذا لا يقتلونك لقد كان خليقًا بي أن أفعل لو كنت في مكانهم، لو كنت غلامًا يعمل في خدمتك إذن لأقدمت على ذلك منذ عهد بعيد ولن يكون في ميسوري بعد ذلك أن أبيعك لأنك لا تصلح إلا للوضع في زجاجة كنموذج نادر للبشاعة.
فلم يغضب اليهودي لأنه أمام شخص قوي وغاضب فقال مرتعدا منه: صه صه يا مستر سايكس، لا تتكلم بصوت عال إلى هذا الحد.
وعندما زجره سایکس رافضًا مناداته بمستر لأن نيته ليست صادقة في ذلك، رد اليهودي على كلامه في خضوع خسيس (كما وصفه الكاتب).
6- الغدر عندما تمس مصالحه:
عندما أخذ سايكس معه الغلام أوليفر لتنفيذ عملية سطو على بيت في ضواحي لندن حيث كان يحتاج في ذلك إلى ولد صغير الحجم لإدخاله عبر النافذة لفتح الباب الكبير، ولما فشلت العملية هذه، واضطر سايكس ورفيقه إلى ترك أوليفر في حفرة وهو مصاب هروبًا من المطاردة التي يقوم بها حراس البيت، عند ذلك غضب اليهودي فاجين بشدة لضياع الغلام وهدد بإفشاء أسرار تؤدي بسايكس إلى حبل المشنقة بالرغم من أنه شريك له في العمل وعنصر فاعل في العصابة، وقال لنانسي في استطاعتي بست كلمات ليس غير أن أسوق سايكس إلى المشنقة سوقًا لا ريب فيه (ص190).
7- الخوف الشديد من الموت:
إيمان اليهود باليوم الآخر والاستعداد له أمر شكلي جدًّا رغم أنه نظريًّا موجود في كتبهم، وربما يرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنهم ما زالوا شعب الله المختار مما يعني أن الجنة والأخرة مضمونة لهم. حتى إن بعضهم عندما يقوم بعمل فيه خير -وهو نادر- فإنه يرجو من الله المثوبة في الدنيا ويحرص اليهودي على الحياة حرصا شديدا ولقد قال القرآن الكريم فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96) أي حياة مهما كانت قليلة قذرة وحقيرة.
- ولهذا عندما قبض على فاجين اليهودي آخر الأمر وصف الكاتب ببراعة وإسهاب آخر ليالي فاجين وهو ينتظر تنفيذ الحكم الذي صدر بحقه بالإعدام شنقًا، فقد كان يهذي ويتكلم مع نفسه ويستعرض حياته السابقة ساعة ساعة.
وعندما زاره مستر براونلو -صاحب الدور الرئيس في كشف العصابة وإنقاذ أوليفر- بصحبة أوليفر لمعرفة مصير بعض الوثائق المتعلقة بالأخير وصف الكاتب حال فاجين بقوله: كان المجرم المحكوم عليه بالموت قاعدًا على سريره، متمايلاً ذات اليمين وذات الشمال، وقد غلبت على وجهه سيماء جعلته أقرب إلى وجوه الوحوش العالقة في الأشراك منه إلى وجوه بني البشر، كان ذهنه شاردًا يعيش في دنيا حياته الماضية (ص ٤٢٢).
- ولم يكن عند اليهودي وقت ولا عقل لتذكر دينه والتوبة فهو دائم الهيجان والتفكير في الموت ونهاية الحياة؛ ولهذا عندما أقبل رجال موقرون من أهل دينه للصلاة من أجله طردهم راشقا إياهم بضروب اللعنات وجددوا جهودهم الخيرة، ولكنه أوسعهم ضربا (ص: ٤٢٠).
هذه الصفات، رغم ما حملت من وصف لليهودي وبشاعته -في نظر هذا الأديب الغربي – فإن قراءة القصة وتتبع المكر واللوم الذي ظهر في تصرفات اليهودي يجلي الصورة أكثر، ويظهر من خلال كلمات الكاتب وأوصافه لليهود -في شخص فاجين- بوضوح السمعة السيئة التي كانت لليهود في المجتمع البريطاني.
ونحن إذ نورد هذه الصفات، فلسنا في حاجة إلى معرفة اليهود وصفاتهم؛ لأن في القرآن ما يكفينا من أخبار اليهود وخبثهم، وكيف لا وهم قتلة الأنبياء والصالحين، والمتحايلين على دين الله تعالى وأوامره، ولكننا نوردها على سبيل معرفة من هو هذا العدو الذي يحتل مقدساتنا، وما وزنه عند الشعوب الأخرى، ونتساءل بعدها كيف وصل إلى ما وصل إليه وكيف أجبر حكومات وعروشًا غربية على احترامه رقم تاريخه الطويل الحافل بكل ما هو شنيع وقذر في ذاكرة الشعوب وآدابها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل