العنوان المجتمع الثقافي (1349)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 80
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 11-مايو-1999
إعداد: مبارك عبد الله
د. جابر قميحة:
فن هذه الأيام يتنكر لشروط الرقي والرسالية
الالتزام والواقعية وعدم التزييف والقيم الجمالية شروط أساسية للفن الراقي
لا بد من تكاتف الهيئات والحكومات من أجل إنتاج فني راق فالتمويل عائق أمام الفن الهادف
تجاهل الأعمال الهادفة جور إعلامي والموضوعية على حساب الجمال تعني فشل العمل الفني
حوار : هناء محمد «*»
حين شقت الحركة الإسلامية في مصر طريقها في الثلاثنيات الميلادية. كان المسرح من وسائلها الدعوية، وكثير من كبار المسرحيين حاليًا كانوا أعضاء فيها قبل أن يتركوها لينخرطوا في تيار المسرح التجاري اللا إرسالي.
إذن.. فللفن دور ورسالة، وهو ليس مجرد ترفيه أو إبهار، لأن الفن الراقي المستنير هو الذي يعالج قضايا الأمة ويعمل على نشر القيم والأخلاق ولكن الفن في واقعنا الحالي أصبح فنًا مبتذلًا، فعلى الرغم من التقدم التكنولوجي الذي يخدم الفن وانتشار الفضائيات، إلا أن الفن يبتعد يوما بعد يوم عن رسالته.
فما الدور الآن الذي يجب أن يقوم به الفن في غرس القيم في نفوس أبناء الأمة؟ وما المعوقات التي تقف حائلًا دون وجود هذا الفن الأخلاقي والقيمي؟ وكيف يمكن التغلب على تلك المعوقات؟ قضايا يثيرها حوارنا مع د. جابر قميحة- الأستاذ بكلية دار العلوم، والشاعر والأديب- وهو مراقب جيد للحركة الفنية العربية.
- بداية نود أن نعرف ما مفهوم الفن؟ وهل ينطبق هذا المفهوم على الفن الحالي؟
- الفن رسالة ذات قيمة، يعمل على تحقيق أهداف نبيلة من إبراز للقيم الأخلاقية والسلوكية على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي والمستوى العقائدي، والمستوى الإنساني، سواء كان هذا الفن فيلمًا سينمائيًا أو مسرحية أو قصة.
أما الفن في واقعنا المعاصر، فهو لفظ دلالته غير حميدة، وأصبحت كلمة فنان تعطي ذات الإيحاء أو على الأقل يغلب عليها الإيحاء غير المستساغ، وذلك بعد أن رأينا أعمالًا أدبية وقصصية وتلفازية وسينمائية هابطة جدًا تسئ إلى الأخلاق، بل تحطمها تحطيمًا.
- إذن.. هل فقد الفن سماته التي تعينه على أداء رسالته وما الدور الذي يمكن أن يقوم به الفن في غرس القيم الأخلاقية؟
- لكي يقوم الفن بدوره يجب أن تتوافر فيه بعض الملامح والسمات الآتية:
- الالتزام بما يسمى قانون النظام العام وهذا يعني قيم المجتمع وأعراضه من النواحي العقائدية والسلوكية، والعادات والتقاليد الداخلة في نطاق السواء والسلامة، ولا يدخل في هذا النطاق ما كان شاذًا.
- عدم الاصطدام بالقوانين والنواميس الكونية والتراثية والتاريخية، لأن هناك أعمالًا فنية تلوي عنق التاريخ في سبيل توظيف الحقائق التاريخية لخدمة «أيديولوجية» معينة، وأضرب مثالًا لذلك فيلم الناصر صلاح الدين «وهو فيلم أنفق عليه ببذخ» نجد أن صلاح الدين الأيوبي يردد كلمة العرب والعروبة طوال الفيلم، وهذا مثال للتشويه التاريخي، ولي لعنق التاريخ وتوجيهه توجيها أيديولوجيًا، وهذا مرفوض، لأن صلاح الدين كان كرديًا ولم يكن عربيًا، والهدف من قيامه بتلك الحروب هو الانتصار للإسلام لا للعروبة ولا القومية، كما أن جيشه معظمه من التراكمة الذين لا يتكلمون العربية، والخلاصة أن الجيش كان جيشًا إسلاميًا، قبل أن يكون عربيًا والخطاب كان خطابًا إسلاميًا لا عربيًا ولا قوميًا.
- مراعاة واقع الحال بمعنى أن يكون العمل الفني مناسبا للواقع المعاش حتى يتحقق الهدف الذي يرمي إليه العمل الفني. بمعني آخر يجب ألا يكون هناك انفصام بين العمل الفني والأوضاع الاجتماعية والأبعاد النفسية للناس.
ونجد ذلك واضحًا في بعض الأفلام السينمائية التي تعرض مشكلات لفئات معينة بعيدة عن منظور الشعب ومنظور العقلاء، فمثلًا في أحد الأفلام نجد شخصية الأخ الذي يعمل على التقريب بين أخته وشاب يحبها حبًا محرمًا ويحاول أن يطلقها من زوجها ليزوجها ممن أحبت.
- كذلك مراعاة الجانب الجمالي والخدمة الفنية والشكلية للعمل الفني حتى تتوافر القابلية عند المشاهدين والقراء.
تقييم للفن الحالي
- في ضوء هذه السمات.. كيف ترون الفن الحالي؟
- الفن الحالي يغلب عليه طابع الهبوط والاصطدام، بل التنكر الكامل لما ذكر من شروط سابقة. فهناك من الأعمال المسرحية ما ينسف كثيرًا من القيم من احترام للمربي، سواء كان أبًا أو مدرسًا، وإذا نظرنا إلى الأدب نجد أنه باسم التنوير ينشر كثير من الأعمال الضعيفة المناقضة للدين والقيم والضمائر، وهناك الكثير من القصص التي لا يتسع المجال لسردها، وأقول: إن هذا الاتجاه جزء من مخطط لتخريب الشباب العربي سياسيًا واجتماعيًا وشده بعيدًا عن التفكير في الواقع المر الذي يعيشه الوطن العربي.
ولا ننسى أنه عقب نكسة عام ١٩٦٧م روجت الأفلام الجنسية، وكان يتم عرضها في السينما. وأشارت بعض المصادر حينذاك أن مسئولين كبار منهم رئيس المخابرات تعمدوا عرض مثل هذه الأفلام حتى ينشغل الشباب عن النكبة.
معوقات الرسالة
- في رأيكم ما المعوقات التي تحول دون ظهور أعمال فنية صالحة؟
- من أهم المعوقات من وجهة نظري الاهتمام الأول والأخير بالجانب الموضوعي وإغفال الجانب الفني والجمالي، اعتقادًا من منتجي هذه الأعمال أن «الموضوعية الراقية» تكفي لإنجاح العمل الفني السينمائي والمسرحي، ولكن الواقع أثبت خطأ هذا الاعتقاد، فمثلًا كانت هناك أعمال راقية موضوعيًا، ولم يكتب لها النجاح مثل: فيلم «خالد بن الوليد» والسبب أنه فيلم فقير فنيًا مما أفقده الجانب الجمالي الجذاب.
بينما نجد فيلمي عمر المختار والرسالة روعي فيهما الجانب الفني الجمالي فحققا نجاحًا كبيرًا.
ومن المعوقات أيضا فردية الإنتاج بمعني أن المنتجين أفرادًا أو شركات محصورة ومحدودة الإمكانات، وكذلك المباشر به في معالجة الموضوعات، بمعنى أن معالجة الموضوع تتم بطريقة المواجهة الملتصقة بشحن العمل الفني بكثير من الحقائق الدينية والتاريخية الصريحة وكان يمكن عرض تلك الحقائق أو القيم بطريقة غير مباشرة وبدون ذكر المصطلحات والمقولات الإسلامية النصية حتى نستطيع أن نقنع المسلم وغير المسلم بالمضمون المعروض دون أن تصطدم بحائط نفسي من المشاهدين أو القارئين.
عدالة وسائل الإعلام
- كيف يمكن التغلب على تلك المعوقات؟
- أولًا: تكاتف الهيئات والحكومات من أجل إنتاج العمل الفني الإسلامي ليأخذ طريقه إلى العالم خدمة لديننا وتاريخنا وقيمنا، وكذلك صدق الهمة والعزيمة القوية القادرة على إنتاج أفلام وأعمال فنية ذات قيمة.
وأيضًا لا بد من أن تراعي وسائل الإعلام العدل، فهي تتعمد إغفال الإبداعات القصصية والمسرحية للأدباء الإسلاميين، مثال «نجيب الكيلاني» فله عشرات الأعمال الروائية وبعض المسرحيات زيادة على ما له من تنظيرات للأدب الإسلامي، ومع ذلك تمر ذكرى الكيلاني ولا نجد كلمة واحدة عنه لا في الإذاعة ولا التلفاز.
نريد عدالة إعلامية رشيدة، لأن الإعلام ملك للشعب وليس ملكًا لحزب أو هيئة أو أشخاص يدعون الاستنارة .
«*» مركز الإعلام العربي.
خمسون عامًا
شعر: عبد الرحمن بارود
من نصف قرن نجوب الليل واخجلا! نهيم بين المنافي تحمل الجبلا
تلقي عواصف سيبريا الثلوج على رؤوسنا. والضواري تقطع السبلا
يا نازح الدار نحن الراحلون إلى بطن الثرى وسواد الليل ما رحلا
لا يرقا الدم من جرح نصاب به إلا وينكأ جرح بعدما أندملا
إذا تدفق.وانهلت مدامعنا تدفق الذهب الإبريز للعملا
ضاقت بأبنائنا الدنيا بما رحبت فهل فلسطين غول: تأكل الدولا؟
يا للطريد الفلسطيني تنهشه الذ وبان في التيه يجري حائرًا وجلا !
تدور في عينه الدنيا. فتحسبه مما تجرع من كأس الردى ثملًا
ممزق في الشتات المر يُسْلِمُهُ الذاريات هشيمًا في سماء فلا
خمسون عامًا من التشريد يا وطني جرداء أهلكت الأفراس والإبلا
والقدس تصرخ في سوق الرقيق وسل قيدًا على العظم كم من لحمها أكلا؟
ليوشك الجرمق البيضاء هامته ينقض مثل شهاب الليل مشتعلًا
تناوح الريح في تلك الجنان وقد هوت بنات الثريا للثرى طللًا
سقيا لحيفا وعز الدين.. يوم غدًا كل ابن عشر يصلي خلفه بطلا
يا من يقامر بالأوطان مفتخرًا شيلوك أوردكم مستنقعًا وحلا
عدتُم بعش زنابير فتكن بنا ولم تذق «غزة»، سمنًا ولا عسلا
لما نبأ صارم السفاح في يده ألقى إليكم به كي تعقروا الجملا
سجنان في السجن بل قيدان في قدم ونحن قتلى. وكل منكما قتلا
أشعلتم النار في دور محرقة والبحر يشكو إلى الرحمن مبتهلا
أوراق لاعبكم طارت مولولة وطار شعب عليكم علق الأملا
طال التسكع في نادي القمار. وما زال الغشاء على العينين منسدلًا
عشاق تل أبيب.. لا أبا لكمو فاجروا فإن لكم في ليلها شغلًا
دستم قداسة فردوس الشام كان لم تسمعوا أو كان الوحي ما نزلا
لم يعطها قطري دربي للقرود ولم يختر سراحين جوعي تأكل الرسلا
أما وقد باعها من ليس يعرفها. فابنوا بسحت قصور العار والفللا
ويا فتات شتات. حيثما وجدوا يصارعون رحى الأيام حيهلا
مدوا حبال الهدي من بعده ما قطعت مولاكم لم يتم عنكم ولا غفلا
لكن يُغربل هذا الناس غربلة ويصطفي للخلود الدر منصقلا
تحلقوا یا ندامى حول مائدة من السماء بها تحيون بعد بلى
يفنى الزمان ولا تغني عجائبها يمدها أدب يدعو لها الجفلى
برشفة من رحيق الخلد ترشفها ترقى السما ملكًا لا يعرف العللا
فإن تطاولت الأسفار يا ولدي كن ثاني اثنين بالرحمن كي تصلا
أو أغلق الناس أبواب الرجاء فسل من لا يرد عن الأبواب من سالا
كن شمعة يا فتى كن في الدجى قمرًا أو كوكبًا تضرب الدنيا به المثلا
الهون ولا تشبه بأشباه الرجال فكم في الناس من أرنب يدعونه رجلًا
وعد مَنْ جَعَلَ الدولار مُصحفه في الميتين وإن لم يبلغ الأجلا
فدي لعينيك ربيون ما وهنوا تحددين بهم أيامك الأولا
خضر الطيور هم العليا منازلهم كل يُغرد في قنديله جذلا
يأبى لنا الهون من أم القرى نسب تبوأ المسجد الأقصى له نزلا
يا ساري الليل من قسامنا قدمًا خمسون عامًا وعنا العار ما غسلا
رمى الغذائي ليث السلم مدفعة فجره المعتدي من الله حملا
تمحي فلسطين محوًا نصب أعيننا ورغم خمسين قرنًا تصبح الدخلا
فسق إليهم جبال النار من سقر وجاز سفاح صهيون بما فعلا
المجتمع الثقافي
قراءة نقدية في ديوان «مدائن الفجر»
للشاعر الإسلامي صابر عبد الدايم
بقلم: محمد شلال الحناحة «*»
أضحى الشعر الإسلامي قادرًا على إضاءة دواخلنا الحزينة، رغم ركام الواقع الذي يحاصرنا أضحى قادرًا على الشدو، وبث التفاؤل أمام النوافذ المؤصدة بالأسى فهل يطمح ديوان «مدائن الفجر» للشاعر الإسلامي المصري صابر عبد الدايم لهذه البشرى؟
صدر الديوان عن دار البشير في عمان ضمن منشورات رابطة الأدب الإسلامي العالمية لعام ١٤١٤هـ-١٩٩٤م في ثلاث وسبعين صفحة من القطع المتوسط وشاعرنا الدكتور صابر عبد الدايم له عدة دواوين شعرية وأكثر من كتاب نقدي وادبي، وهو أستاذ جامعي في جامعة الأزهر، وعمل أستاذًا بجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وهو عضو برابطة الأدب الإسلامي، وممن لهم نشاط طيب في إثراء مجلتها الرائدة شعرًا ونقدًا.
يزخر هذا الديوان بالروح الإيماني، ويبدو ذلك واضحًا من خلال عناوين قصائده العشر: «مدائن الفجر»، وا إسلاماه أقباس من ملحمة الإيمان أعراس الشفق، محمد ورحلة اليقين، نقوش على جدران المسجد الأقصى، السفينة والطوفان».
ومن هنا نجد قصائده مفعمة بالرؤى الإيمانية الوجدانية، والفاظه ومعانيه تحفر في نخاع المواقف السامية والأخلاق الفاضلة، يقول في قصيدته «مدائن الفجر»:
فهل تعود كما كنا بني رحم
نقضي على هاتف في النفس قسام؟
نعود من غربة للتيه تطعمنا
ونرقب الفجر يأتي بعد إظلام
ونحمل السيف في كف موحدة
تذود عن وطن في فك إجرام
ترنو لبدر وفجر الحق في أحد
تهفو إلى «أسد» للشرك قصام
فمن هناك تعود الآن قافلتي.
وتبصر الفجر في أفاق إسلامي
تعود في: ثبج الإيمان سابحة
والموج حول ضياها مثل أعلام «1» إن إلحاح الشاعر على الفعل «نعود» حيث كرره أربع مرات في ستة أبيات، ليحملنا إلى عطر الماضي المجيد الماضي الذي بناه سلفنا الصالح بتضحياتهم وبطولاتهم، ومن هنا نرشف الأسئلة الموجعة المتقاطرة التي يشهرها الشاعر صابر عبد الدايم مرددين: فهل نعود كما: كنا بني رحم؟! ولأن العودة إلى أمجادنا وانتصاراتنا قادمة بإذن الله، والمستقبل لهذا الدين كما أخبرنا المصطفى ﷺ تكرر الفعل «نعود» في كل بيت من أبياته عبر صيغ متنامية تستحضر التاريخ وتحاور رموزه كقوله:
ترنو لبدر وفجر الحق في أحد
تهفو إلى «أسد» للشرك قصام
ويمكن بجلاء ملاحظة قدرة الشاعر علي تفعيل الهم الجماعي في استخدامه ألفاظًا موحية: «نرقب، تبصر، تذود، نقضي». ولقد وفق الشاعر بربط الجزء الأول من القصيدة بأفعال ماضية موحية بالأسى إشارة إلى واقع الأمة المؤلم المجزأ، فنجد الأفعال: «كنت»، صرخت، حطمت، وعيت، كما يتضح فيها الإسناد الإفرادي، بينما جاءت القصيدة في جزئها الثاني تنبض بأفعال حاضرة عبر إسناد جماعي مكثفة نسائم التفاؤل والانتصار القادم الموعود بإذن الله.
أما قصيدة «وا إسلاماه» فهي تضيء من مواجع الاستلاب ومحاولة طمس الهوية، وهي تفجعنا بتفاصيل حزنها وجراحاتها في أكثر من موضع، فالنداء في عنوان القصيدة يفجر في قلوبنا مواجع عدة، لما فيه من استغاثة وألم. وعمومًا فالقصيدة تقوم على صوتين متقابلين، صوت الليل وما فيه من آلام ورياح شيطانية عاتية، وحيل ثعبانية، وظلال واهمة، والصوت الثاني صوت الفجر القادم وما يحمله من ملامح قرآنية، وحدائق إيمانية، ورايات إسلامية وزرافات الشهداء، ولذا فالقصيدة في فضائها ترنو لاستثمار مدخراتها الإيمانية الرقيقة من خلال التكثيف الحي المشرق في نهايتها لتسكب وهجها الذي ننتظر، فيلبس الشاعر الظلال المعنوية ظلالًا حسية قادرة على شحننا بومضات مشرقة، وحسبنا قوله: «والفجر على أبواب مدائننا يرفع رايات إسلامية» «2»، وإذا كان العمل الأدبي قطعة حية من وجدان الأديب ومشاعره وأحاسيسه وروحه ونفسه «3»، فإن هذا الوجدان يغدو وجدانًا جماعيًا في قصيدة «أعراس الشفق» لشاعرنا صابر عبد الدايم حيث يمضي بنا إلى عطاءات الشهداء إلى المآذن في سراييفو والقصيدة في جوها العام تؤرخ لحدائق الشهادة ليعاد المجد الكليم رغم الأسى وهي تستضيء منذ البداية بالقرآن الكريم لفظًا ومعنى، وجاءت هذه الاستضاءة عفوية أشعلت فينا الحنين إلى الجهاد لتحرير الوطن الإسلامي من براثن الكفر أينما وجد، وتغدو لازمة القصيدة المكررة في أكثر من موضع نفيرًا يقودنا إلى النفير:
وإلى ربا الفردوس كل قوافل الشهداء
كالأشجار تصعد
لتعود بالقرآن كونًا قد توحد
كل المسافات انتفاضة أمة تهوى محمد
كل الدماء حدائق
تهدي عطاياها محمد «4»
وتزيدنا القافية الدالية الساكنة اشتعالًا مع الأحداث الدامية في تلك البقعة التي ستظل بوابة الإسلام إلى أوروبا بإذن الله، ومن هنا كانت الهجمة أعظم شراسة:
«في سراييفو الجماجم شكلت
سحب الدماء الداكنة.
شادت من الأشلاء مئذنة وقبة» «5»
هكذا تسطع الرؤية الإسلامية والروح الحماسية عبر هذه القصيدة من خلال المفارقات المفجعة والصور الشعرية الموحية المتقدة والألفاظ ذات الدلالة الإسلامية، فالمآذن، والسماء والمعجزة، والهدى، والرايات والسورة والذكر. والفتح، والآي، والعقيدة، والقرآن، تظل الفضاء اللغوي الذي تتنفس القصيدة من خلالها، وتأتي عبر صياغات مؤكدة أو مكررة تفيض علينا بشموس الحق.
وترف قصيدة «أقباس من ملحمة الإيمان. بأشواق عميقة صافية لهذا الدين، وقد جاءت هذه الملحمة الإيمانية في ثمانية عناوين، بدأها بابتهال ذاتي صاف، ثم التأمل واليقين، وفي العنوان الثالث يحدثنا عن معجزة القرآن الكريم في كل العصور، ويعرج بنا بعد ذلك إلى بدر الانتصار والحق، ثم بدر الوجه والقناع، ففتح مكة وبعدها ليلة القدر، وأخيرًا يختمها باليقين والوصول، في هذه القصيدة بوح وجداني عما في النفس من رؤى ومواجع وهي في كثير من أجزائها تستحضر تاريخنا الإسلامي وتنفذ إلى أمجاده عبر شفافية الروح وسمو النفس متكئة على الحوار والتشخيص، ويشدو الشاعر محاورًا مكة، مكة التي ستبقى عزًا لهذا الدين بإذن الله مكة الفتح المبين:
فخاطبتها والقلب يهدر عزة
سلام على العذراء سامية الشأن
فمدت يديها واستثارت مشاعري
فذوبت فيها ضوء شعري وألحاني
وقالت رعاك الله أنت متيم
بكل جميل في حياتك فنان
وللمثل العليا فؤادك عاشق
وعبرت عنها في الحياة بأوزان
فخاطبتها والروح تشدو بسعدها
أيا أخت إن الناس في الناس في الكون صنفان
فصنف يروم العز لو ضاع عمره
لهان عليه لم: يعش عيش جرذان
وصنف له الدنيا مغارة مغنم
فما شرفًا يبغي ولا أي عنوان
وما تبسم الدنيا لغير مدافع
عن الحق ما يخشي سوي وجه رحمان «6»
في هذا الحوار النقي المنطلق إلى عالم نوراني مشرق تنضح الحكمة الإسلامية، وهذه الحكمة تنهل من معين تراثنا المجيد وقيمنا الإسلامية المثلي، وتظل عناصر الحكمة الحية تميز قدرًا كبيرًا من قصائد شعرائنا «7»، وهي حكمة تحمل تجربة عميقة صادقة ليظل الهم ساميًا واحدًا مهمًا تفصلنا المسافات.
أما اللغة عند شاعرنا صابر عبد الدايم فهي لغة بسيطة معافاة من التعقيد والغرابة.
كما يبرز لديه جلاء الصورة الشعرية وقربها إلى أذهاننا، وهي تنحو منحى الاستعارة والمجاز في كثير من الأحيان سواء كانت صورًا حسية أو معنوية «فذويت فيها ضوء شعري وألحاني».
وإن كان الأدب في شموله انطلاق من عالم الضرورة، وشوق مجنح العالم الكمال وثورة على آلية الحياة «8»، فإن الأدب الإسلامي سيظل من النماذج الفذة في حنينه وتجسيده لعالم الفضائل ومن هنا نقرأ قصيدتي «أين الطريق إليك». و«محمد ورحلة اليقين»، فهما يرشفان حزنًا مورقًا عبر نبضهما المتجدد ونداءاتهما الجارحة وفضائهما المؤجج بالاستفهام، وثراء الخطاب الشعري المتنوع المتكئ على وهج التاريخ والبوح الوجداني الشفيف تجاه الفضائل الإيمانية التي تسمو بإنسانيتنا!! يقول في قصيدة «أين الطريق إليك»، مخاطبًا رسول الله ﷺ:
ولقد نسينا والهوان سعى بنا
للذكريات ولم نعش ذكراكا
حتى غدونا للذئاب فريسة
والغاب شرعة كل من عاداكا
أنظل في قلب الجليد بلا هدى
يحيي موات قلوبنا لتراكا
أين الطريق إليك في زمن تنا
فس كل ما فيه لمحو خطاكا
لكنها في الأرض أصل ثابت
وفروعها تتبوأ الأفلاكا «9»
هذه النزعة الروحية في القصيدة، هذه المحبة للمصطفى تأتي عبر أشواق صوفية رقيقة بعيدة عن الانحراف والمغالاة، وتتفتح القصيدة عن ذلك التوق الشفيف لتمثل خطى النبي ﷺ، وسيرته العطرة وليست غريبة هذه النزعة الروحية وهذا التحليق في عالم الأشواق إلى الفضائل وأنوار الهدى، فالأديب الحق يعرف من أسرار الحياة ويسمع ما ترتله أصباحها وأمسياتها وهمسات لياليها ونفحات أسعارها ما لا يدري به الناس إنه يحس الكون إبداعًا جميلًا ساحرًا لرب حكيم لطيف «10»
يقول في قصيدة: «محمد ورحلة اليقين»
هو الفضيلة في أسمى مراتبها
وإن تبدت غدت لا تعرف مراتبها
هو الضياء الذي ماجت أشعته
بالنفس حتى غدت لا تعرف الوصبا
يا رحمة مزقت أنوارها سدفًا
من الضلال وشادت كل ما كتبا «11» إن أدبنا الإسلامي أدب عقيدة، وهو يحمل بذور خلوده وصحته وسلامة رؤاه، فإننا نعتبر العقيدة سلامة في الرؤية وامتلاء بالروح وصحة في الوجدان وبعدًا عن الانحراف والإفساد، وقدرة على الانطلاق في تصور رباني إسلامي سدید «12».
وتبرق قصيدة نقوش على جدران المسجد الأقصى، بأقباسها من فلسطين، من هناك حيث المسجد الأقصى لم يزل أسيرًا جريحًا يئن تحت نير الاحتلال اليهودي البغيض، أما السلام المزعوم فهو الاستسلام والخنوع، أما السلام الحقيقي فيغدو مبتور اليدين مع يهود، وذاك منبر القدس يكبر هاتفًا مستغيثًا بالمسلمين:
إن أحرقوه وهدموا محرابه
فيكي وهم سمعوا الأنين فصفقوا
فالثأر يزحف في انتفاضة أمتي
وبعزمة الأحرار قلبي يشهق
والمنبر القدسي كبر هاتفًا
والغرب صم وقد وعاه المشرق
ماتت قضايانا بمجلس أمنهم
وضميرهم للزور دومًا يلعق
لا عدل لا إنصاف في زمن يسام
الحق فيه وبالضلال يطوق
«الله أكبر»، في الشدائد مدفعي
بالنصر برق ضيائها يتدفق «13»
الهوامش
- الديوان من ص ۹-۱۰.
- انظر قصيدة وا إسلاماه، ص ۱۳.
- انظر كتاب الأدب الإسلامي ضرورة د. أحمد محمد علي «عبده زايد» ص ٦٤.
- انظر الديوان ص ۲۱.
- انظر الديوان ص ۲۱.
- انظر الديوان ص 35، 37، 38.
- لعلنا نفرد دراسة نقدية خاصة بالحكمة في شعرنا الإسلامي في المستقبل بإذن الله.
- محمد قطب، منهج الفن الإسلامي ص ٣٢.
- الديوان ص ٥٠، ٤٩.
- محمد حسن بريغش في الأدب الإسلامي المعاصر ص ١٥.
- الديوان ص ٥٤.
- د. محمد صالح الشنطي، في الأدب الإسلامي. قضاياه وفنونه ونماذج منه ص ٣٧.
- انظر الديوان ص ٥٨.
مسابقة مكتبة الشيخ علي آل ثاني- تتناول الأسرة المسلمة والتعليم
أعلن مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، عن موضوعي جائزة مكتبة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني العالمية- وقيمتها ٧٥ ألف ريال قطري لسنتيها المقبلتين ١٤٢٠هـ- ٢٠٠٠م، ١٤٣١هـ-۲۰۰۱ م.
وأعلن المركز عن موضوع «الأسرة المسلمة في العالم المعاصرة» كعنوان لجائزة ١٤٢٠هـ -٢٠٠٠م، وفق الأطر التالية:
- الأسس الشرعية لبناء الأسرة.
- الأسرة في مرحلة القدوة العهد النبوي والخلافة الراشدة.
- دور الأسرة في التربية والنهوض الحضاري. تحديات تواجه الأسرة داخلية وخارجية، وسبيل التحصين.
- رسالة الأسرة المسلمة في عالم اليوم.
كما أعلن موضوع إشكالية التعليم في العالم الإسلامي، كعنوان لجائزة ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م، وفق الأطر التالية:
- التعليم المحور الأساسي للتنمية والنهوض الحضاري.
- أبعاد الإشكالية البعد السياسي والإعلامي، والثقافي والاجتماعي، والمنهجي.
- عجز التعليم بمؤسساته المختلفة عن تحقيق أهدافه، مواطن الخلل وأسباب العجز.
- دور مؤسسات البحث العلمي ومراكز الدراسات في البناء التعليمي.
- وسائل التصويب، وكيفية النهوض ويشترط في البحوث المقدمة، أن تكون قد أعدت خصيصًا للجائزة، وألا تكون جزءًا من عمل منشور أو انتاج علمي حصل به صاحبه على درجة علمية جامعية، وأن تتوافر في هذه البحوث خصائص البحث العلمي، من حيث المنهج والإحاطة والتوثيق، وسلامة الأسلوب والجدة والابتكار.
ويقدم البحث باللغة العربية، من ثلاث نسخ مكتوبًا على الآلة الكاتبة، ويفضل أن يكون مكتوبًا على الحاسوب على ألا تقل عدد صفحاته عن مائتين وخمسين صفحة A4× ۲۲ سطرًا ×۱۲كلمة».
ويرفق مع البحث ترجمة ذاتية لصاحبه، وثبت بإنتاجه العلمي المطبوع وغير المطبوع، بالإضافة إلى صورة جواز السفر، وصورة شخصية حديثة علمًا بأن آخر موعد لتسلم بحث «الأسرة المسلمة في العالم المعاصر » هو شهر أبريل عام ٢٠٠٠م.
وأن آخر موعد لتسلم بحث «إشكالية التعليم في العالم الإسلامي» شهر فبراير عام ٢٠٠١م. وترسل البحوث بالبريد المسجل على العنوان التالي:
صب: ۸۹۳ - الدوحة – قطر
أو البريد الإلكتروني:
Islam. gov.qa@M– Dirasat
«*» عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية