; المجتمع الثقافي (1323) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1323)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1323

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

نحو أدب إسلامي عالمي جديد (1 من 2)

الأدب الإسلامي يتميز بالواقعية العلمية.. ولا يتنكر للضعف البشري.. لكنه لا يبالغ في تبريره

دراسة بقلم: د. سليمان صالح (●)

تواجه الأمة الإسلامية في هذا العصر غزوًا ثقافيًا، يهدف إلى استمرار التسلط والهيمنة الاستعمارية على هذه الأمة، وربطها بالفكر الغربي، ومنعها من التحرر والتقدم.

وكان الأدب ولا يزال - من أهم المجالات التي خصصت لهذا الغزو، وقد تكفّل الأدباء العرب الذين تربوا على الثقافة الغربية، وأصبحوا نجومًا في عصر التبعية والانكسار بتحقيق أهداف الغرب الاستعماري مجانًا في أغلب الأحيان.

فقد سعوا إلى عرض النموذج الغربي الأدبي للجماهير باعتباره النموذج الأمثل تحت شعارات التمدين والتحديث، والتجديد، والمعاصرة، بينما كانت تلك أسماء لمسمى واحد هو التغرب أو التبعية، التي كانت السمة الغالبة لمعظم الإنتاج الأدبي العربي خلال قرن كامل من الزمان.

وفي مواجهة هذا الطوفان من الأدب المكتوب بلغة الغرب، والمنفصل عن طموحات أمة تجاهد من أجل التحرر والتقدم، برزت دعوة جادة ومخلصة إلى التمسك بالهوية والذاتية الثقافية، والمشاركة الراعية في صنع الحضارة العالمية من موقع المستقبل المتحرر المدرك للتميز الحضاري والإنساني. 

وقد أدرك أصحاب هذه الدعوة أن الإسلام هو هوية هذه الأمة، وذاتها، والمرتكز الأساسي الذي قامت عليه حضارتها الأولى، ومن ثم فإنها لابد من أن تعيد تشكيل مستقبلها على هداه، وإلا فالبديل الوحيد هو الانسحاق في أحضان الغرب، والانكسار النفسي والحضاري أمام تقدمه المادي، واستمرار سيطرته إن لم يكن بجيشه وعتاده في ثقافته وفكره!.

ومن هنا، فقد رفض أصحاب هذه الدعوة البديل المُر المتمثل في التقليد الأعمى للنموذج الحضاري الغربي في مجال الأدب، وطرحوا ضرورة إنتاج أدب إسلامي ينبثق من التصور الإسلامي الشامل للكون والحياة.

وتتضح أهمية هذه الدعوة إذا علمنا أن أصحابها كانوا يواجهون الاستعمار في القناة وفلسطين بسلاح العقيدة، ويتساقط منهم الشهداء، ويواجهون الاستبداد والظلم في الداخل، لا يخشون مشانقه ومعتقلاته وسياطه وآلات التعذيب التي استوردها من الغرب.

هذا في الوقت الذي كان فيه المثقفون المتغربون يلوكون ألفاظ التحديث والمعاصرة بجوار أجهزة التكييف المستوردة، ويناضلون في العوامات، ويطالبون بفصل الدين عن الدولة.

نحو أدب إسلامي

وفي العدد الأول من جريدة «الإخوان المسلمون» طرح الشهيد سيد قطب الدعوة لإبداع أدب إسلامي في مقال له بعنوان: «منهر الأدب؟».. جاء فيه: «إن الأدب كسائر الفنون تعبير موح عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان، هذه القيم قد تختلف من نفس إلى نفس، ومن بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر، ولكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة، والارتباطات فيها بين الإنسان والكون، وبين بعض الإنسان وبعض.

ومن العبث أن نحاول تحرير الأدب أو الفنون عامة من القيم التي يحاول التعبير عنها مباشرة، أو التعبير عنها في الحس الإنساني، فإننا لو أفلحنا -وهذا متعذر- في تجريدها من هذه القيم لن نجد بين أيدينا سوى عبارات خاوية، أو خطوط جوفاء، أو أصوات غفل، أو كتل صماء.

كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون، وبين بعض الإنسان وبعض.

والإسلام تصور معين للحياة، تنبثق منه قيم خاصة لها، فمن الطبيعي إذن أن يكون التعبير عن هذه القيم، أو عن وقعها في الإنسان نفسه ذا لون خاص.

(●) مدرس الصحافة بكلية الإعلام - جامعة القاهرة

أهم خاصية للإسلام

وأهم خاصية للإسلام: أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة تملأ فراغ النفس والحياة، وتستنقذ الطاقة البشرية في الشعور والعمل وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغًا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق، فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية، وتوكيد للصلة بين الخالق والمخلوق، أو بين مفردات هذا الوجود، وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف أو لتحقيق هدف مهما علا واستطال. 

وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها لا للرضا بواقعها في زمان ما أو في مكان ما، ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح ومن نزعات وقيود سواء في فترة خاصة أو في المدى الطويل. مهمة الإسلام دائمًا أن يدفع بالحياة إلى التجدد والتطور والرقي، وأن يدفع الطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع.

ومن ثم، فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة، قد لا يعنى كثيرًا بتصوير لحظات الضعف البشري، ولا يتوسع في عرضها وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبررها، فضلًا عن أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع فلا ضرورة لانكاره أو إخفائه.

إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفًا، ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة، ويدرك أن مهمته هي تغليب القوة على الضعف، ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها لا تبرير ضعفها أو تزيينه، والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة، قد يلم أحيانًا بلحظات الضعف البشري، ولكنه لا يلبث عندها إلا ريثما يحاول رفع البشرية من وهدة هذه اللحظات وإطلاقها من عقال الضرورة وضغطها.

وهو لا يصنع هذا متأثرًا بالمعنى الضيق لمفهوم الأخلاق، إنما يصنعه متأثرًا بطبيعة التصور الإسلامي للحياة وبطبيعة الإسلام ذاته في تطوير الحياة وترقيتها، وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة.

والنظرية الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض، ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تطور الحياة، ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق عن التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه، ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية، أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلبية، إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة، ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تطور الحياة وترويها سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة.

وليست الخطب الوعظية في سبيل الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي، فهذه وسيلة بدائية وليست عملًا فنيًا بطبيعة الحال.

كذلك ليست وظيفة هذا الأدب أو الفن هي تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي، وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها.

إنما هو الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان، والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة بعالم من البشر لا بقطيع من الذئاب.

الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي، أدب أو فن موجه بحكم أن الإسلام حركة تطوير مستمرة للحياة، فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل، ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع. 

فمهمته الرئيسة، هي تغيير هذا الواقع وتحسينه، والإيجاد الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة، وقد يلتقي في هذا مع الأدب أو الفن الموجه بالتفسير المادي للتاريخ، يلتقيه لحظة واحدة ثم يفترقان.

فالصراع الطبقي هو محور الحركة التطويرية في ذلك الفن، أما الإسلام فلا يعطي الصراع الطبقي كل هذه الأهمية، لأن نظرته إلى أهداف البشرية أوسع وأرقى، إنه لا يرضى بالظلم الاجتماعي ولا يقره وهو يعمل -فيما يعمل- لمكافحته وتبديله، ولكنه لا يقيم حركته التطويرية على الحقد الطبقي، بل على الرغبة في تكريم الإنسان ورفعه عن درك الخضوع للحاجة والضرورة، وإطلاق إنسانيته المبدعة من الانحصار في الطعام والشراب وجوعات الجسد على كل حال.

فالمحور الذي تدور عليه حركة التطوير في الفكرة الإسلامية هو تطوير البشرية كلها، ودفعها إلى الانطلاق والارتفاع وإلى الخلق والإبداع، وفي الطريق يلم بآلام الطبقات وقيودها ليحطم هذه القيود ويزيل تلك الآلام.

إنه لا يحقر آلام البشر، ولكنه لا يستخدم الحقد الطبقي لإزالتها، باعتبار أن الحقد ذاته قد يحول دون انطلاق البشرية إلى آفاق أعلى»

لا.. للأدب المتفرنج

وفي العدد التالي من جريدة «الإخوان المسلمون» شرح محمد قطب أسباب طرح هذه القضية، وتعرض لواقع الأدب العربي المعاصر، وتأثير الفلسفات والمدارس الفكرية الغربية عليه، حيث يقول: «لقد كان للاستعمار أثر كبير في ليّ أعناق الشرقيين عن أفكارهم الذاتية ومعتقداتهم وكيانهم الخاص، وتوجيهها إلى أوروبا أو الغرب عامة، لقتل العزة في نفوس الشرقيين، وإشعارهم أنهم ذيل ضئيل في ركب الحياة الوثابة المتحركة لا يستطيع ولا ينبغي أن يأخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وقد تربت أجيال من الناس في ظل هذا الجو، فأنسلخوا من مقوماتهم الذاتية وراحوا يبالغون في «التفرنج» حتى قال بعضهم -وهو يظن إنه يمدح- إن مصر لم تكن قط قطعة من الشرق، وإنما هي دائمًا قطعة من حوض البحر الأبيض المتوسط تتجاوب مع الإغريق والرومان، والفرنسيين، ولا تتجاوب مع الشرق ومزاجه.

ثم يئس الناس من غرب أوروبا، حين خدمتهم في عالم السياسة، ولم تمنحهم حقوقهم المهضومة، كما كانوا يحلمون، فأتجه بعضهم إلى شرق أوروبا يستمدون من أفكارها ومعتقداتها عدة للكفاح، وهم لا يدركون أنهم بذلك يكشفون عن استعمار أوروبا لأرواحهم وتغلغلها في ضمائرهم حتى وهم يقومون ضدها بالكفاح.

وبقيت طائفة مؤمنة بالله وبالمقومات الحقيقية لهذا الشعب، تكافح الاستعمار في جميع صوره وفي جميع ميادينه، وتستمد عدة الكفاح من فكرتها الذاتية عن الكون والحياة والإنسان مستفيدة مع ذلك من تجارب البشرية في كل اتجاه.

وفي الأدب العربي الحديث تنعكس هذه التيارات المتناقضة وتلون كثيرًا من صنوف الإنتاج، فالأدب الرخيص الذي يدغدغ الغرائز، ويثير كوامن الجنس، ويعري الإنسان من ثوب الإنسانية، فيرده حيوانًا هائجًا مشغولًا بملذات الجسد واقعًا تحت ضغط ضروراته هو الصدى المباشر لمحاولة الاستعمار صرف هذه الأمة عن أخلاقها وتقاليدها وعاداتها وشغلها عن كفاحها المقدس ضد الظلم والطغيان حتى تستنيم للمخدر، ويطمئن الطغاة والجبارون.

والأدب الذي يصالح مشكلات المجتمع، هو الصدى المباشر ليقظة الشرق وانتفاضته ضد الاستعمار الغربي وأعوانه، من فقر وجهل، ومرض وخرافة، وجمود وطغيان.

هل الأدب الإسلامي موجود؟!

وفي العدد التالي من الجريدة، أدان رشاد محمد خليل الأدب العربي لتخلفه عن الاستجابة للتصورات الإسلامية، مؤكدًا أن الإسلام خليق بأن يتردد له صدى في عالم الأدب، وأن يجد له استجابة معبرة في نفوس الأدباء لصلاحيته الكاملة للتأثير، واقتداره عليه من جانب، ولخلوه من نقط الضعف وعوائق التأثير التي في سواه والتي أبرزها المثالية المجردة والواقعية الهابطة والانفصالية.

ففي الإسلام مُثل وليس فيه مثالية، مُثل سهلة المنال، قد وضعت لها كل الوسائل العملية لبلوغها، وليس فيه مثالية تندب الناس إلى عالم متخيل لا يملك البشر وسائل العروج إليه. 

وفيه واقعية غير هابطة تعترف بالضعف البشري وتحسب له حسابًا في التشريع، في الوقت الذي ترسم الطرائق العملية للاستعلاء عليه، وفيه تكافلية تسلك الوجود في وحدة تحرر الإنسان من الارتباط بجزء من الحياة دون جزء، ومن حبس عواطفه الاجتماعية على جنس أو طبقة أو لون، وبذلك تتحطم كل الحواجز التي تمنع الانطلاق الأولي، وتقضي على ضرورات الانفصالية التي تشوه إنتاج الأدباء. ورغم ذلك فإن الأدب العربي ظل منفصلًا عن روح الإسلام، ولم يستجب للتصورات الإسلامية في الأدب، وبالتالي لم يقم أدب إسلامي وذلك للأسباب التالية: 1- العقلية الجزئية وقصورها عن التعبير المتكامل عن الإسلام.

2- جمود القوالب الأدبية، مما صرف أفاضل المسلمين عن الإنتاج الأدبي وترك ميدانه خاليًا يتجاري فيه السفهاء (1).

الهوامش

(1) رشاد محمد خليل، نحو أدب إسلامي، جريدة «الإخوان المسلمون» أول شوال ١٣٧٣هـ ٣ من يونيو ١٩٥٤م.

واحة الشِعر

وَلْتَشْهَدي الأعراسَ يا أقمارُ

«إلى الشهَيد عماد عوض الله وأخيه»

شِعر: محمد شلّال الحناحنة

هل زُفّت الأطيارُ

وبقلبها الأسرارُ؟!

قد جاءت الأخبارُ

يا حزننا الموّارُ

أرثوه یا أحرار

يا أيُها الأخيارُ

هذا الفتى المغوارُ

زکَّیه یا أهارُ

حنّيه يا أنهارُ

حاكي الفتى يا دارُ

أبکیه یا أحجارُ

وًلْتَشْهَدي الأعراسَ

یا أقمارُ!!

هل مات؟ لا!

لكنها الأقدارُ

لكنها الأقدارُ

وبعُرْسه لنْ يهنأ الأشرارُ!

قالوا: انتَهى

قلنا: سما

ما زاغت الأبصارُ

بَلْ شعّت الأنوارُ

يحيا الفتى المغوارُ

يا حُسْنها الأقمارُ 

وَلِقُدْسنا شهداؤها الأبرارُ

يا إخوَتي

أنتم لنا الأنصارُ 

يا إخوتي أنتم معي 

وعمادُنا الإصرارُ!

يا إخوتي..

ببلادنا لن يفرحَ الفجّارُ!

يا أخوتي كونوا معي 

«فحماسُنا» الإعصارُ!!

هذا فتى القسّام 

كل شعوبنا هتفتْ

تناديه!

هذا.. عماد الدين حُقٌ

لأمتي أنْ تفتديهْ!

يا أمةَ الإسلام قومي

أكرمي الأبطالْ

يا أمة التوحيد عودي 

أخرجي الآنذالْ

يا أمّة القرآن

أین «الرعد» و«الأنفالْ»!!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

142

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

136

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد