; قراءة نقدية في المجموعة القصصية: «إيقاعات في قلب الزمن» | مجلة المجتمع

العنوان قراءة نقدية في المجموعة القصصية: «إيقاعات في قلب الزمن»

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1211

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 06-أغسطس-1996

المجتمع الثقافي

المجموعة تتميز بالتركيز على الحدث والتعمق فيه، وقراءة الأحاسيس والأفكار.

● الكلمة عند الكاتبة صورة، تُرسم بأسلوب شاعري سماته البساطة والوضوح والطرافة والعمق.

إن عطاء المبدعين في الأدب الإسلامي المعاصر- بعامة- والقصة الإسلامية. بخاصة- يزداد ويتألق ويسهم في ترسيخ معالم هذه الفنون على أسس إسلامية من خلال تصور واضح يشمل الحياة البشرية ويتسع لكل النشاطات والمجتمعات والمشكلات المعاصرة.

ومع كل المعوقات والصعاب التي يعاني منها الأديب المسلم، كما يعاني غيره في أكثر النشاطات الاجتماعية والثقافية والأدبية.. فإن الأدباء المبدعين ما زالوا يتو الدون، ويتكاثرون، ويزداد عطاؤهم وإصرارهم على جلال الخط المتميز للأدب الإسلامي، والصورة المشرقة للإبداع الإسلامي، الذي يعبر عن الإنسان عن فطرته السليمة وأحلامه المشروعه، ومعاناته اليومية، وإشراقاته الفكرية والسلوكية والإبداعية التي تنبثق من التصور الإسلامي الصحيح.

بين يدي اليوم مجموعة قصصية حديثة بعنوان «إيقاعات في قلب الزمن" للكاتبة الأديبة والمبدعة "سعاد عبد الله الناصر"- من المغرب "أم سلمی"، من إصدارات «دار الأمان»، ٤ زنقة المامونية هاتف ۲۳۲۰۷٦- الرباط بالمغرب.

 وهي تضم تسع عشرة قصة في حوالي مئة صفحة، وهذه المجموعة بقصصها المختلفة تنبئ عن موهبة قصصية ذات طاقة مبدعة وقادرة على التقاط الأجزاء المتناثرة، والحوادث العابرة، والمشكلات اليومية المكرورة، والسمات الباهتة لتجعل من هذا كله نسيجًا أدبيًّا قادرًا على الإيحاء بالفكرة، وتجسيد الموقف المطلوب. 

المجموعة تصور مواقف، وأحداثًا، وتعالج مشکلات اجتماعية وفكرية وسياسية بطريقة هادئة عميقة.

لقد اختارت الكاتبة طريقتها وأسلوبها والذي يتلاءم مع هذا العصر، مع الأفكار المتضاربة، مع هذا الصخب المجنون الذي يملأ ردهات الحياة بأسماء المدنية والحضارة والثقافة والإبداع. ومع هذا العالم الذي ضحى بكل قيم الحياة الإنسانية باسم الإنسانية ذاتها، وباسم الحرية والديمقراطية والتقدم.

لم تكتب قصصها بطريقة الحكاية والسرد، واختيار الشخصية المركزية الذي تدور من حوله الأحداث، أو ترتبط به لكي تتكامل أطراف الحكاية، وتسرد أحداثها.

إنها تختار نقطة ما قد تكون حادثة أو موقفًا أو شخصية، أو فكرة وتبدأ في إنارتها شيئًا فشيئًا، ترسم حولها دوائر إثر أخرى وتتوسع الدوائر وتتعمق النَّظْرَة حتى يحس القارئ أنه يسمع همسات القلوب وآثار المشاعر، وانعكاسات الأضواء والأصوات وسط النفس المغلقة التي تحاول سبر أغوارها إن مثل هذه الطريقة تحتاج إلى قدرة على التصوير، وقدرة على استكناه ما في النفس وما يعتري المشاعر إزاء حدث ما إزاء موقف أو فكرة الكلمة الواحدة تصبح حديثًا طويلًا رعدًا صاخبًا، أو تتحول من ضباب وغيوم، إلى سهام وسيوف وقنابل.

كل هذا يتحقق من خلال قدرة الكاتبة المبدعة على التصوير وعلى استخدام أجزاء الصورة، بل تدبيج صورة مبتكرة تجمع المسموعات والمشمومات والمرئيات والملموسات، بطريقة مبتكرة أسرة، فالكلمة عند الكاتبة صورة والصورة ترسم بأسلوب شاعري ساحر أحيانًا، سماته البساطة والوضوح والطرافة والعمق معًا.

لنأخذ هذه الفقرات التي تتدافع فيها الصور عبر الكلمات والعبارات رجعت الكلمات مهرولة نحو شفتيه مرتطمة بذهول خصه وأشعل الغضب في كيانه، تسمرت كلمات أخرى حاولت الانطلاق متجاوزة الرفض المطلق، ووقفت اللامبالاة والتحدي حاجزًا بينهما التقط الغضب المشتعل وقال..[1] "التعب ينخر قدميها من جراء الوقوف[2].

وهذا تصوير حالة اجتماعية بائسة لزوجين يكافحان بصبر وعناء وصمت. "وتغضنت حيويته، وسيطر عليها التوتر في انحناءاته الصاخبة، وانطلق الجرح الغائر يجار بصمت مكدود النبرات تراجعت حيطان المطبخ خلفه، والتمع طنين مكتوم وصل إليها عبر أنفاس لاهثة تتردد وهي تحصي الأوراق المالية المتبقية من حدود خشنة تنسف الأحلام المتطلعة بأنوارها الساطعة نحو أرواح بريئة هادئة غافلة، ثمرات كنزية تنام في دعة متكاملة خارج الزمان المتصابي.."[3]

وهذا تصوير للغربة الجارحة:

"اعتدل واقفًا اعتصره الألم وهو يحس بالغزال الشارد في خياله الذي كان يتغذى منه في غربته بذيل، وتبكي أعماقه، جرحًا عاريًّا يتمدد في الحدود".[4] الصور كثيرة وجميلة وطريفة، حتى أن القارئ يشعر بأنه مأسور لصفحات القصة ومشدود إليها بشغف داخلي لكي يستطيع استكمال الصورة، وكأن الكاتبة- باقتدار- رفعت من توتر إحساسه وانتباهه حتى اشتدت يقظته طيلة القراءة. لقد استخدمت الكاتبة طريقة اختيار نقطة ما من الحدث أو حالة ما من حالات الشخصية، ثم بدأت تتعمق في إضاءة ما في داخلها بدلًا من الانسياح في الظاهر أو السرد عن طريق الأحداث المتتابعة.

الغموض والرمز والغوص في النفس وتقليب أوراق الفكر، وتتبع جوانب الحلم وتداعي الصور والأفكار، وتصوير الأحاسيس المختلفة المتناقضة، كل ذلك يسهم في إضاءة الحدث، أو الكشف عن الشخصية أو جلاء الموقف لنقل هذا كله الفكرة أو الإحساس إلى القارئ مما يعطي القصة جاذبية خفية غامضة، ويتيح للفكر أن يظل نشيطًا ، في البحث عن حقيقة الصورة، أو تفسير الغموض واستجلاء ما وراء الرمز أو العودة من الغوص في الأعماق أو التحليق مع الأحلام وتداعي الأفكار بفكرة أو موقف، أو إحساس مقصود من وراء القصة.

ها هي تصور مشاعر متحابين تجمعهما هموم واحدة، وأحلام واحدة مما دفع بالفتاة إلى مصارحة أبيها بأنها تريد هذا الشاب لأنه يشاركها في حمل القيم والمبادئ التي تؤمن بها، وبعد تحقق ذلك تقول: "تركها وخرج حاملًا قلبها بهدهده بين أضلعه لم يكن يتصور أنها يمكن أن تجرؤ على هذه الخطوة التي كسرت كل التقاليد عن وعي. لكنها كسرتها دون أن تخدش حياتها، وأدخلته نحو قرار متلهف على التساكن والتآلف، عسى أن تهدأ أرواحهما، وينتج عن هذا الهدوء نسيج يلتف حول الصمت ويخنقه، ويقف في وجه الذهول، والإباحة كلاهما تعب من القبح وسئم الرذيلة، ومل المعاناة والألم كان والدها يتابع ما يستعر في صدرها من مشاعر أدرك أنها تشبثت بموقفها المشرف، ولم تقل أبدًا "هيت لك"، وإنما أتى نداؤها شلالا يغسل المتاهات، ويفتح الأبواب للاقتحام الجواني..."[5].

تصوير مثير ودقيق وعميق لحالة الفتاة التي تختار رجلها على هدي من الله تبدو شجاعة بحياء وعفة وواضحة بلا تبذل، تكسر حواجز التقاليد التي تمنع الخير وتفتح للغد طريقًا واضحًا، وتتمسك بكبرياء كرامتها المصونة.

وعندما تصور الفدائي الذي يقدم روحه في سبيل الله تجمع عناصر الصورة من الليل والأسرة، والواقع، والأمل ومشاعر النفس وذكريات الأمس، وصور الجهاد وتحت لحاف الليل كنت تجتمع بإخوتك تكتبون أنشودة الفتح العظيم والفتح له ظفائر شتى؛ الظفائر تنمو بين المسافة والجرح؛ الجرح بركان، البركان سيفور لحظة الانبعاث؛ اللحظة آتية لا ريب فيها والتفت إلى أمك التيقدمتك ثمرة ناضجة إلى رياحين الجنة، أجدها تحن إلى بريق جمراتك بتوتر هادئ، والدموع مستريحة فوق أهدابها تمتحن قلبها النابض بشجاعتك المستمدة من شوق اللقاء بأحباب السماء، وترفع رأسها المتوج بالبياض لتلتقي نظراتنا فتطل ابتسامة صافية عذبة من شفتيها، وتتحسس كتابك الأنيس في ليالي التردد والغربة القرآن الكريم، تستمد منه مزيدًا من القوة والعزاء وتحوم حولها ظلال خافتة، فتدرك إصرارها الغريب على معرفة كل تفاصيل ما جرى لك[6]

إن المجموعة مليئة بالصور، حتى لتكاد الصورة تدفع الصورة، وقد تتزاحم الصور وتتداخل حتى يحار القارئ في متابعة أجزائها، ولكنها تظل تفسح أمامه أبعادًا ومساحات ملونة شاسعة، وأحلامًا وأفكارًا وأحاسيس متوالدة مما يعطي القصة الواحدة- على قصرها. بعدًا إنسانيًّا رائعًا. إنه أسلوب التركيز على الحدث الواحد أو الشخصية الواحدة، ثم الغور والتعمق، وتقليب الصفحات، وقراءة الأحاسيس والأفكار والتعرف على الأحلام من خلال التصوير الذي غدا ميزة واضحة في المجموعة.

ولغة الكاتبة واضحة بمفرداتها. ولكنها. في استخدامها- تغدو موحية في داخلها عذوبة الشعر وجماله ورؤاه، ويتداخل فيها الرمز والغموض المقبول، واستدعاء المعنى المضيء من اللفظ القرآني، أو المعنى المنبعث من الحديث الشريف، أو التاريخ والأحداث. وقلما استخدمت الكاتبة الحوار، إلا إذا كان حوارًا داخليًّا، أو نقلة بين موقف وموقف[7]أو تعميقًا لفكرة، وتأكيدًا لقيمة وموقف.

قدمت إليه الأوراق قالت: لم أكن أدري أنني سأحتاج إليها في وطني، قال: ماذا تعرفين عن الوطن غير إحداث البلية والفوضى بين الصفوف قالت: الوطن حلم لم يتحقق بعد رد بعنف: اصمتي لا نريد كلامًا[8]

هذا حوار بين القهر والتسلط وبين الأمل المتمثل بالشباب الواعد الذي يعبر عن أهدافه وغاياته بقوله:

قالت وصدى صوتها يعانق السحاب لا نريد جر البساط نريد فقط زرعه باللون الأخضر ليشم عبيره كل فرد تاق إلى الحرية فيهدأ القلق الذي بداخله، ويعيش واقعًا حقيقيًّا.[9] 

هذه صورة لنماذج القصة الإسلامية المعاصرة، تخوض التجربة بثقة وصبر وثبات تشعر أنها تمارس لونًا من ألوان الجهاد وأنها بخطواتها تحفر طريقًا جديدًا وتترك معالم درب مضيء، وهي بهذه الطريقة تختار أسلوبًا جديدًا، ولكنها تظل في اختيار كلماتها وصورها وعباراتها مستضيئة بنور التصور الشامل الذي اختاره الله للحياة، لا تقول كلمتها بأسلوب مباشر، ولكنها تقنعك بأن هذه الدنيا، وهذه الأحداث، وهذه الانفعالات وهذه التجارِب تستمد روحها وضياءها من مشكاة الإسلام والمجموعة لا تخلو من عشرات في بعض الأخطاء أو الصور ولكنها لم تؤثر على جمالها وحيويتها، وعمق الأحاسيس المبثوثة في داخلها.

إنها مثال واقعي على معاناة الأديب المسلم في إيصال صوته للقارئ عبر العوائق الكثيرة عوائق النشر والطباعة والتوزيع ومع ذلك فإن الصبر المنبعث من الإيمان يضيء مسافات الزمان والمكان، ويخترق حواجز العتمة، ويثبت أصله في الأرض ويمتد فروعه في السماء، ويؤتي أكله الطيب في كل حين.


[1] - ص ٧ من المجموعة قصة للواقع طريق».

[2] -ص 8من المجموعة قصة للواقع طريق».

[3] - ص ۱۳ قصة ، إيقاع.

[4] - ص ٤٧ قصة «العودة.

[5] - المجموعة ص ٦٠ ٦١ قصة على الحلم.

[6] - المجموعة ص ٧٤ قصة الطلقات السبع.

[7] - كما في ص ٩ على سبيل المثال في قصة المواقع طريق.

[8] - المجموعة ص ۱۱ ۱۲ قصة المواقع طريق.

[9] - المجموعة ص ۱۱ ۱۲ قصة المواقع طريق.

الرابط المختصر :