; المجتمع الثقافي(1269) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1269)

الكاتب أحمد محمد كنعان

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1269

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

 

إشكالية النص والتراث والواقع

رغم أن تاريخنا الفقهي حافل بالرواد المجددين إلا أن تحولات العصر كانت أوسع من تجديدهم وهو ما جعل الفجوة واسعة بين الفقه وواقع الناس

نتحدث اليوم عن ثلاثة عوامل أساسية في تشكيل الظاهرة الحضارية، هي: النص، والتراث، والواقع، فما العلاقة التي تربط بين هذه العوامل؟ وكيف تساهم هذه العوامل في تشكيل الظاهرة الحضارية؟

وقبل الإجابة عن هذين السؤالين لا بد من ملاحظة أن لكل أمة من أمم الأرض «عقلية» خاصة بها، تتشكل من خلال تفاعل الأمة مع تراثها، وهذا التفاعل يستقر مع مرور الوقت داخل عقول أفراد الأمة في صورة «آليات مرجعية» تصبح هي المتحكمة في السلوك الجماعي للأمة.

وهذا يعني -في نهاية المطاف- أن «الوضع الحضاري» للأمة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتراثها، فكلما كان التراث حيًّا وقادرًا على التفاعل مع روح العصر، كلما كانت الأمة أقدر على إحراز مواقع متقدمة بين الأمم، وكانت من ثم أقدر على الشهود الحضاري.

وأما حين يفقد التراث قدرته على التفاعل فإن الأمة تفقد قدرتها على الشهود، وتدخل متاهة الغياب، ونعتقد أن هذا هو الذي حصل عبر تاريخنا الإسلامي، فقد ظل التفاعل ما بين التراث والواقع يخمد جيلاً بعد جيل بفعل ظروف تاريخية كثيرة حتى وصلت الأمة إلى ما هي عليه اليوم من تخلف، وتوقف عن العطاء، فيا ترى ما العوامل التي أدت بالأمة إلى هذا المنخفض الحضاري؟

السنة والتراث

في البحث عن إجابة عن هذا السؤال يستوقفنا بصورة خاصة حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ»

والسنة في أصلها اللغوي تتضمن معنى الطريقة، والوجهة، والسلوك، وهذا يعني أن النبي ﷺ لم يكن يدعونا إلى تقليده وتقليد خلفانه تقليدًا حرفيًّا في كل ما قالوه أو فعلوه، وإنما كان يدعونا للاقتداء بطريقته وطرق خلفائه في تفاعل «النص- الواقع» وهذه هي السنة في بعدها الاجتهادي الذي يعطي فسحة أرحب للعقل البشري كي يتحرك بالنص بما يتماشى مع اختلاف الأحوال والأزمان، وبخاصة أن النصوص مهما كثرت فإنها متناهية، أما طرق تنزيلها على أرض الواقع فهي غير متناهية.

 وتدلنا الآثار الكثيرة على أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أدركوا هذه الحقيقة منذ وقت مبكر، حين رأوا أن تبدل الأحوال والأزمان بات يقتضي اجتهادات جديدة لم تكن ممن سبقوهم، فاجتهدوا، ولم يشكل التراث ولا النص عائقًا يحول دون اجتهادهم، ذلك لأنهم كانوا يدركون عن وعي أن النص والتراث قد جاءا لحل المشكلات، ولم يجيئا لتعقيدها، وقد أسعفهم في هذا ثلاثة عوامل هي:

 1- الفهم العميق للعلاقة الجدلية التي تربط ما بين النص والتراث والواقع.

2- الفهم الصحيح لمعنى السنة ومعنى التراث.

3- الفهم الواعي لفقه التطور في حياة الأفراد والمجتمعات.

 وقد استمرت الحال على قريب من هذا المنوال في التعامل مع النص ومع التراث، فلم يكن أسلافنا يأخذون بالتراث أخذًا يعطل عقولهم، ويدفعهم لتجاهل الحقائق التي استجدت في عصورهم، بل كان الواحد منهم يتحرك في عصره وإحدى عينيه على التراث، والأخرى على الواقع، وذلك بحثًا عن حلول عملية لمشكلات هذا الواقع الذي شاءت حكمة الخالق أن يتغير ويتبدل، وألا يثبت على حال واحدة.

ولقد قام فقهاؤنا الأوائل بتأصيل المسألة، فوضعوا القاعدة الفقهية التي تقول: «لا ينكر تبدل الأحكام مع تبدل الأحوال والأزمان» لأنهم كانوا يدركون أن تطور الأحوال مع مرور الزمن سنة من سنن الله في الخلق، وأن هذا التطور يتطلب اجتهادات جديدة لمواجهة مشكلات المرحلة، ومن هنا أصّلوا القاعدة التي أشرنا إليها، وجعلوا فهم الفقيه لعصره أداة لا بد منها لكي يحسن الفتيا، مؤكدين أن الفقيه الذي لا يعرف طبيعة عصره لا يمكن أن يجتهد له ولا يستطيع أن يقدم الحلول العملية الصحيحة لمشكلاته.. ومن هذا المنطلق كانت عبقرية الإمام الشافعي رحمه الله، الذي كان قد أسس أصول مذهبه، قبل رحيله إلى مصر، فلما وصل إليها (عام 199هـ) أعاد النظر في كثير من اجتهاداته السابقة، ووضع كتبًا جديدة، وأملى مسائل لم يكن قد تعرض لها من قبل!

مسايرة الأحكام

إلا أن هذه القاعدة -على ما بدا من تاريخنا الفقهي- لم تأخذ حظها من التأثير في مسايرة الأحكام للتبدلات التي حصلت فيما بعد، لهذا ظل معظم فتاوى المتأخرين صورة طبق الأصل من فتاوى المتقدمين على الرغم من العصور الطويلة التي باتت تفصل هؤلاء عن أولئك.. مما أدى إلى دخول فقهنا الإسلامي شيئًا فشيئًا مأزق الانفصال عن واقع العصر، حتى تكرست هذه الحال رسميًّا، وأغلق باب الاجتهاد مع سقوط عاصمة الخلافة بغداد في عام ٦٥٦هـ.

 ومع أن تاريخنا الفقهي قد حفل بالعديد من الرواد الذين قاموا بمحاولات طيبة في التجديد والاجتهاد لعصورهم، إلا أن تحولات العصر كانت أكبر وأسرع من أن تفي تلك المحاولات الفردية بمعالجتها، مما جعل الفجوة ما بين الفقه وواقع الناس والمشكلات التي يعانون منها تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم، وقد أدى هذا الوضع غير المتوازن إلى تعليق الكثير من المشكلات دون حل، وأدى كذلك إلى تكريس أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية انتهت بالأمة إلى حالة الغياب الحضاري التي نعيش اليوم أشد أيامها مرارة.

وتدل سنة الله في خلقه على أن الأمة التي تدخل متاهة الغياب الحضاري لا يمكن لها أن تسترد شهودها إلا بأحد خيارين لا ثالث لهما:

الأول: أن تتخلى عن تراثها القديم، وتجتهد في بناء تراث جديد، على أسس جديدة.

الثاني: أن تعيد النظر في تراثها القديم، لتنفي عنه الشوائب التي علقت به، وأمست تحول بينه وبين التفاعل الخلاق مع روح العصر.

وفيما يخصنا -نحن المسلمين- فإن الخيار الأول غير وارد أصلاً، لأن ارتباطنا بتراثنا الإسلامي هو ارتباط عقيدة وإيمان وتوحيد، ومن ثم فإن الخيار الآخر يبقى هو قدرنا الصعب الذي علينا -إن أردنا النهوض حقًّا- أن نواجهه بالشجاعة اللائقة، على ما فيه من صعوبات والتباسات.

ونعتقد أن مثل هذه المهمة الصعبة لن تتم على وجهها الصحيح ما لم نقبل عليها بروح قابلة للتفاعل مع روح العصر، وما لم نعِ على وجه الخصوص طبيعة العلاقة التي تربط ما بين: النص والتراث والواقع.

مالك بن نبي

عندما نتذكر أولئك الذين سبقونا إلى الدار الباقية، إنما نتذكر فيهم ما تركوه من آثار في القول والعمل.. والأستاذ مالك بن نبي- رحمه الله- لم تكن حياته لنفسه فحسب ولكنه كان مناضلًا بالقلم والكلمة.. وهو يعد أحد أقطاب رواد النهضة الإسلامية وأعلامها، عاش للإسلام وناضل من أجل إحياء حضارة الإسلام، وكل كتاب من كتبه يذكرنا بهذه الحقيقة، فرغم أنه حاصل على شهادة الهندسة الكهربائية إلا أن ارتباطه بالمجال الفكري والحضاري ومساهماته المتعددة في تنظيم ندوات وملتقيات فكرية، جعل منه مهندسًا بارعًا في الأفكار فقد كان يؤمن إيمانًا كبيرًا بأن المشكلة الحقيقية التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية هي مشكلة أفكار وحضارة، ووضع نظريته المشهورة: «بأن الحضارة لا تستورد وإنما هي عبارة عن إبداع وليست تكديسًا ولا جمعًا لركام من الأشياء، وإنما هي بناء وتركيب للعناصر الثلاثة الإنسان- الزمن- التراب وهي تمارس مفعولها ضمن تركيب متآلف يحقق بواسطتها جميعًا إرادة وقدرة المجتمع المتحضر؛ فدورة الحضارة إذن تتم هكذا، إذ تبدأ حينما تدخل للتاريخ فكرة معينة، أو عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين».

ولقد أبدى مالك بن نبي رأيه في الاستشراق واهتم كذلك بتفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي والسياسي ولم يهتم بتفسير آيات الأحكام التي يرى أنها من اختصاص الفقهاء.. وفي كتابه «المسلم في عالم الاقتصاد ۱۹۷۲» يذكرنا بمدى قدرة الإسلام على المساهمة في حل مشاكل التنمية بمحاربته لتغليب كفة الحقوق على كفة الواجبات.. كما أنه - رحمه الله- يذكرنا في العديد من كتبه الأخرى بالمجتمع الإسلامي الأول الذي أسسه سيد الأنام- عليه الصلاة والسلام- في المدينة المنورة، وما اتصف به من أخلاقيات ونقد ذاتي، وبأنه أول ساحة للعمل صنعت فيه الحضارة الإسلامية، كما أن هذا المفكر الإسلامي كان يرد على بعض الشبهات التي علقت بالدين الإسلامي، وهو الذي استطاع أن يبرهن برهانًا لا يقبل الجدال على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حسب رأي أحد الذين عايشوا عصره، وبرهانه يعتمد على ركائز أساسية منها المعيار النفسي، المعيار الأخلاقي، المعيار المنطقي والعقلي.. ولكل ركيزة شرحها ومعناها.

إن مثل هذا الكلام عن مالك بن نبي يجعلنا نقول بأنه كان مدرسة، وأفكاره اليوم تدرس في أكبر الجامعات العالمية نظرًا لبراعتها وفنياتها وما تمتعت به من أساليب تحليلية وبراهين واقعية وملامسة للمجتمع نفسه.

آمنة بواشري- الجزائر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل