; المجتمع الثقافي (1364) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1364)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999

مشاهدات 70

نشر في العدد 1364

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 24-أغسطس-1999

 مهرجان مؤتة الأول للثقافة والفنون في الأردن:

بديل حضاري عن العبث والرقص

عمان/ أسامة عبد الرحمن 

تزايد عدد مهرجانات الرقص والغناء بصورة كبيرة وغير طبيعية في الأردن خلال السنواتالماضية حتى أصبح الأردن من أكثر الدول العربية تنظيمًا لهذه المهرجانات التي اعتبرها الإسلاميون معاول هدم في أخلاق الأمة ولم يتوقفوا عن توجيهالنقد الشديد لها طوال السنوات الماضية.

وكانت البداية في مهرجان جرش الذي تم ترويجه كمهرجان ثقافي وفني، ثم ما لبث أن طغى عليه الطابع الفني وتهمش حيز الثقافة والأدب، ثم تزايد عدد هذه المهرجانات ليصل إلى خمسة تغطيإضافة إلى المدينة التاريخية جرش كلا من الزرقاءوالكرك والأزرق والفحيص، ولم يختلف طابع المهرجانات الأربعة اللاحقة عن مهرجان جرش من حيث غياب الأدب والثقافة وهيمنة الرقص والغناء والإسفاف.

أما مهرجان «مؤتة» للثقافة والفنون، فقد انطلق من فكر الأمة وتراثها وتاريخها المشرق، ولذا اختارت له النقابات المهنية الأردنية التي يديرها الإسلاميون، والتي وقفت وراء تنظيم المهرجان تحت اسم «مؤتة»، تلك المدينة الإسلامية التي شهدت معركة مؤتة، وكانت بداية للفتح الإسلامي لبلاد الشام.

 الفن الملتزم

 أهداف المهرجان كما يراها المنظمون هي إبراز الأدب والثقافة والفن الملتزم بقضايا الأمة، والمنطلق من تراثها وثقافتها، وكذلك تأكيد الدور الوطني والثقافي والاجتماعي للنقابات المهنية التي قالت: إن فكرة إقامة المهرجان انطلقت من إيمانها باعتزاز الأردن بعروبته وإسلامه وتقاليده العربية؛ ليكون المهرجان ملتقى للفن الملتزم الأصيل والثقافة الهادفة التي تعكس روح المجتمع بتقاليده وعاداته هذا، وقد تميز مهرجان مؤتة أيضًا بتنوع فاعلياته ما بين الندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر والنشيد الإسلامي ومعارض الصور والرسوم الكاريكاتيرية.

ففي مجال الفكر اشتمل المهرجان على ندوتين الأولى بعنوان «صراع الحضارات.. مؤتة نموذجًا» والثانية ندوة «العولمة والهوية الثقافية»، وشارك في الندوتين نخبة من المفكرين من الأردن ومصر، وفي مجال الأدب كان هناك ندوتان الأولى بعنوان: «الشاعر شهيدًا.. عبد الله بن رواحة وعبد الرحيم محمود نموذجًا، والثانية بعنوان قصيدة النثر نبتة متجذرة أم بذرة في الهواء».

وكان للشعر مساحة واسعة؛ حيث اشتمل المهرجان على سبع أمسيات شعرية شارك فيها عشرات الشعراء من الأردن والدول العربية كالشاعر عبد الرحمن صالح العشماوي من السعودية، والشاعر عمر الفرا من سورية، والشاعر خالد أبو خالد من فلسطين، وتعذر حضور كل من الشاعر سميح القاسم من فلسطين، والشاعر أحمد مطر المقيم في بريطانيا، والشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، وتراوحت أسباب الاعتذار ما بينالحرمان من السفر والارتباط بمواعيد مسبقة.

أما في مجال النشيد الإسلامي فقد شاركت في المهرجان ثماني فرق محلية هي اليرموك والنور والمدائن والبيادر والشراع وبدر والسراجوالحنين والمنشد محمد الحسيان من الكويت، والمنشدين نزار أبو الفدا، وعقيل الجناحي من قطر، والمنشد جاسم الهجرس من البحرين، والمنشد عماد الدقاق وفرقته، والمنشد عبد الرحمن عبد المولى وفرقته من سورية.

ومن فلسطين المحتلة عام ٤٨ شاركت فرقتا الاعتصام وأم النور، وتنوعت حفلات النشيد ولوحاته ما بين يوم الأغنية الوطنية ويوم للعرس الشعبي، وحفل الزجل الشعبي، ويوم أغنية المرأة والطفل والموشحات.

وعلى صعيد المسرح تم عرض العديد من المسرحيات، إضافة إلى عرض الفيديو والأسواق الشعبية للحرف اليدوية والتقليدية.

القائمون على المهرجان الذي يعد الأول من نوعه من حيث حجم المشاركة، وتنوع الفاعليات أكدوا عزمهم على عقده سنويًّا، مطلقين على مهرجانهم اسم «مهرجان مؤتة الأول للثقافة والفنون)، وقد استمر المهرجان الذي أقيمت فاعلياته في ست قاعات ومسارح طوال الفترة من ۱ - ۱۹۹۹/۸/۱۳م وافتتحه رئيس الحكومة الأردنية عبد الرؤوف الروابدة.

ومما يلفت الانتباه أن فترة انعقاد المهرجان جاءت متزامنة مع انعقاد مهرجان جرش أبرز المهرجانات الفنية في الأردن، وهو ما اعتبره الكثيرون رسالة مقصودة من المنظمين للمهرجان؛ حيث أرادوا أن يطرحوا بديلًا عن مهرجانات الرقص والغناء التي تشهد الكثير من التجاوزات على قيم الأمة وأخلاقها وعاداتها.

أحد المنظمين قال: إن إقامة مهرجان «مؤتة» كبديل حضاري عن العبث هو أفضل بكثير منالاقتصار على توجيه النقد لتلك المهرجانات دون أنيغير ذلك شيئًا. 

شاعر القدس إلى رحمة الله

غيب الموت واحدًا من الشعراء الإسلاميين المجيدين والدعاة إلى الله - عز وجل -، الأخ الشاعر داود موسی داود معلا.

لقد كان- رحمه الله- محبًّا عاشقًا لفلسطين بعامة - والقدس بخاصة التي ولد في مرابعها، ونشأ في دروبها، وامتلأت عيناه وقلبه بروعة روابيها، وكانت صورة الأقصى ماثلة دومًا أمامه إذا تحدث أو خطب أو قال الشعر:

إذا نظرت إلى الأقصى يعاتبني                                  أطاطئ الرأس في محرابه أدبًا

يا قدس أنت ندائي كلما دمعت                                عيني وأنت ضيائي كلما رحبا

وكان شعره- يرحمه الله- يقطر أسمى على ضياع القدس واحتلالها من أحفاد القردة والخنازير، يناديها ويذكرها ويصور مرابعها لأبناء هذا الجيل، الذين كادوا ينسونها، وينسون أنها مسرى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأولى القبلتين.

لقد كتب في صفحة الإهداء بديوانه «حديث الريح»، ما يلي:

إلى حبيبتي.. إلى القدس

إلى التي عفرت جبيني بترابها الطهور

طفلًا درج على ساحات حرمها

وفي مدارج حاراتها الداخلية

وعلى مدى فيئها البعيد

إليك .. يا حبيبة الأطفال... والشيوخ والشباب

إليك.. يا حبيبة الجهاد

مع كل حجر كريم، وكل حبة عرق سالت على جبين طاهر أمين

وكل قطرة دم زكية لونت ثراك المجيد

أقدم هذه العصارة من الكلمات

وكان هذا الحب للقدس والسعي لإذكاء جذوة الجهاد للعودة إلى الأقصى، وتطهيره من المحتلين مرافقًا له في كل أحواله، وكان يخشى ألا يعود إلى هذا الثرى الطاهر.

يا قدس ضميني إليك ففي يدي                                     جرح قديم لا يزال جديدًا

يا قدس ضميني فإني خائف                                          ألا أكون على تراك شهيدًا

لم يكن الشاعر داود المعلا مشهورًا برغم شاعريته القوية وشعره العذب، وصوره الآسرة؛ لأنه كان يكافح مثل الكثيرين الذين تركوا الديار وراحوا يلتمسون سبل الحياة المختلفة؛ لكسب العيش، ومن أجل ذلك ترك الدراسة وراح يعمل في مهنة البناء، ولكن حبه للعلم، وموهبته الشعرية ظلت حية معه تدفعه لإكمال دراسته، ولذلك عاد ليواصل دراسته أثناء عمله، وفي سن متأخرة حتى تخرج في الجامعة وهو فوق الخمسين.

صدر للشاعر ديوانان الأول: «الطريق إلى القدس» الذي أصدره في سنة ١٤٠٥هـ الموافق ١٩٨٤م.

والثاني: «حديث الريح» الذي أصدره في عام ١٤١٢هـ الموافق ١٩٩٢م. 

والشاعر يمتاز بالوضوح والقوة والعذوبة والسلاسة وجمال الصور، وله عدد من القصائد التي نشر بعضها في الصحف والمجلات.

يقول في قصيدة «الشجر المأسور:

عيناك يا قدس شيء ثم يجذبني                                      فيها فتغرقني أهدابها السمر

هات اعطفي ساعة أنسل من ظمئي                                 في غورها فتلافيني بها الدرر

أغوص فيها إلى الدنيا فأجمعها                                        وأصعد القمة الكبرى وأنحدر

رحم الله أخانا الفقيد، الذي قضى وهو يشد عزمات المؤمنين للعودة إلى القدس- وتحرير الأقصي، ويجدد أمل المسلمين في العودة.

ستلتقي حول نار النهر أذرعنا                                          وسوف يقفز من أقدارنا القدر

حتى نرى راية الإيمان تجمعنا                                         وينطق الشجر المأسور والحجر

ونسأل الله له المغفرة والرضوان 

محمد حسن بریغش 

القمر الأسير

 شعر: محمد أسامة أحمد حسين 

وتسألني نجوم الليل: من سيحرر القمرا؟
ومن سيدق ذاك الصخر كي يوري به شررا؟

ومن سيجير ذاك النور من أفواه تلك

الطغمة الحمقاء؟
يُطلق لي البدرا؟

ومن سيحيل همس الليل صرخات؟

ومن سيعيد للأموات نبضات؟

متى سيشب ذاك الشبل مثل أبيه؟

يترك مشية الظبي الجفول

يهب يزأر في وجوه مروضيه؟

أنا ها هنا العباس... حمزة ها هنا...

ما عدت غرا

ومن يسجد لرب الناس يمسك مقبض الفأس

يحطم هاته اللات.. يمرغ جبهة العزى 

يفك القيد منطلقًا

ينادي قومه: يا قوم قد أصبحتُمُ بشرا؟

ومن سيبدل الأحزان أفراحًا؟

ومن يذكي عبير الزهر فواحًا؟

ومن يفشي بذور الحب

يرویها بخفض جناحه لأخيه

قربانًا إلى الرب؟

أجبت النجمة الحيرى بوعد الله بالبشرى

فنور الله لن يطفا

فهذا وعده الأزلي لن يُخلف

وهذي سنة الله التي لا بد أن تعرف

سلي التاريخ يُنبئك بأن الظلمة اشتدت

وأن الحلكة اسودت

وأن حثالة التاريخ كم سادت

وأن حواضر الإسلام كم بادت

وأمسى البدر مذعورًا

وأضحى الفجر مأسورًا

ولكن قام أسد الله جاؤوا حرروا الفجرا

خضاب المسك من دمهم لعرسك زينوا القمرا

فلا يحزنك يا أختاه أن البدر قد غابا

وأن الفجر مأسور

وأن جحافل الطغيان تغلق للهدى بابًا

أسود الله باقية ستزأر في الورى يومًا

ترتل سورة الأنفال تقرأ آية السيف

تروي نبتة للأمن قد غرست وتقلع شوكة الخوف

وتعلنها مدوية: تخذنا سعد والمقداد

والقعقاع ألقابا

وسوف نحطم الأغلال إذ نركع

وسوف نحطم الأصنام إذ نسجد

وسوف نحرر الفجرا

وتهديك خضاب المسك من دمنا

به سنزين القمرا.

في ذكرى استشهاد سيد قطب

شعر: محمود الكسواني

أحق الناس بالمدح الشهيد                                                به تزهو القصائد والنشيد

يموت القاعدون بغير موت                                                وذكرى «سيد» تبقى خلود

كذا الجلاد لم ينجه مكر                                                     وغيبه عن الدنيا الصعيـد

ولكن «الظلال» أبى نضوبًا                                                  فطاب لنا لمورده الورود 

عرين لا يبيت الذل فـيه                                                      كدأب ضيوفه دوما أسود 

ولا يأس يدب بزائريه                                                           وتغفو في مرابضه الفهود

أضاء به «ابن قطب» كل درب                                              إلى التوحيد فاصطرخت ثمود

وما أن حاك في صدر «ابن آوى»                                            وساوس من يهود أو وعود

تكالب سافرًا وجه الأفاعي                                                      تؤازره على النبح العبيد

عبيد للتراب وللخطايا                                                           وجوه غابرات الطلع سود

وقد ساقوه للأعواد سوقًا                                                     ومـــا علموا تلقفه الخلود

تهلل «سيد للشنق» طوعًا                                                    فطبع الحر لا يفريه عـود

هزبر خضبته الروح شوقًا                                                       إلى الفردوس تحـمله الورود

وما كادت صلاة الفجر تخطو                                                   خطاها فاستضاء له المزيد

وظن القوم أن الفكر يفنى                                                        يُمزق بالخناجر أو يبـيد

فكيف صداه دب الشدو فيه                                                   يردده مع الوضع الوليد

شهيد قال للطاغوت «كلا»                                                     و«كلا» عند من نكسوا جحود

بكته القدس والأقصى تهاوى                                                  وعربد في مصلاه اليـهود

فصار العام عام الحزن حتى                                                     تزاحمت الهزائم و الوعود

أجزت رثاءه ذكرى لنفسي                                                        أحق الناس بالذكرى شهيد


 فاعلية القيم الإسلامية في الإقلاع الحضاري عند مالك بن نبي

• سبيل النهضة هدم القابلية للاستعمار وبناء حضارة.

• مهمة الإيمان: ربط الإنسان بمثل أعلى، وتنظيم غرائزه وتوجيهه، وتسديد إرادتهوفق الخير والجمال والفطرة.

• القيم الأخلاقية هي التي تكفل للمجتمع أن يتآلف ويتناصح ويتكافل.

بقلم: د. عبدالسلام الهراس (*)

أود أن أشير أولًا إلى أن مالك بن نبي هو نتاج الحركة الإصلاحية التي بعثها الشيخ عبد الحميد بن باديس في أنصع صورها، كما يعترف بذلك خلال بعض كتبه وأحاديثه، فهو مثلًا يهدي مقالته المعنونة بـ«الأفكار الميتة والأفكار القاتلة» لإخوانه أعضاء جمعية العلماء؛ لأنهم أصحاب الفضل في تكوين جانب كبير من العقل الجزائري، وفي تحضير رواد الثقافة في البلاد (۱)، وقد ظل الأستاذ مخلصًا لأصول تلك الحركة ومقاصدها الحضارية إلى آخر لحظة من حياته.

وكان يتمنى لو استمرت تلك الحركة الإصلاحية في خطتها التحضيرية بمنهجها التربوي، الذي یعنی بالتغيير النفسي الكفيل بحسم القابلية للاستعمار، وعلاج الذات من هذا الداء الوبيل؛ ليتحقق للأمة أن تنطلق في بناء حضارة جديدة إسلامية شاملة، كما كان حلم المصلحين الرواد، وقد انطلق مالك في تفكيره، إسلامي النبع، إسلامي البناء، إسلامي النتائج، إلى أن توفي يرحمه الله.

لمحة عن حياة مالك بن نبي 

كان مالك متوترًا... تربي كذلك وعاش كذلك، ومنشأ هذا التوتر رهافة حسه، وسلامة تكوينه الثقافي، واستقامة فكره وسلوكه، وشدة الضغوط عليه، وإعوجاج الحياة حوله، وشعوره الحاد بمفهوم أمته التي تنقض ظهره، وتؤود طاقته، ولكنه كان صامدًا صبورًا لا يمل من الكتابة والحوار والاتصال والنشاط بجميع الوسائل، بحثًا عن مسالك الخلاص لأمته، وسعيًا لتكوين طلائع الفكرة السليمة والأيدي المتوضئة.

لم يعرف مالك تلك التطورات التي عرفها بعض المفكرين الذين طافوا على تيارات الفكر، فاقتنوا من هنا أو من هناك، ثم تنبهوا أخيرًا لقيمة دينهم وتراثهم الحي تحت ظروف مختلفة، وبدوافع شتى بل قصد إلى الفكر الإسلامي قصدًا متشبعًا به منذ نعومة أظفاره، لذلك كان تصوره شاملًا غير تائه في الجزئيات، وكان- يرحمه الله- يشنأ السبيل واضحة الالتواء والضلال، محاولًا أن يملأ نشيده أسماع الدنيا، أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هنالك، مشيرًا إليها بأصبعه ها هم قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات؛ لكي تغطي الضجة على نبرات صوتك، وها هم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة؛ لكي يحجبوا ضوء النهار، ولكي يطمسوا بالظلام شبحك في السهل الذي أنت ذاهب إليه (۲).

مشكلة النهضة

نفذ مالك بفكره الشمولي العميق إلى جوهر القضية وحقيقة المشكلة، ولب الموضوع؛ ليجيب عن التساؤل المزمن: كيف ننهض أو متى ننهض؟، ومن رأيه أن السبيل الوحيد لذلك هو هدم وبناء، هدم القابلية للاستعمار، وبناء حضارة أو تخلية في المرض وتحلية بالعافية، لكن العالم الإسلامي كان يعمل منذ نصف قرن الآن مضى قرن على جمع أكوام المنتجات والأشياء؛ نتيجة لجهله بحقيقة مرضه، ومن ثم اتجه خطأ إلى علاج الأعراض، لكن بناء الحضارة يقتضي النظر في التاريخ لمعرفة حقيقة هذا البناء، فيرى أن هناك دورة خالدة للحضارة، كدورة الشمس، وأن لكل أمة دورتها، ورغم أن العالم الإسلامي أفلت شمسه منذ قرون فإن هناك فرصة لتعود إليه، ما دام الإسلام باقيًا، وما دام عنصره البشري ما يزال يحتفظ بشؤون فطرته واستعداده للقيام بدوره من جديد، كما يدل على ذلك حيويته خلال التاريخ، ويرى مالك أن هذه الحضارة لا تباع ولا تشترى ولا تصدر ولا تستورد، وإنما هي من تركيب لعناصر الإنسان والتراب والوقت، وليس لهذه العناصر من مركب سوى الدين يقول:

«فالحضارة لا تنبعث- كما هو ملاحظ إلا بالعقيدة الدينية» (۳).

دور الدين في تحقيق النهضة

فالدين إذن هو أساس الحضارة ومبعثها، ومحرك النفوس والإرادات والعقول لبنائها، وهو منشأ القيم التي تعمل- عبر السلوك والتفكير واليد- على بناء عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، والإسلام عقيدة وإيمان ينطوي على شعب وعناصر شاملة لعلاقات الإنسان مع ربه ومع نفسه، ومع غيره، ومهمة هذا الإيمان ربط الإنسان بمثل أعلى وتنظيم غرائزه، وتوجيهه وتسديد إرادته، وفق الخير والجمال والفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبذلك ينسجم الإنسان مع الأنظمة الكونية والقوانين الربانية التي تحكم هذا العالم المحيط بنا من الذرة إلى أضخم المجرات.

يقول الأستاذ مالك (٥): «إن الفكرة التي غرست بذرتها في حقل التاريخ فكرة دينية، ومعنى هذا أن «الظرف الاستثنائي» الذي يلد مجتمعًا يتفق في الواقع مع الفكرة الدينية التي تحمل مقاديره، كما تحمل النطقة جميع عناصر الكائن الذي سيخرج فيما بعد إلى الوجود، ومعنى هذا أيضًا أن شبكة العلاقات بكل ما تحتويه من خيوط وأطراف، والتي سيتسنى للمجتمع بفضلها أن يؤدي عمله التاريخي هي أنها تعتبر في حيز القوة داخل البذرة التي تشتمل على جميع أقدارها.

شبكة العلاقات الاجتماعية والروحية

فالدين- إذن- هو الذي ينشئ ويبني شبكة العلاقات الاجتماعية المنسوجة على سدى الشبكة الروحية، وتلك الشبكة هي التي تنهض بالمجتمع ليضطلع بمهمته في تعمير الأرض، بما يؤديه من نشاط مشترك مرتبط بمثل أعلى: «وهو بذلك يربط أهداف السماء بضرورات الأرض»، وهذا يتم إنجازه بالتغيير النفسي طبق الآية الكريمة:

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11).

والقيم التي اهتم بها مالك هي قيم الإسلام الذي هو مصدر تلك الحضارة، وتلك القيم ذاتها، وهذه القيم هي: الأخلاق والجمال والمنطق العالي والتكنولوجيا والإقلاع الحضاري المتكامل لا يتصور دون تلك الشحنات الروحية التي تنعكس في السلوك أخلاقًا واستقامة وتضحية وعلمًا وإتقانًا وتفننًا وإبداعًا.

يقول مالك (٦): «هذه الروح الخلقية منحة من السماء إلى الأرض. وثانيها: مع نزول الأديان عندما تولد الحضارات، ومهمتها في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 63).

فبهذا التأليف انطلقت الحضارة الإسلامية تكتسح العالم فتحًا للأرض والعقول، والأرواح والأذواق، وقد وصف الله هؤلاء الفاتحين بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ  ﴾ (سورة الفتح: ۲۹)، والقيم الأخلاقية بما فيها من حث على الفضائل، وتنفير من الرذائل هي التي تكفل للمجتمع أن يتألف ويتحابب ويتناصح ويتكافل، كما كان حال المسلمين، وكما يكون في الحقب التي تسيطر عليهم الفكرة الإسلامية (٧).

الأخلاق والقيم الحضارية 

إن الأخلاق لا تتكفل فقط بتقوية العلاقات الفردية للمجتمع، بل تزوده بحماسة الدفاع عن شبكته الاجتماعية، وهو في غمار أداء نشاطه المشترك في التاريخ، وتصل- أي الأخلاق- إلى ذلك بما تحققه من الإقلال من الآثار الطربية في ميول الأفراد الذين يكونون المجتمع كما تحقق نسبة عليا من الآثار الجذبية في الميول الجماعية، التي توحد الأفراد في المجتمع، وبهذا تتوحد السبل في سبيل واحدة، وصراط واحد، وهو الذي يعبر عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأعظم له بالرسم البياني الذي رسمه لأصحابه - رضوان الله عليهم-؛ إذ خط خطا مستقيمًا، وخط خطوطًا عن اليمين وأخرى عن اليسار، محذرًا إياهم- من تلك السبل المتفرقة التي يوجد على كل واحد منها شيطان يدعو إليها، حاثًا لهم على التزام الجادة والصراط المستقيم الذي هو صراط الله تاليًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام: 153).

ويرى ابن نبي أن التجربة التي سبقت منذ بزوغ فجر الإسلام يمكن أن تتكرر إذا ما وجدت رجال الفطرة، الذين لم تلوثهم عفونات التخلف، وفيروسات الحضارة الغربية، ومن أهم ثمار الأخلاق التي تحقق ما أشرنا إليه على الصعيد الفردي والجماعي الثقة المتبادلة، تلك الثقة التي تدفع بالفرد، وبالمجموع إلى البذل والتضحية والنصح والإيثار إلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي تميل كفة الواجبات على كفة الحقوق، وإن أي أمة زاد رصيدها من الواجبات على الحقوق ضمنت لنفسها رصيدًا عظيمًا من التقدم والنهضة والقوة والسيادة، وهنا نرى مالكًا يحث على هذا الخلق، خلق الواجب والعطاء والإيثار، الذي يجب تربية الفرد والمجتمع عليه من أجل تنمية اقتصادية تحقق

للأمة المستوى الحضاري اللائق في حلبة التسابق والتسارع المادي الهائل.

ويرى مالك أن من طبيعة المادة القصور إلا في الحيوان، فإذا تحركت المادة فإنها تتبع أيسر السبل كالماء، فهو يجري من فوق إلى أسفل، ولا يفعل العكس إلا تحت ضغط معين، والإنسان مجبول على بـ «اتباع المنحدر» إن لم تكن وراءه قوة دافعة إلى أعلى، كما يعبر القرآن الكريم: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (سورة البلد: 10-11) (۸).

قانون الحق والواجب 

إن السياسة التي تختار طريق المطالبة بالحقوق وهي السياسة التي تريد الطريق السهل، وتبعًا لذلك طريق التدهور، وهذا اختيار ضمني أو صريح لخلق الأخذ على خلق العطاء، أي خلق الحقوق بدل خلق الواجبات، ويترجم مالك ذلك بقوله: الحق بالاستهلاك والواجب بالإنتاج، ويقول عن الأثر الأخلاقي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية: والآن إذا عدنا إلى العلاقة الجبرية بين الإنتاج والاستهلاك واعتبرناها في ضوء ما قدمنا علاقة أخلاقية اقتصادية نستطيع النظر في احتمالاتها، فنراها تدل على حالات ثلاث يحقق المجتمع إحداها، حسب اتجاهه الثقافي فحسب تركيزه على مفهوم الواجب أو على مفهوم الحق تكون معادلته الاقتصادية إيجابية بفائض الإنتاج على الاستهلاك، أما إذا استوى الطرفان، فالمجتمع النامي المتقدم هو الذي يؤثر الواجب على الحق، أي العطاء على الأخذ والإيثار على الأنانية، أما الذي يتعادل عنده الحق والواجب فهو مجتمع الصفر، أي المجتمع الراكد، ويبقى القسم الثالث أو الحالة الثالثة، وتتعلق بالمجتمع المنهار الذي ترجح كفة استهلاكه على كفة إنتاجه، أي أنه يأخذ ولا يعطي أو يأخذ أكثر مما يعطي.

ويرى مالك أن تحويل مجتمع ما من خلق الحق إلى خلق الواجب، ليس بالأمر الهين، ولا يمكن إيجاده عن طريق المصادفة والعفوية، أو كما يزعم بعضهم بأنه يأتي مع الزمن؛ لأن التحويل ذلك لا يمكن إنجازه إلا وفق بناء ثقافي شامل يهذب الطبائع، ويبني العادات الحسنة، وينشئ البيئة الثقافية التي تغذي الصغير والكبير على التعلق بالواجب والتضحية ﴿وَقُلِ اعمَلوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ﴾ (سورة التوبة: 105)

أخلاقيات الاقتصاد والتنمية

إن ارتباط التنمية الاقتصادية بالتنمية الأخلاقية وثيقة، وقد تنبه لها أكثر الدارسين، وينقل مالك عن بعض هؤلاء في كتابه القيم: «الإسلام والتنمية الاقتصادية» ص: (۷۰ - ٧٥) ، كما تنبه بعض الغربيين لأثر الأخلاق في التنمية الاقتصادية في الإسلام مثل جاك شروي، الذي اعتمد أحيانًا على آراء مالك بن نبي، كما نوه بذلك في مقدمة الكتاب المذكور.

والإسلام بإدخاله قيمه الأخلاقية في الاقتصاد يكون قد تجنب ما وقع فيه الغرب من تناقضات ذلك الغرب الذي سيطرت فيه قيم الشهوات والنزوات على القيم الحقيقية، وقد لاحظ مالك هنا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد في الإسلام يقول:

«إن توافق الثروات والخدمات ذات القيمة الحقيقية يصبح الهدف الأسمى الذي يحققه الاقتصاد ذو الأخلاق» (۹).

ويرى مالك أن العالم الإسلامي بحكم استعداداته الأخلاقية الموروثة، يقف في منتصف الطريق متقدمًا الشعوب الأخرى إلى العالم الجديد؛ ليكون الإنسان العالمي، أو المواطن العالمي، لكن عليه أن يبلغ المستوى المادي للحضارة الراهنة، وهو متفائل بمال العالم الإسلامي تفاؤلًا كبيرًا يقول: إن تاريخه قد استعاد حركته ودبت فيه الحياة؛ إذ أصبح في وضع متحرك وتكشفت له بعض الآفاق منذ قريب.

ولا يتأتي لهذا العالم أن يؤدي رسالته ويسترد قيادته إلا من خلال مجتمع قوي في شبكة علاقاته الاجتماعية المتماسكة، إن قوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام، ولكن أي إسلام؟ إنه الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام حقيقي (١٠).

الفرد والمجتمع والدولة

وهذا التماسك الذي يعكس الإرادة الموحدة والتوجهات المشتركة لكل الأفراد ينعكس على الدولة نفسيًّا عندما تنبثق من صميم هذا المجتمع، فلا تكون حينئذ غريبة عنه، بل تكون ممثلة له، حاملة آماله وهمومه، وفية للميثاق الذي أخذته على عاتقها عند تحملها مسؤولية القيادة والإرادة، ويلح مالك على الدولة المسلمة أن تلتزم في سياستها بالأخلاق، فالسياسة من دون أخلاق ما هي سوى خراب للأمة (۱۱)، فهذه الأخلاق تضطلع بمهمة تغيير الإنسان، وذلك بضبط بناء عالم الأشخاص الذي لا يتصور بدونه بناء عالم الأشياء، ويقول في مكان آخر: إن ثورة ما لن تستطيع تغيير الإنسان إن

لم يكن لها قاعدة أخلاقية قوية (۱۲).

وبالقيم الأخلاقية المنبثقة عن عقيدة الإسلام يستطيع المجتمع المسلم أن يتحقق فيه التجانس بين الفرد والدولة؛ لأن هناك ثقة متبادلة، ومثلًا أعلى مشتركًا على مستوى الأفراد، وبينهم وبين الدولة، وبدون هذه الثقة لن تستطيع أي دولة أن تحرك الطاقات الاجتماعية الموجودة، وتوجهها في اتجاه معين نحو هدف محدد وتقتنع به أغلبية المواطنين، وتعي أهميته في بناء الدولة، ويقول: إن التعاون بين الدولة والفرد على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي هو العامل الرئيس في تكوين سياسة تؤثر حقيقة في الوطن (۱۳)، وبذلك تحقق هذه الدولة المكانة اللائقة بها في القرآن الكريم ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ( سورة آل عمران: 110) .

الهوامش

(1) في مهب المعركة، ص: ۲۷

(۲) شروط النهضة، ص: ۱۸

(۳) شروط النهضة، ص: ٥٠

(٤) نفسه، ص: ٦٧.

(5) ميلاد مجتمع، ص: ٥٢

(6) شروط النهضة، ص: ٤٨ .

(۷) نفسه، ص: ۹۰

(۸) المسلم في عالم الاقتصاد: ١٠٤

(۹) الإسلام والتنمية الاقتصادية، ص: (١١٤ – ١١٧)

(۱۰) شروط النهضة، ص: 90.

(۱۱) بين الرشاد والتنمية، ص: ٦٩.

(۱۲) نفسه، ص: ۲۱

(۱۳) نفسه، ص: ۷۱.

(*) كاتب مغربي

الرابط المختصر :